المنشور

جذور الصراع الطائفي اللبناني (2)

أعطى العصرُ الحديثُ إمكانات كبيرة للبنان كي يتحرر وينفصل بذاته عن استبدادية الشرق الملاصق له، ففرنسا مؤسسة الحداثة الغربية النضالية هي راعيته، وغذت فيه الثقافة الحديثة عبر المؤسسات التجارية التصديرية الاستيرادية، وكان الموارنة – برجوازية لبنان – هم الوكلاء، ومنذ القرن التاسع عشر تدفقت سيول هذه الثقافة التنويرية الأدبية، لكن بقيت في طابعها الثقافي العام غير قادرة على تكوين ثقافة وطنية توحيدية.
فإنتاجُ الثقافةِ من خلال الطائفةِ بشكلٍ استيرادي يجلبُ مفاهيمَ المصدر، وحتى هنا حين قام الموارنة بجلب الثقافة الفرنسية التحديثية حجّموها في مفاهيم نهضويةٍ مجردةٍ غيرِ قادرةٍ على النقد النضالي للطائفية وإنتاج ثقافة ديمقراطية علمانية، فقادَ هذا الطوائفَ الأخرى لجلبِ ثقافات طائفية من مصادر أخرى.
فواجه لبنان ثقافةً تابعةً للحداثة الشكلية الغربية، وهيمنة دينية إقطاعية شرقية كبرى متعددة الأشكال. سياسياً تجسد ذلك في ظهور حزب (الكتائب) بشكل فاشي، مستوحياً نموذجه من أسبانيا فرانكو، وليس من ثقافة هدم الباستيل الفرنسي، مما أكد جذور الإقطاع الماروني العسكري أكثر من انفتاح الحداثة الديمقراطي، ووضح عدم قدرة البرجوازية الطائفية على إيجاد ثقافةٍ وطنية ديمقراطية، وهذا قادَ المسلمين إلى بعثِ النماذج الدكتاتورية السياسية لطوائفِهم المختلفة، وهم يقبعون كذلك في الإرث الاجتماعي التقليدي.
وذلك يتشكلُ عسكرياً بطابع المليشيا التابعة للحزب الشمولي.
إن كل طائفة حسب هذا التطور تصعدُ دكتاتوريتَها الخاصة، حسب تدفق الثراء داخل قياداتها، وعلاقتها بطرف عالمي مهيمن، وعلاقتها بطرفٍ عربي إسلامي ناهض أو موسع لسيطرته. فيغدو لبنان صدى للخارج، وداخلهُ يمورُ بحركةٍ غير منتجة مؤسسة.
أحجام الطوائف مهمة وتحالفاتها مهمة كذلك، وأيضاً دور القيادات الارستقراطية والإقطاعية وشبه البرجوازية المهيمنة واتجاهاتها في الحقول الوطنية والمناطقية والعالمية:
(ويُقدر عدد المسلمين ككل في لبنان بـ (59,7%) من أجمالي عدد السكان، والسنة تقدر نسبتهم ب(27%) من السكان، في حين تقدر نسبة الشيعة بـ (41%)، والدروز (7%)، أما الطوائف المسيحية فتشكلُ ما نسبته (39%)، أكبرها طائفة الموارنة (16%) من السكان، وهناك طوائف مسيحية أخرى أصغر حجماً، كالكاثوليك اليونانيين، والرومانيين (1%) والأرثوذكس (5%) واليعاقبة والنسطوريين).
ففيما كانت الهيمنة الغربية تواجه انحساراً مؤقتاً خلال نهوض الشرق التحرري صعدتْ القوى القومية العربية في سوريا ومصر والعراق وغيرها من الدول العربية، صانعةً نموذجَ رأسماليةِ الدولةِ الوطنية الاستبدادية، وهو شكل يؤكدُ ضعفَ السوق الحر والقوى الوسطى وهيمنة قوى وسطية هامشية خاصة الضباط الكبار، فتمددتْ على لبنان وتصارعت فيه واصطدمت بنموذجه الليبرالي المتغرب.
تواجه هذا الصراع بين النموذج الليبرالي الغربي التابع، ونموذج الشرق العربي التحرري الشمولي، ولم يكن لبنان قادراً على الانحياز لكلا الشكلين من التطور، فتلك دول عربية كبيرة موحدة قادرة على إنتاجِ الدولةِ المركزية، فيما لبنان ليس بمستوى ذلك، كما أنه غيرُ قادرٍ على إنتاجِ نموذجِ الغرب الديمقراطي التحديثي العلماني من جهة أخرى، فأكتوى صراعاً وناراً بين الجهتين.
كان لابد للمسلمين من الانحياز ضد النموذج الغربي التحديثي الديمقراطي التابع، في أثناء صعود نماذج الدول الوطنية الشمولية، فأدى عددهم الكبير ونشاطهم من تحجيم المحور الآخر لكن من دون القدرة على هزيمته، ومن دون القدرة على إنتاج نموذج وطني ديمقراطي توحيدي من جهةٍ أخرى، فبقيت الطوائفُ في اختلافها وصراعاتها، وبقيت قواعدُها وقممها المفتتة غير الملتحمة طبقياً.
تغدو التحالفات والمفارقات نتاجاً لحراك طائفي داخلي، فالقيادة المارونية الغنية ذات الشعار الغربي وجدت نفسها في صعود الغرب ونزوله، فيما صعد المسلمون مع نمو الدول العربية والإسلامية، عبر حراك طوائفهم وظروفها وصراعاتها كذلك والتي سوف تصل لاحقاً إلى مستويات كارثية.

صحيفة اخبار الخليج
14 فبراير 2011

اقرأ المزيد

الميثاق وخيار الإصلاح

في ذكرى ميثاق العمل الوطني نستعيد تلك اللحظة التاريخية الفاصلة في البحرين منذ عشر سنوات، حين وقف الشعب البحريني بالاجماع مع ارادة الاصلاح والتغيير بتصويته بنعم على وثيقة الميثاق، بطريقة عكست توق البحرينيين والبحرينيات للقطع مع المرحلة السابقة، بما اتسمت به من تغييب للحريات وتهميش لدور المجتمع المدني، وقمع القوى السياسية المطالبة بالديمقراطية.
لقد اطلق ميثاق العمل الوطني وما تلاه من تغييرات، دينامية سياسية واجتماعية غير مسبوقة في تاريخ البحرين، فكان لاطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين وعودة المنفيين والغاء قانون ومحكمة أمن الدولة، وتعدد منابر التعبير عن الرأي، وبعد ذلك عودة الحياة النيابية الى البلاد، آثارها المهمة على طريق اضطلاع المجتمع المدني في البحرين بدورٍ أوسع من خلال الجمعيات السياسية والنقابات العمالية وسواها من مؤسسات وهيئات.
ووسط تغيرات اقليمية حاسمة شهدناها، تمكنت البحرين بفضل المشروع الاصلاحي لجلالة الملك أن تظهر كبلد استطاع أن يختار بارادة الدولة والمجتمع خيار الاصلاح في وقت مبكر، سابق لدعوات الاصلاح التي انتشرت في المنطقة خاصة بعد احتلال العراق وما ترتب على ذلك من تغييرات في المنطقة.
واليوم والبحرين تحتفل بالذكرى العاشرة لاقرار ميثاق العمل الوطني، وسط متغيرات عربية مهمة سيكون لها آثارها على المنطقة العربية المترابطة، فانه من المهم التأكيد على أن جوهر عملية الاصلاح هو في استمراريتها، وعدم ثباتها عند نقطة واحدة، وهذا ما سيشكل ايضاً الدافع الرئيس لرسوخ التحولات التي شهدتها بلادنا وبلوغها آفاقاً ومستويات جديدة.
وهذا يعني أن جهداً كبيراً يجب أن يبذل من أجل التغلب على الكوابح والمعوقات التي تعترض مسيرة الاصلاح، وتوفير مستلزمات تسريعها، بما يتناسب وطموحات الشعب البحريني، وهي طموحات رفع مستواها المشروع الاصلاحي ذاته وميثاق العمل الوطني الذي دعا الى قيام المملكة الدستورية، كما انها تنسجم مع تراث من كفاح شعب البحرين في سبيل المشاركة السياسية.
وللاصلاح عدة وجوه، ولكنها وجوه مترابطة، متداخلة، ويهمنا في هذا السياق التركيز على البعد السياسي – الحقوقي، وعلى البعد الاقتصادي – المعيشي.
فثمة حاجة لمراجعة جدية للتشريعات الموروثة من المرحلة السابقة، وحتى لبعض التشريعات التي مررها المجلس الوطني، والمتصلة بمساحة الحريات، فالتجربة تظهر انه كلما اتسع نطاق الحرية التي يحميها القانون ويضمنها، ازداد مناخ الثقة والتفاعل الايجابي مع العملية الاصلاحية، وهذه العملية بالذات تحتاج لتشريعات وتدابير من طينتها، أي اصلاحية الطابع والجوهر.
ولا يمكن الحديث عن الاصلاح السياسي دون اصلاح اقتصادي مُوجه نحو النهوض بالأوضاع المعيشية والحياتية للمواطنين، من خلال زيادة الأجور ومعالجة البطالة، والاهتمام بحل مشكلة الاسكان الآخذة في التفاقم، وكذلك من الضروري الاستمرار في الجهود المبذولة لتطوير البنية التحتية في البلاد، مع ايلاء عناية أكبر للخدمات الضرورية الموجهة للمواطنين في مجالات الصحة والتعليم والثقافة وسواها.
ان الذكرى العاشرة لميثاق العمل الوطني مناسبة وطنية تشكل فرصة طيبة للتأكيد على المضي في عملية الاصلاح من خلال المزيد من التدابير والخطوات الضرورية، وتعزيز ثقافة الحوار الوطني وسيلة لبلوغ التفاهمات الضرورية التي تجعل من عملية الاصلاح خياراً مستقبلياً لا عودة عنه.
 
صحيفة الايام
14 فبراير 2011

اقرأ المزيد

جذور الصراع الطائفي اللبناني (1)

جغرافية لبنان الجبلية العالية وتشكل مدنه وراء هذه الجبال الحارسة الصادة لهيمنة ملوك الشرق وأباطرته الباذخين السرمديين، هي التي أعطتْ مدنَهُ وأريافه إمكانيات أن تكون لها رؤوسٌ عالية، وأرادةٌ نضالية، حين جمعت هذه المدن بين الأسوار وروح النضال وعقلية البحث والتجارة.
ولكن الحرية غير مكتملة لأن المدن على مرمى حجر من حكام الشرق، كما أن هؤلاء قادرين على التسلل بين الجبال وحرق المدن أو الإستيلاء عليها.
ولهذا كان لبنان وما يقاربه من سوريا هو أرضُ المنفيين، والمهاجرين المعذبين، والتجار المغامرين، ولم تفلح ثورتهُ الفكريةُ الديمقراطية داخله وإنتقلتْ لبلاد الأغريق حيث الإتساع الكبير والحماية الجغرافية المنيعة.
فاضتْ عليه الدياناتُ والأمبراطورياتُ المسيحية والإسلامية، وجاءه المعذبون والمناضلون الذين فشلوا في نضالاتهم، والموظفون الحاكمون مندوبو الدول، فتكونت فيه فسيفساءٌ دينيةٌ مذهبية إجتماعية، من موظفي الخلفاء الراشدين إلى حكام الخلافات الاستغلالية في العهود التالية. من قادة يرسلهم عمر بن الخطاب إلى القبيلة العربية المهزومة بعد حرب صفين، وزُرعت فيه كلماتُ المنفي المناضل أبوذر الغفاري وقوى الحلم الإسلامي بالعدل وأصطفت إلى جانب المعذبين المسيحيين الهاربين من الاضطهاد.
لم تعد المدن التجارية الموانئ المزدهرة هي فقط ما ينتجه العربُ المسيحيون والمسلمون بل الأرياف المزدهرة والمحمية بالأحراش وغابات الأرز التي صارت عنواناً للحماية وشموخاً وإختباءً.
زرعتْ فيه الدولُ الاستغلالية الأحقادَ الدينية والشكوك، فكلما جاءت قوةٌ مهيمنة قتلتْ أصحابَ العقائد الأخرى، ونفختْ في عقيدتها بالأجهزة وموظفي الخراج مصاصي الدماء.
في القرون الحديثة غدت هذه الفسيفساء الدينية الطائفية ساحات للشطرنج السياسي، فالإقطاع الزراعي ومادته الخام المستغلة الفلاحون، هو الرقعةُ الكبرى التي تجري فوقها خيولُ المصالح، وكل إمبراطورية تتقدم بمجموعة من البيادق الاجتماعية السياسية، الأمبراطورية العثمانية ختام الحكم الإقطاعي أخذت تواجه تمرد الفلاحين المُحرَّضين من قبل الغزو الغربي الإستعماري، وشكلَّ هذا التغلغل الغربي أدواته من خلال الثقافة الدينية السياسية فحافظ على الإقطاع الديني السياسي كواجهةٍ زائفة للحضارة الأوربية المسيطرة، وجعل الدين الإسلامي بمذاهبه أكسسورات مكملة للسيطرة العليا المارونية.
السنة في نموهم المدني، والشيعة بكدحهم الفلاحي، يقدمون البضائعَ للتاجر الماروني، كوكيل للاستعمار الفرنسي، لكن المسلمين من خلال توالدهم الكثيف، وحراك منطقتهم التي يسيطرون عليها، وصراعهم مع اليهودية، راحوا يغيرون الثالوث اللبناني أو يسقطونه فوق رؤوسهم.
هذا الظرف المنوع المتصارع مكن الاستعمار الفرنسي من تشكيل دولة طائفية يرأسها الموارنة، وتتدرج في سلمها الاجتماعي السياسي المتصارع الملتبس بين الطوائف الإسلامية والطوائف الأخرى.

صحيفة اخبار الخليج
13 فبراير 2011

اقرأ المزيد

البغـال في مواجهة «جوجل»


لم يلخص مشهد محاولة اقتحام ميدان التحرير يوم الأربعاء الماضي بالأحصنة والجِمال والبغال -في بعض الروايات- ثم قنابل «المولوتوف» لاحقاً، الوضع السياسي الراهن في مصر فحسب، لكنه لخص أيضاً الوضع الاقتصادي في بلد الـ80 مليوناً، حيث يعيش نصفهم تحت خط الفقر.

لم تكن «غزوة الجِمال» – كما اصطلح على تسميتها إعلامياً- مجرد فصل في صراع بين نظام سياسي متشبث ببقائه تحت دعاوى «الشرعية الدستورية» ومحتجين ومعتصمين في الميدان وغيره في أنحاء البلاد يطالبون بعهد جديد لن يخرج إلى النور إلا على أنقاض النظام القائم، ولكنها أيضاً تكشف خبايا الوضع الاقتصادي في بلد لا تنقصه الموارد ولا الإمكانات لانتشال سكانه من براثن الفقر.

«البلطجة»، وإساءة استخدام النفوذ والتزاوج – غير الشرعي- بين المال والسلطة سمات عانى منها الاقتصاد المصري كثيراً على مدار عقود. والأمثلة بلاحصر: كم هي مساحات أراضي الدولة التي اغتصبها «بلطجية» بقوة السلاح ثم آلت إليهم ملكيتها لاحقاً بأبخس الأسعار، وبلا ثمن أحياناً، تحت مسمى «قانون وضع اليد».

 لمن لا يعرف الإجابة عليه الذهاب إلى طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي الذي يمتد لأكثر من 200 كيلومتر، ولا يوجد على جانبيه «شبر» واحد لم يغتصبه رجال أعمال أو أصحاب نفوذ مدعومون بـ«بلطجية» مسلحين. كم من معركة حربية، سقط خلالها ضحايا، وقعت بين أطراف متصارعة على أراضٍ تملكها الدولة أصلاً، وكم من مشاهير في السياسة والفن والمجتمع تورطوا في اغتصاب ممتلكات الشعب تحت سمع وبصر الحكومات المتعاقبة خلال العقود الماضية  من دون أن يحرك المسؤولون ساكناً.

وليس هذا هو المثال الوحيد، بل أين ذهبت أغلب أراضي سيناء، ووادي النطرون، والظهير الصحراوي لكل محافظات الصعيد؟

ليس هذا فحسب، إذ روى لي صديق كيف أنه صدق دعاوى حكومية ووضع كل مدخراته في قطعة أرض بسيناء لاستصلاحها وزراعتها، وكيف أنه أٌجبر على دفع رشى و«إتاوات» شهرية لعصابات ادعت ملكيتها لهذه الأرض رغم أنه اشتراها بعقود رسمية من هيئة حكومية، وكيف أن هذه العصابات فاوضته على إعادة شرائها منهم مرة أخرى –كغيره ممن تعاقدوا مع الحكومة- حتى يتركوه في حال سبيله، وكانت النهاية أنه تخلص من هذه الأرض وباعها لمن يستطيع حمايتها –على حد تعبيره- راضياً بما تعرض له من خسارة.

في مقالي السابق قلت إن للثورة الشعبية العارمة التي اجتاحت أركان البلاد فاتورة ضخمة تدفعها مصر الآن، ولكنها فاتورة واجبة، بعد عقود طويلة من محاولات الإصلاح البطيء الذي أثبت عدم جدواه، بدليل خروج هذه الحشود الهائلة إلى الشوارع تطالب بالتغيير، ومهما بلغت قيمة هذه الفاتورة، فهي لا تقارن بالأموال المهدرة المقدرة بعشرات مليارات الدولارات التي تخسرها البلاد سنوياً من جراء تفشي الفساد والمحسوبية وتزاوج المال بالسلطة، وتهرب رجال أعمال كبار من الضرائب، وبيع أراضي الدولة بأسعار يثير تدنيها وانخفاضها الدهشة.

نعم إن للإصلاح ثمناً، وفي اعتقادي أن البلاد دفعته بالفعل، بل إن هذا الثمن جاء أقل من أكثر التوقعات تشاؤماً، ووفقاً لما يمكن القياس عليه حتى كتابة هذه السطور، تراجع الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي خلال يومي عمل أي بعد استئناف النشاط، بنسبة 1.7 بالمئة فقط، مخالفاً توقعات كانت تؤكد أنه سيتعرض لضغوط هائلة من جراء قيام مستثمرين أجانب وعرب ومصريين بتحويل أموالهم إلى الخارج، وهو ما لم يحدث، كما أن التقارير المعلنة من البنوك الرئيسة لم تكشف عن عمليات سحب للأرصدة أكثر من المعتاد، والأكثر من ذلك أن رئيس بنك الإسكندرية ذكر أن صافي تعاملات الفرع الرئيس للبنك كانت 4 ملايين جنيه ودائع (فوائض) أول من أمس الأحد، وبعد أسبوع كامل من تعطيل عمل البنوك.

لا أحاول التهوين من حجم الخسائر الناجمة عن اندلاع هذه الثورة الشعبية، فهي فاتورة ضخمة دفعها ملايين المصريين وتأثر بها -للأسف- الأكثر فقراً، فيما لم يهتز للأغنياء جفن، إلا إذا كان التوقف مؤقتاً عن تضخيم حساباتهم المصرفية بمزيد من الملايين يومياً يعد خسارة. هناك 17 مليون مصري «على باب الله» أي عمال يومية يتكسبون رزقهم من العمل يوماً بيوم، وهؤلاء إذا تعطل أحدهم لا يجد ما يسد به رمقه هو أو من يعيله في نهاية اليوم، هؤلاء من دفع الثمن وليس غيرهم، كصديقي مدير الاستثمار في إحدى الشركات الذي تحدثت عنه في مقالي السابق، أو كسيدة الأعمال التي تمتلك شركة ملاحية وكادت في محادثة هاتفية معي أن تتهمني بالعمالة والخيانة وأنني من آكلي «الكنتاكي» المعتصمين في ميدان التحرير ممن يملكون «أجندات أجنبية» هدفها تخريب مصر، كما تقول. إن للإصلاح ثمناً.. ألا يعرِّض المريض حياته للخطر عندما يقوم بإجراء عملية جراحية خطرة لاستئصال ورم أصاب جسمه بالوهن؟ ألا ينطبق ذلك على الوضع الحالي في مصر؟

أليس للحرية ثمن؟ أليست الحرية والديمقراطية شرطين مهمين لتفعيل آليات السوق، في بلد ادعى مسؤولوه على مدى عقود أنهم ودعوا عهود الاشتراكية إلى غير رجعة مفضلين السوق الحرة؟ كيف نطالب العمال بزيادة الإنتاج والموظفين بالإبداع والتفاني وهم في بلد تحكمه الواسطة والمحسوبية ويصعد فيه المنافقون لتسيد الصفوف الأولى في المشهد الاقتصادي والسياسي والإعلامي ويصبحون نجوماً مع أنهم بلا موهبة وبلا قدرة على الإبداع؟

إن من سيروا الجمال والأحصنة وعربات «الكارو» التي تشدها الحمير إلى ميدان التحرير يسعون إلى الحفاظ على مصالحهم عبر الإبقاء على النظامين السياسي والاقتصادي القائمين في مواجهة تيار التغيير والإصلاح العارم الذي خرج المتظاهرون للمناداة به، إن هؤلاء -أياً كان من وراؤهم- يريدون لمصر أن تستمر على وضعها المتأخر بين الأمم وبما لا يتناسب اطلاقاً مع إمكاناتها، وفي المقابل فإن شباباً يتسلحون بالعلم والتكنولوجيا وحب وطنهم يسعون إلى التغيير إلى الأفضل.

أليس غريباً أن وائل غنيم مدير التسويق الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شركة «جوجل» العالمية وهو شاب في بداية الثلاثينات من عمره كان ممن حظوا بشرف المساهمة في قيادة هذه المظاهرات قبل أن يتم اعتقاله ثم الإفراج عنه أمس؟ ما الذي يدفع شاباً مثل وائل وفي مكانته الوظيفية والاجتماعية أن يقدم على الخاطرة بحياته ومستقبله – هو وغيره ممن شاركوا في هذه الثورة -  إلا إيمانه بأن الإصلاح والديمقراطية والحرية كلها عوامل تؤدي إلى بيئة أعمال أفضل وبالتالي إلى الازدهار والرخاء الاقتصادي، والتوزيع العادل للثروة بما يضمن استقرار المجتمع والحفاظ على مكتسباته ومقدراته؟
خلاصة القول، إن ثمن الإصلاح وفاتورته تم دفعهما بالفعل، ولم يعد مطلوباً إلا الإسراع في خطوات نقل البلاد من هيمنة «البلطجية» والفاسدين و«المرتزقة» من أصحاب «غزوة البغال» إلى شباب ضحى بروحه من أجل حريتها ورخاء شعبها.
 
الدستور حرر في 8 فبراير 2011

اقرأ المزيد

ميثاق العمل الوطني


ما يميز مشروع ميثاق العمل الوطني انه حظي بتأييد واسع من قبل المواطنين وهو وثيقة دشنت مرحلة سياسية جديدة في البلاد مضى عليها عشر سنوات.
لقد أكدت هذه الوثيقة على محددات هامة للحياة الدستورية والتعددية والحرية في حين كانت الأوضاع السياسية قبل هذه الوثيقة يحكمها قانون أمن الدولة السيئ الذكر الذي فرض القيود والقوانين والإجراءات الأمنية التي أنتهكك الضمانات القانونية لحقوق الإنسان والحريات. وهذا القانون لم ينتج عنه إلا المزيد من القمع والتشريد والمعاناة والملاحقات البوليسية للشرفاء من أبناء هذا الوطن الذين كانت تضحياتهم في سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية نموذجاً مشرفاً في سجل نضالات الشعوب.

ولاشك ان ميثاق العمل الوطني الذي غير من خارطة البحرين السياسية فتح الأبواب أمام مستقبل العمل السياسي الذي كان ولسنين طويلة في حكم المحظور وهو التحول الذي استوعب أهمية الانفتاح والحرية السياسية كضرورة للانفتاح الديمقراطي الذي كلما اتسع وشمل جوانب عديدة في المجتمع، كلما تغلبنا على مشاكلنا الذاتية بمعنى كلما كانت الديمقراطية تكفل الحقوق والواجبات كلما كانت الضمانات أكبر أمام تطور العلاقة بين المجتمع والدولة. وهذا ما يجب ان يراهن عليه الذين يهمهم حقاً أمر الديمقراطية وحقوق الإنسان وأمر المخاطر التي تحيط بالتحولات السياسية التي تشهدها البحرين حالياً.

إننا أمام مرحلة لا تزال جديدة وأمام تحديات تدفعنا في المقام الأول الى الحفاظ على الحرية النسبية لتقوية المجتمع المدني بمختلف مؤسساته ومنظماته التي تحمي حقوق الافراد والجماعات ومؤازرة حقوق المرأة التي حققت في عهد الميثاق حقوقها السياسية والى اطلاق المبادرات الحكومية فضلاً عن دفع عجلة الشراكة المجتمعية من اجل اصلاحات اوسع واشمل على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية اساسها التنمية البشرية في ظل التنمية المستدامة وفي ظل الارتقاء بالعملية السياسية والديمقراطية عبر الآليات الدستورية والانفتاح الاقتصادي الذي اشار إليه الميثاق في الفصل الثالث الأسس الاقتصادية للمجتمع «يجب ان يصاحب الانفتاح الاقتصادي تغيير في تفكير الادارة العامة نحو تبسيط الاجراءات والشفافية والقضاء على التداخل في المسؤوليات وتحسين مستوى الخدمات وتحديث التشريعات الاقتصادية، وان تحكم ذلك معايير النزاهة وتكافؤ الفرص. ومن اجل تفعيل ادوار المراقبة المالية والإدارية وزيادة شفافية العمل في كافة إدارات الدولة المالية، كل ذلك يقودنا الى مسألة هامة وهي ان مشروع ميثاق العمل الوطني الذي حرص أو أدرك أهمية الحرية السياسية والاقتصادية وتحديث بعض القوانين التي تعزز العملية الإصلاحية في ظل دولة المؤسسات والقانون واحترام الرأي الآخر والتعددية لتحديد الشراكة المجتمعية التي يفترض ان تقوم على الحوار والتفاعل النقدي الديمقراطي الأكثر حاجة الى استكمال تحديث التشريعات والقوانين المرتبطة بمرحلة قبل الإصلاح والى بيئة سياسية مستقرة صالحة لا يعكرها بالتعصب واثارة النزعات الطائفية والمذهبية والفوضى والمصالح العقائدية الضيقة على حساب الانتماء للوطن والوطنية والمكتسبات ومجمل الحقوق الاساسية الذي يتفق مع القاعدة الاساسية للبناء الديمقراطي.

ان تأمين حقوق الانسان ونشر الديمقراطية ثقافة وممارسة ورفع سقف الحريات يضعنا جميعاً امام مسؤوليات عدة، فأول هذه المسؤوليات الحفاظ على المنجزات والتحولات السياسية التي حققها شعب البحرين بعد نضالات طويلة مع الحرص على دعم الانفتاح والتحديث والحداثة التي تقف ضدها أجندة التخلف بمرجعياتها المتعصبة المختلفة ومن الجدير بالذكر ايضاً ان الاولوية التي حددها ميثاق العمل الذي عبر عن مصالح المواطن الاساسية تدفعنا الى التعاطي مع قضايا الشأن بسياسة اقتصادية اجتماعية طموحة ترتبط بالتنمية الشاملة في ابعادها وتجلياتها المختلفة المعبرة عن تلك المصالح ومن هنا يأتي ايضاً التأكيد على دور السلطة التشريعية في الارتقاء بالممارسات النيابية من حيث الرقابة والتشريع فليس هناك رقابة حقيقية من دون مكافحة الفساد وملاحقته بغية الحفاظ على المال العام.

ولاشك ان ميثاق العمل الوطني الذي وضع الخطوات الاولى للمسيرة الاصلاحية يدفعنا الى التفاعل الايجابي مع تحدياتنا ويدفعنا ايضاً الى توسيع آفاق الحريات التي تتطلب فعلاً مجتمعياً مسؤولاً بعيداً عن اللامبالاة والفوضى والتطرف السياسي.

واخيراً من المهم ادراك ان ميثاق العمل الوطني الذي جسد على ارض الواقع اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية متفاوتة.. يعد الركيزة الاساسية لمتغيرات نتطلع اليها ان تفتح الابواب نحو اصلاحات أكبر واشمل.


الأيام 12 فبراير 2011

اقرأ المزيد

مصـر التي في الخاطـر


حدث واحد، لا سواه، يستحوذ على الفضائيات العربية وغير العربية وكافة وسائل إعلامنا المقروء والمسموع، هو هذا الزلزال الجاري في مصر اليوم.

واستحواذ أحداث مصر على الإعلام يأتي فيما التطورات السياسية في عديد من الدول العربية، كلها من الوزن الثقيل، الذي كان من الممكن أن يجعل الفضائيات توجه نحوها ساعات من البث.

لنعطي بعض الأمثلة: استفتاء حاسم وتاريخي في السودان يقسم البلد الى قسمين ودولتين، تجاذب سياسي حاد في لبنان على خلفية أزمة تشكيل الحكومة الجديدة، والقلق الواسع من مستقبل التطورات المتوقعة في البلد.

يمكن أن نضيف: سجال حاد في الأراضي الفلسطينية بعد تسريب وثائق مثيرة للجدل حول المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، الوضع في تونس لم يثبت على حال بعد، إثر انتصار الانتفاضة الشعبية هناك وهروب الرئيس السابق، وفي الأردن تحركات احتجاجية واستقالة الحكومة.

طبعا يمكن ان نضيف التململات السياسية والشعبية في بلدان أخرى، ولكن رغم ذلك فان الطاغي على الإعلام، وبدون منازع، هو الحدث المصري.

هناك في أم الدنيا يجري الحدث الذي على ضوء نتائجه، أياً كانت هذه النتائج، سيتحدد مسار التطورات في محيطها العربي كله، وربما أبعد من هذا المحيط.

ربما تراجع دور مصر الإقليمي إلى حدود معينة في العقود القليلة الماضية، وربما أُفتقد الدور المصري، بالفعالية المنتظرة منه إزاء ملفات عديدة، ولكن مصر تظل القوة الحاسمة التي لا يستقيم الحديث عن أي ترتيب في المنطقة، دون حسبان دورها.

وهاهي مصر منذ نحو ثلاثة أسابيع هي قلب الحدث، فالعالم كله بات مشدوداً اليها، وفي العواصم الكبرى تسهر غرف العمليات، والأيادي على قلوب راسمي السياسات هناك من أن تؤدي تطورات مصر الى هدّ الهيكل كله.

هذه هي مصر التي نعرفها، وظللنا نهجس بأنها، كما كانت عبر تاريخنا المعاصر، حبلى بتطورات حاسمة، تعيد ترتيب الأولويات، وتقلب الحسابات رأساً على عقب، وتجعل من المتعين اعادة وزن الأمور وتقييمها على ضوء الذي يجري فيها.

الحدث المصري الداخلي، خاصة إذا كان بجسامة ما يجري الآن، هو حدث عربي، لا بل واقليمي، لا بل ودولي أيضاً، فمفاعيل التطورات الجارية هناك، لا يمكن أن تنحصر في الحيز المصري الداخلي، على رحابة هذا الحيز واتساعه.

ومهما آلت اليه مسارات الحدث المصري الجاري الآن، والى أي نتائج أو وقائع على الأرض أفضى، فان مفاعيله في الفضاءات العربية كافة قد إبتدأت، فمصر تظل مصر، بثقلها البشري، وبوزنها التاريخي والسياسي والثقافي، ومحورية دورها العربي، التي تجعل من كل العرب مشدودين اليها، لأنهم يعرفون إن ما يجري في بلدانهم، مهما كانت أهميته، يصتسغر أمام ما يجري في مصر.

وهذا قول يأتي على سبيل الكلام المرسل، انما هو مبني على التجربة التاريخية الملموسة، والتي عرفها جيلنا والجيل الأسبق أيضاً، وها هو جيل اليوم الذي فتح عينيه على الدنيا، يرى مرأى العين ما الذي تعنيه مصر.


قلوبنا وعقولنا مع مصر وشعبها العظيم.
 
 

اقرأ المزيد

خطر انسداد الأفـق


ما شهدناه في الأيام القليلة الماضية من انفجارات شعبية عارمة وغاضبة تجتاح عدد من الساحات العربية من تونس إلى الجزائر واليمن والأردن ومصر، هي تطورات نوعية غير مسبوقة بكل المقاييس في المشهد السياسي والاجتماعي العربي، وهو بالضبط ما كان يقرأه عدد من الاقتصاديين الموضوعيين العرب بين سطور منحيات الأداء التنموي العربي العام والأرقام القياسية لمؤشرات هذا الأداء، خصوصاً فيما خص البعد الاجتماعي للتنمية الذي تمثله تحديداً مؤشرات البطالة والاختناقات المتفاقمة للمستويات المعيشية لعموم السكان وخصوصاً منهم ذوي المداخيل المنخفضة – والذين (أولئك الاقتصاديون) ظلوا يجسدون تلك القراءات الصارمة للمؤشرات والأرقام تحذيرات جدية من مغبة تفاقم تداعيات كل تلك المؤشرات الدالة على التدهور الاجتماعي العام وعلى تعاظم ظاهرة التهميش (Marginalization) ومخاطرها المحدقة بالأمن العربي العام.
 
       والحال أن سخطاً (Discontent) عارماً يجتاح المجتمعات العربية، وأن الإهمال واللامبالاة اللذين قوبل بهما هذا السخط من قبل الدولة العربية الرسمية وأجهزتها البيروقراطية على مر العقود الأربعة الأخيرة، قد أديا إلى تراكمه ففاض به الكيل ليتحول إلى حالة نوعية من الغضب الساطع الذي يصعب احتواؤه والسيطرة عليه.
 
       نعم لقد أخذ التهميش (Marginalization) والإفقار مأخذهما من المجتمعات العربية، خصوصاً ما تسمى بمجتمعات اقتصادات الندرة، أي ذات الكثافة السكانية المرتفعة والموارد الطبيعية المحدودة. حتى وصلت نسبة من يعيشون على أقل من دولارين في اليوم إلى أكثر من 40% من السكان في عدد من البلدان، وأضحت أحزمة الفقر تلف ضواحي كبريات المدن العربية، قبل أن تزحف العشوائيات إلى الداخل وتبدأ بمعانقة مراكز المدن وقلبها.
 
       يقول رائد المدرسة الاقتصادية الليبرالية الإنجليزي آدم سميث: “لا يمكن أن توصف أمة ما بأنها غنية ما لم يكن شعبها يتمتع بمستوى جيد من وفرة السلع والخدمات التي تجعل حياة المواطنين صحية وسَلِسلة وممتعة، وانه كلما ازدادت قدرة المواطنين على التمتع بهذه المزايا كلما أمكن وصف الأمة بأنها غنية”. وكما هو واضح فإننا لو أسقطنا هذا القول على كافة البلدان العربية فإن الحصيلة ستكون سلبية للغاية.
 
       ومع ذلك فإن المسألة لا تقتصر على الجانب المعاشي للسواد الأعظم من الناس الذين يكابدون من أجل تأمين الحد الأدنى من حاجياتهم الأساسية (Basic Needs)، على رغم أهمية هذا الجانب ومركزيته في “تفخيخ” المشكلة التي نحن بصددها.
 
       المسألة تتعلق بحدوث ما يمكن أن يرقى إلى “فجوة أجيال” (Generation Gap) بين مؤسسات ومنظومات وآليات حكم وإدارة مجتمعية كلية هرمة، وبين غالبية شبابية لطالما تم النظر إليها باستخفاف أو عدم التفات على أقل تقدير .. غالبية شبابية ليست قصراً على أوساط الطبقات الفقيرة وإنما هي تتعدى ذلك إلى شباب الطبقة الوسطى الذين لهم تطلعاتهم ورؤاهم التي استشرفوها بفضل اتصال زوايا القرية الكونية الصغيرة بعضها ببعض بشكل لم يسبق له مثيل .. وهي تطلعات تشعر هذه الكتلة الشبابية العظيمة بأنها سرقت ووئدت في ظل انسداد أفق المستقبل أمامها.
 
       وزاد من عمق هذا الشرخ أن هذه الكتلة الشبابية العملاقة – وإن بدت، رغم ضخامتها، غير مرئية في نظر الإطر الرسمية – أن هذه الكتلة باتت مقتنعة، في ضوء ما أصبح متاحاً لها التوفر عليه من معلومات غزيرة عن أحوال الدنيا وتدبلاتها وحياة الناس فيها وتحولاتها العميقة والسريعة، بفضل ثورة الاتصالات المتعاظمة شأناً – مقتنعة أن أحوالها عصية على الانصلاح ما دام الجمود يخيم على البنى المؤسسية الراسخة والمتحكمة منذ آماد طويلة في كافة مسـارات الدورة الحياتيـة للمجتمعات العربية، ومادامـت آليات الاسـتبداد تسد عليها كل منافذ التعـبير عن الذات وتحـول بينها وبين تجسـيد ذواتها (Self actualization) بصورة محكمة الإغلاق.
 
       فكان أن وجدت ضالتها في شبكة التواصل الاجتماعي التي وفرتها ثورة الاتصالات والمعلوماتية، فراحت تتواصل فيما بينها وتعبر عن كل ما يختلج في صدورها من آهات ومعاناة وتحاول البحث عن نفسها وتلمس خطواتها باتجاه رسم معالم طريق أحلامها من خلال التحاور والتجادل والتداول في شؤونها وشجونها.
 
       والمدهش أن كثيراً من هؤلاء الشباب يتمتعون بأفق ثقافي واسع وملكات فكرية وحوارية وخطابية غير عادية، ويجيدون قراءة الأرقام والبيانات والمعطيات وتحليلها بتواصلهم وتعاطيهم مع ما يصدر وينشر من تقارير ودراسات للمنظمات والهيئات ومراكز المعلومات والأبحاث الدولية على الشبكة العنكبوتية.
 
       وبهذا المعنى فإن هؤلاء الشباب هم ثروة حقيقية مهدرة، وطاقات إنتاجية معطلة شبيهة بتلك التي تصنع اليوم معجزة الهند الاقتصادية بفضل بنية النظام الديمقراطي في الهند ومرونته التي تمكنه من التعامل مع مختلف التحديات، حيث نجحت الهند في توظيف طاقات شبابها بعد تأهيلهم علمياً وتقنياً (فهم جاهزون من الناحيتين الثقافية والتربوية نتيجة لتشربهم بقيم التسامح وفلسفة المقاربة التعددية التي يعود الفضل فيها لنظامها الديمقراطي المستقر ومزيج تراثها الفلسفي الهندوكي وقبله البوذي ذي النزعات الإنسانية) قبل دفعهم لتسلم وقيادة قطاع المعرفة وتكنولوجيا المعلومات.
 
       هل هذا كل شيء؟
 
       طبعاً لا، فهنالك “ماسات” لا يقل بريقها عن “ماسات” الاستبداد والإفقار والتهميش. إلا أن درة الدرر في كل “الماسات” التي تُزيِّن الجسد الجامد الهامد هو الفساد الذي راح يزكم الأنوف من قوة الروائح التي ينفثها في كل الاتجاهات والذي تحول إلى ما يشبه الاسفنجة التي تمتص عصارة نمو إجمالي الناتج المحلي، ما يفسر عدم انعكاس نمو إجمالي الناتج على الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
 
       افتحوا النوافذ .. كل النوافذ وإلا فإن الاختناق هو مصير الجميع دون استثناء. وعلى الجميع المعني هنا أن يتعظ من درس مصر البليغ والعظيم .. “مصر التي في خاطري” … و …”أيوه انتي ومين سواكِ يا حياتي يا ملاكي يا نسيم الصبح لما هب هز الأرض هزه” (مع الاعتذار للفاجومي أحمد فؤاد نجم) … والكبير كبير يا مصر.

اقرأ المزيد

مصر: الثورة والتغيير (9 + 10)


لابد أن نقول كلمة عن بعض التأثيرات الدعائية الأجنبية في الأحداث المصرية، فقد رأينا قبل فترة كيف أن محطة الجزيرة وقفتْ صامتةً صمت أبي الهول تجاه الثورة الإيرانية ولم تستدع أي مفكرين وباحثين ولم تحشد كل هذه الحشود من المعلقين، لكنها فجأة اشتعلتْ تجاه الثورتين التونسية والمصرية رغبة في هدم النظامين فيهما لأنهما يسيران في الاتجاه التحديثي الديمقراطي العلماني العربي، ويسيران في مسار تغيير الهيمنة المحافظة التقليدية، ولهذا فإن المحافظين الدينيين المناوئين للحداثة الوطنية العربية اشتعلوا حماسة تصيداً داخل التجربتين لهدمهما، بدءًا من الدعاية المكثفة لتنظيمِ النهضة في تونس وكأن كل الأحداث العظيمة فيها هي من تدبير جماعة المحافظين التونسيين، إلى التركيز في الإخوان المسلمين في مصر، محاولة لإعادة سيناريو الثورة الإيرانية الأولى في السبعينيات وتصعيد المحافظين الدينيين العرب وتشكيل هيمنة هذه الدولة الدينية العسكرية على المنطقة، مثلما كان الأمر قبل سنين من التركيز في القاعدة والنفخ فيها.

حدثت المقاربة بين مخابرات إيران ومحطة الجزيرة والاخوان المسلمين، من منطلقات أوسع، فموقع مصر رئيسي في المنطقة، وقواعد المحافظين الدينيين فيها أكبر بما لا يُقاس عن تونس، وتأثيرها لو تمكنت الدولة الإيرانية وتوابعها مثل حماس وحزب الله إضافة للبعث السوري، من وقفِ موجات الديمقراطية والحداثة والعلمانية الهادرة على قلاعِهم المنتمية للاستبداد المحافظ، إضافة بطبيعة الحال للعداء الطائفي الغائر.

وتشققتْ حناجرُ مذيعي الجزيرة في الدفاع عن الثورة المصرية في فيضان عفوي صادق من قبل الكثيرين ضد القمع والهيمنة، وتم رصد مواقع مهمة من البطش والدكتاتورية، وهي لم تعرض واحدا بالمائة من ذلك عن إيران وبطش الدولة فيها أثناء ثورتها من أجل الديمقراطية وتجاوز النظام التقليدي الديني العسكري، وهذا يؤججُ الطائفيةَ المتعصبة لدى الكثيرين وتُلقى العملية على طائفة السنة خاصة في حين تجرى فيها العملياتُ الأكثر تطوراً ديمقراطياً وتحديثياً، وتقومُ تلك الأطراف بذلك من أجلِ إبعاد الشيعة والعلويين وغيرهم من الإماميين والدينيين المأزومين من هذه السيطرات الشمولية، عن تلك الموجة الديمقراطية التحديثية العربية لتحبسهم في الطائفية، فلا تُعرضُ المسائلُ بشكلٍ موضوعي طبقي تاريخي للثورتين المصرية والتونسية، وتستهدف المتابعة التلفزيونية تعبيد الطرق للاخوان والمحافظين والقاعدة في مصر، وهذا من جهة أخرى يتداخل مع رغبة الأغلبية الشعبية المصرية في التخلص من التسلط.

وهذا يترافق كذلك مع تحجرِ الدولة المصرية التي تكلست في الهيمنة والفساد ولم ترتقِ للأشكالِ الديمقراطيةِ التحديثية ولم تشكل طبقة وسطى حرة، وراحتْ ببطءٍ شديدٍ تستجيب لجوانب من التحول تحت الضغوط الشعبية الهائلة ونصائح الغرب الميكافيلية النفعية.

ليس للحلف المحافظ الطائفي سوى تجميد التطور الديمقراطي التحديثي، وليس للدعاية المُشكّلة النافخة على نار الثورة من هدف سوى تصعيد القلاقل الطائفية وليس تكوين تحولات تحديثية وبحث مشكلاتها الحقيقية، حيث ان بلدان المنطقة تواجه وضعاً متماثلاً وهو استئثار القلة بالثروات وضعف الهياكل السياسية المغيرة لهذا، أما التركيز في أنظمة بعينها وطوائف بعينها فهي جهود ذاتية دعائية.

المنضوون تحت لواء الدول الغربية من الدول والجماعات العربية فوجئوا من تفجر الموجات الثورية داخل أنظمتهم وهم الذين أعطوا بعض (الهبات) الديمقراطية، الأمر الذي صوَّر لهم الصراعَ بين المحورين الشرقيين في المنطقة بشكلٍ غير دقيق، وهذا جاء نتيجة عجزهم عن المقاربة الكبيرة للديمقراطية الحداثية العلمانية، وتشبثهم بالسلطاتِ ومنافعِها الكبرى وبجذور التخلف الاجتماعي الطائفي وعدم تطوير حياة العاملين.

ولهذا فإن التدخلات ضد التجربتين المناضلتين لمقاربة الحداثة في تونس ومصر هي كثيرة ومتعددة، فالقوى المحافظة جميعها تسعى لوقف تطور التجربتين لما تمثلان من تغيير مخيف عليها، وتستغلال الأديان والمذاهب واختلافاتها لوقف تحرر الأغلبية الشعبية من نساء وفلاحين وعمال وعقول في جميع سكان وأديان المنطقة، ومحاولة تفجير الخلافات وليس اتحاد العرب والمسلمين على برنامج العصر الديمقراطي.

لا يمكن استدراج مصر لحالة التشظي وهي تسعى لنظام ديمقراطي حداثي متجاوزة عالم الفساد وهيمنة طبقة صغيرة على الموارد وهي القضية الكبرى التي تواجهها دول المنطقة، وليس القضايا المؤدلجة المسقطة بأهداف خارج التاريخ.

وكلما تمت العملية من خلال تنظيمات سياسية ديمقراطية وطنية تتصارع ضمن الوحدة كان ذلك مفيداً. اما تنظيم العملية من خلال الحرب الأهلية والعنف فهو مفيد للحلف الطائفي المحافظ المرعوب من الثورات وهو يتغنى بها زيفاً.
 
مصر: الثورة والتغيير (10)
 
هل هي نهايةٌ للعصرِ التسلطي ونهايةٌ لحكم الفرد الذي خيمَّ قروناً طوالاً أم هي جولةٌ أخرى من جولات صراع الديمقراطية والتسلط في عالم الشرق المحافظ؟
إن شعبَ مصر يمتلك قدرات للمقاربة مع الحداثة الغربية – العالمية ولتداول السلطة وللديمقراطية الحقيقية وإنهاء الديمقراطية الديكورية، حيث الشريحة الحكومية البيروقراطية مع أغنياء المال الفاسدين مسيطرين على الزمن السياسي.

جرتْ تراكماتٌ كبيرةٌ عبر القرنين الميلاديين الأخيرين، وإتسعت حداثةُ الطبقتين المعبرتين عن العصرِ الجديد، البرجوازية الحرة والعمال، وجاءتْ الأشكالُ السياسية: المَلكية والجمهورية العسكرية بتطوراتٍ إقتصادية وإجتماعية وثقافية كبيرة، ولكنهما لم تستطيعا إزالة العلاقات الاقطاعية، في الزراعة والعلاقات الإجتماعية وشكل الحكم ومضمونه.

إن النظامَ المحافظ بلوَّرَ سلطةً متعالية وعرقل نمو العلاقات الحديثة في المجتمع، وفيما كان المجتمع التركي يفجرُ هذه العلاقات المحافظة في المدن خاصة، لم يستطع العسكر المصري الانقلابي أن يوسعَ إصلاحاته في الريف وأن يشكلَ المساواةَ بين الرجال والنساء، وبين الحكام والمواطنين، وحوّلَ الثروة العامة إلى رأسمالية حكومية راحتْ الفئاتُ المسيطرةُ تنخرُها على مدى العقود.
لم يقم لا السادات ولا مبارك بتوسيع الليبرالية التي تبنياها بحيث تغدو ثورةً ديمقراطية، بل إلتصقا بالرأسمالية الحكومية الشمولية، وبالهيمنة على هذا القطاع العام المُستَّنزف، وأعطيا الفئات الوسطى قليلاً للفئات الخاصة حريات إقتصادية، لكنها كانت مرعوبة من الانغمار في التصنيع، بعد أن تم دهسها في الزمن العسكري السابق، وجرتْ نحو الأشكال الطفيلية والأرباح السريعة ووضع الملايين في الخارج.

قاربَ الاتحادُ الاشتراكي المُلكيةَ العامة شبه الكلية في النظام، وكان رمزاً لتوسعِ ثم لتحجر الملكية العامة، ولم تستطعْ الدكتاتوريةُ العسكرية بطبيعةِ الحال أن تزعزعَ العلاقات التقليدية في الريف والعلاقات الإجتماعية ونمط الحكم، فيما جاء الحزب الوطني الديمقراطي الساداتي بتفكيك للملكية العامة والسماح لنمو المُلكيات الخاصة وجوانب من العلاقات الرأسمالية المُهيمن عليها من قبل الدولة.

حدثت شراكةٌ مشبوهةٌ بين القطاع العام والقطاع الخاص، وغدا الحزب الوطني رمزها السياسي.

وظل الدينان الإسلامي والمسيحي لايدخلان في خلاف مع الحكام مثلما كان الأمرُ في العصور السابقة، يعبران عن إنتاج العلاقات المحافظة التي تشكلها الدول، وفي كلِ زمنِ ثورةٍ حين يظهر مذهبٌ مغايرٌ يريدُ تغييرَ الحياة ومساعدةَ الأغلبية الشعبية تتم السيطرة عليه فيما بعد ويغدو رسمياً، وشكلاً عقائدياً لهيمنةِ السلطة، ولهذا فإن المذاهبَ في معارضتِها هي مماثلة جوهرياً لدكتاتورية الحكم.

إن عدم إنفصال مؤسسة الرئاسة عن الحزب الحاكم والسلطة التنفيذية شكلَّ الشموليةَ الواسعة في الحياة السياسية، ووسع أشكالَ الفساد، وفيما كانت في عهد عبدالناصر مع الشعب صارت ضد الشعب بعد ذلك، ولكن النظام العسكري هو الذي وضعَ الأسسَ السياسية والاقتصادية للدكتاتورية، وأبقى الكثيرَ من علاقات النظام الإقطاعي السابق فيما تعلق بأسسِ الحكم وبالعلاقة مع المحكومين وبإستغلال العمال والنساء والفلاحين والمثقفين.

لم تستطعْ العلاقاتُ الرأسماليةُ الديمقراطيةُ أن تنمو بسبب تلك الهيمنة الحكومية – الخاصة، حيث أن عملية تبادل السلطة والديمقراطية كان يمكن أن تشيعَ برامجَ سياسية حكومية مختلفة، مغيرة لجوانب الفساد والبيروقراطية، وتوجه الفوائض نحو الإنتاج، وتحرك فوائض السكان خاصة الشباب والنساء نحو بؤر الإنتاج الجديدة الحديثة، وتقود إلى تبدل مخلفات الإقطاع وتجعل المجتمع أكثر ديمقراطية في علاقاته السياسية والاجتماعية والثقافية.

الآن في الثورة الراهنة يجري التشديد على فصل مؤسسة الرئاسة عن الأحزاب وأن تكون حرة، ومنتخبة من قبل الشعب، وأن تنفصل الطبقة البيروقراطية الحاكمة لمدى عقود عن منافع ومصالح الجهاز الإداري، الذي يصيرُ مؤسَّساً ومُنتخباً ومراقباً من قبل الشعب.

فليست الثورة وتضحياتها هي حول مواد دستورية وتضييع وقت الناس وإستعادة نفس الجهاز الإداري الهائل ليواصل دوره في تسريب الأموال العامة للجيوب الخاصة.

كذلك فإن تحريك الأديان وصراع المذاهب وإدخالها حومة التغيير هو شكلٌ آخر من الفساد السياسي، أي هو عباءةٌ لاستغلالِ الثروة والثورة من أجل الوثوب نحو الجهاز الإداري، في وقت تحتاج الأديان لثورة داخلية تواكب الثورة العامة، لإبعادها عن عمليات الاستغلال، والقيام بإنتاج عميق فيها يعيدُها للشعب بدلاً من القوى المسيطرة.

أخبار الخليج 11 فبراير 2011

اقرأ المزيد

تأملات في الأحداث الجارية في مصر


لقد انطلقت شرارة الثورة الوطنية للشعب المصري المناضل في يوم 25 يناير 2011م تفاعلا مع ثورة الشعب التونسي، وانسجاما وسقوط أول شهيد تونسي قد أشعل فتيل تلك الثورة، وهو الخريج الجامعي محمد بوعزيزي الذي أحرق نفسه احتجاجا على مصادرة عربته التي كان يقتات منها لقمة عيشه.

انطلقت ثورة شعب مصر من أجل اسقاط النظام ورحيل الرئيس حسني مبارك.. ومن أجل التغيير ونشدان الحرية والديمقراطية والعدالة والكرامة الانسانية.. هذه الثورة الشعبية، هي ثورة تاريخية ومفصلية، تقودها (فئة مميزة) من (طبقات مختلفة).. هي طبقات فقيرة، وطبقات متوسطة، وطبقات غنية.. هؤلاء هم أبناء للفلاحين، وأبناء للعمال، وأبناء للأطباء، وأبناء للمحامين، وأبناء للمدرسين، وغيرهم من مختلف الانتماءات الطبقية.

لقد سجل هؤلاء المحتجون – بتظاهراتهم الحاشدة في مختلف مدن ومحافظات وساحات جمهورية مصر العربية، وعلى رأسها ميدان التحرير – ملحمة من أعظم الملاحم النضالية والبطولية في التاريخ الحديث، قد توازنت بحجمها النضالي في مواجهة تينك الفترتين التراكميتين الطويلتين اللتين امتدتا أربعين عاما هما فترتا الرئيسين أنور السادات، حسني مبارك فترتان تراكميتان اتسمتا بالعسف وهدر المال العام وتراكم الثروة في أيدي من يملكون وهم قلة من الطفيليين، وايصال من لا يملكون من طبقات الشعب الفقيرة الى قاع الحضيض، بنسبة 40% تحت خط الفقر ضمن دخل الفرد الذي لا يتجاوز الدولارين في اليوم.. ناهيك عن تعديل مواد الدستور فيما يتعلق بتمديد الرئاسة مدى الحياة، ونقل هذه الرئاسة عبر توريث الحكم للأبناء.

علاوة عن تضييق الخناق حول الأحزاب القومية واليسارية والشيوعية، وما يتمخض عن سعي النظام إلى فتح المعتقلات أمامها، طبقا لقوانين الطوارئ.. الى أن حانت لحظات الحسم بانعطافات تاريخية.. ليعلن الشعب بثورته 25 يناير أنها علامة فارقة، وعلامة فاصلة في ضرب النموذج العظيم، بمفهومها الحضاري وطابعها السلمي.. رغم ما واجهته جماهير هذه الثورة في يوم 2 فبراير من عسف هجوم عصابات منظمة لميليشيات سرية من الحزب الوطني و”البوليس السري” وهمجية الغوغاء المأجورين والذين استخدموا الخيول والبغال والجمال، وتسلحوا بالقنابل المولوتوف والرصاص والقضبان والسكاكين والهراوات بهجوم بربري على أناس عزل لا يملكون من المواجهة سوى ارادتهم.. لأن هؤلاء المناضلين قد صمموا على انتزاع مطلبهم، وهو تغيير الأوضاع ورموز النظام.

وحسبما فاجأت هذه الثورة الجماهيرية العفوية (النظام السياسي) بشرارتها.. فإنها قد فاجأت الأحزاب السياسية بمختلف تلاوينها وانتماءاتها وتياراتها، التي بدور (هذه المعارضة الوطنية) قد تبنت في بداية الثورة موقف المشاهدين على كراسي المتفرجين.. مترددة (هذه الأحزاب) حائرة بخطوات متعثرة.. والمتمثلة هذه الأحزاب في (التجمع الديمقراطي التقدمي، وحزب الوفد، وحركة كفاية، والتجمع الناصري، وحزب الغد، والجمعية الوطنية من اجل التغيير) فانها بدلا من اتخاذها زمام المبادرة إلى قيادة الجماهير.. فقد حدث العكس، حين ظلت عاجزة عن تفعيل رسالتها الحزبية والوطنية والجماهيرية.. الأمر الذي كشف عن غطائها بأنها خالية الوفاض أيديولوجيا وشعبيا، بقيادة ثورة 25 يناير الوطنية.. ولطالما هذه الأحزاب أكدت افتقادها البرنامج السياسي المتكامل المنشود، والقائم على قضايا التحليل والتنبؤ بمجريات الأحداث، وطرح البدائل خلال مرحلتي  (الحد الأدنى) للمطالب و(الحد الأقصى) للأهداف، ضمن مفهومي (الإستراتيجية والتكتيك)  وعبر دراسة المتناقضات (الأولية والثانوية) ضمن وحدة وصراع الأضداد.. فإن هذه الأحزاب قد جرتها الأحداث التاريخية المفاجئة جرا.. مثلما انقادت (هذه الأحزاب) لتداعيات هذه الثورة انقيادا.. ومن هنا فإن الشعوب قاطبة، وأنظمة العالم كافة، قد رأت كيف ان هذه الأحزاب قد أضاعت بوصلتها الحزبية والأيديولوجية في نهاية المطاف من أجل قيادة هذه الثورة.. وكيف تاهت (المعارضة الوطنية) في تلمس معالم طريق هذه الثورة من اجل إنجاحها وانتصارها ودفعها نحو تحقيق أهدافها.

وبالتالي فقد بدا جليا ان هذا الحزب لم يكن يملك ازاء لهيب هذه الثورة سوى رفع شعاراتها بسعيه إلى ركوب الموجة على انجازات ومكتسبات ثورة هؤلاء الشباب.. وكيف ذاك الحزب الآخر قد سارع إلى حمل لواء مطالب الجماهير، محاولا الالتفاف على تضحيات وشهداء هذه الثورة، والتسلق على اهدافها ومطالبها.. انطلاقا من نظرة هذه الاحزاب الفوقية والانتهازية الممثلة في المفهومين (التمثلية والاستبدالية)، حيث ان مفهوم (الاستبدالية) هنا هو مبادرة هذا الحزب إلى القيام بدوره الحزبي والنخبوي بـ (استبدال) دور الجماهير الشعبي انطلاقا من ايمان هذا الحزب او ذاك بأن جماهير الشعب هي عادة ما تكون عاجزة عن قراءة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.. ومفهوم (التمثلية).. أي يعني قيادة الحزب لهذه الثورة وتمثيله للشعب، مما يؤكد هذا الحزب نظرته الاستعلائية منطلقة من ذاك (البرج العاجي) بمقولة دونية ومرتبة تهميشية تقول “ان الجماهير هي عفوية بطبيعتها وبأنماط أفكارها، سطحية بتحركاتها وبقيادتها للثورة، عاطفية بافتقارها إلى النضج الفكري والوعي الاجتماعي، وافتقادها الرؤية السياسية والفكرية والأيديولوجية”، ويكفي استدلالا بهذه الصدد هو ما صرح به المفكر الفلسطيني (عزمي بشارة) بتعليقه على تسمية (لجنة الحكماء) التي تفاوض النظام المصري بشأن اهداف الثورة.. قائلا: “ان هذه التسمية معناها الأساسي هو وصف جماهير الشعب بالغباء والدونية”.
 
ولكن أيا كانت الأمور وما تمخضت عنها من نتائج، فانه يبقى القول الملح إن ثورة مصر اليوم هي في أمس الحاجة الى من يمثلها تمثيلا حقيقيا، ويتحدث عنها وباسمها، ضمن قيادة وطنية تقدمية مستنيرة موحدة صادقة وملتزمة بأهداف الثورة وأماني الشعب، من دون اعتماد مفهومي (التمثلية والاستبدالية)..
 
إن جماهير الشعب هي في حاجة بالغة الإلحاح،  الى معارضة واعية متماسكة وناضجة، وتسترشد من برنامجها السياسي طريقها الصعب، بدلا من تخبط هذه الأحزاب وتعثرها بعشوائية الحلول وعجزها عن طرح البدائل وخوضها في العموميات، بضبابية التناقضات في وجهات النظر المتعارضة والاختلافات في الآراء المتصارعة، التي هي ظاهرة متخلفة لم تخدم رأيا شعبيا، أو رأيا جماهيريا.. بل حتى أدنى أساليب التغيير أو التأثير.. بل لم تخدم سوى النظام وقوى التخلف الاقصائية المتسلقة..

اذاً يستوجب على هذه الأحزاب الوطنية السعي إلى الخروج من أزمتها الحزبية والتنظيمية، كي تستطيع تحمل مسئوليتها الوطنية والجماهيرية والتاريخية، وان تنهض من مؤخرة ركب الثورة الى مقدمتها وفي صفوفها الأمامية، من اجل ان يتسنى لها رسم المرحلة التاريخية القادمة والمستقبلية.. فهل ستؤكد هذه المعارضة الوطنية كفاءتها الوطنية ومسئوليتها المبدئية بمستوى الحدث التاريخي لثورة 25 يناير؟
 
أخبار الخليج 11 فبراير 2011

اقرأ المزيد

مصر: الثورة والتغيير (8)


لنقلْ كلمةً جانبية نظرية عن الأحداث الثورية في مصر، وهي أن ثورة تونس لن تجدَ لها نظيراً عربياً، وهي الثورة الناجحة بامتياز، ولم تستطعْ مصر تقليدها.
الأسباب لا تعود لعوامل جنسية وعرقية، بل لأمورٍ تعودُ للصراع الاجتماعي وعلله العميقة.

الصفاءُ التنويري العلماني الذي أوجده النظامُ التونسي السابق، وهيمنةُ مذهبٍ إسلامي توحيدي منفتحٍ متوارٍ في العلاقات العميقة لتقاليد الشعب، وغياب حتى التباينات القومية والدينية، والصفاء الطبقي بوجود طبقتين تحديثيتين ديمقراطيتين هما العمال والبرجوازية، ووجود ضباط كبار ديمقراطيين في الجيش، هذه هي بعض العوامل المهمة التي أمكنتْ للشعب أن يحسمَ أمرَهُ لمقاربة الحداثة الديمقراطية الغربية، وأن ينضمَ لشعوبِ التداول السلمي للسلطة في العالم، حسبما تشير إليه المقاربات الحالية على الأقل.

ومصر على الرغم من الحراك الثوري البطولي للشعب لم تكن لديها تلك العوامل السابقة، ولهذا فإن على المقلدين والمتحمسين للتجارب العاصفة الثورية أن يقرأوا الواقعَ بدقة.

إن الهبةَ التقليديةَ والحماسَ المتعطش للحرية والديمقراطية يجب ألا تنسى كذلك أن هذا دخول في نظام يظل طبقياً استغلالياً، فتونس لن تهرب من النظام الرأسمالي، ولن تقفز إلى عالم لاطبقي، وإلى اشتراكية الحلم!

ستظل في العلاقات الرأسمالية الاستغلالية التي تحددُها مستوياتُ تطورِها الانتاجي، لكن بشروطِ مراقبة الشعب وتحت إدارته وصراعه السلمي وخططه الاقتصادية وتعاونه وعلاقاته العربية والدولية، ومن دون وجودِ زوائد هائلةٍ من البيروقراطية الحكومية التي تستنزفُ الاقتصادَ في استغلالها وبطانتها ومؤامراتها ومؤتمراتها، وستحدث فيها تلك التداولية(الخارقة) المقصورة حتى الآن على الشعوب الحرة وهي تداولية السلطة، فمرة يكون الحكمُ للرأسماليين ومرةً أخرى للعمال، بحسبِ كل ما يقدمهُ هذا الطرف أو ذاك من مكاسب للجمهور الذي يحسمُ بالتصويت.

إن هذا التطور السياسي الكبير يريدُ مستوى متطوراً من الوعي السياسي الاجتماعي، وهو أمرٌ لم يتشكل بسهولة في تونس ولم يتابعه بقية العرب ورأوه فقط في إنجازه المبهر المقطوع عن التاريخ.
كانت تونس على خطى فرنسا الديمقراطية الثورية، وكانت مصر تنظر بعينٍ واحدةٍ لأوروبا وعين أخرى لمسار الجزيرة العربية.
مصر لم تكن لها قوى عمالية شعبية منظمة بمستوى اتحاد الشغل التونسي وصلابته، وتحكمهُ في النظام الاقتصادي الذي شل المؤسسات الاقتصادية الحكومية المتجبرة.
هناك فرقٌ بين اتحاد الشغل المناضل المعبر عن إرادةٍ عمالية صلبة وشارك الدولة في سلطتها خلال سنوات عديدة وبين النقابات المصرية الانتهازية في أغلبِ تاريخها، ولهذا لم تلعب النقابات المصرية أي دور في هذه الثورة الشعبية وتركتها تتحول إلى هبة مؤقتة، ولم يجد الشعب المصري وسائل ضغط كبرى سوى الاعتصامات والمظاهرات لكن تونس لم تكتف بذلك ودخل اتحاد الشغل في مبارزة اجتماعية سياسية كبرى أرغم فيها المسئولين السابقين على الخروج من السلطة.
مصر استمرتْ فيها المؤسسات الاقتصادية والسياسية والعسكرية تحاصر المعارضين والشباب البسيط الشجاع، ولم يظهرْ ضباطٌ ديمقراطيون في جيشها كذلك يشكلون مناورة تغيير كما فعل الجيش التونسي.

إذا أخذنا طابعَ الثورات الكبرى في المنطقة وأهمها الثورة الإيرانية فسنجد كيف ان المنظمات الإقطاعية الدينية هي التي سرقتْ الثورةَ الشعبية الكبرى، وحولتْ إيران لمجتمعٍ طائفي عسكري شمولي.
إذا أخذنا اليمن فسنجدُ العصبيات الطائفية والمناطقية وتكبيل النساء بآلاف القيود وهيمنة السحرة والدينيين وسيطرة القبائل وإقطاعيي المناطق وبؤس الوعي الشعبي القبلي اللاديمقراطي، يمنع تشكيل حتى مجتمع ديمقراطي أولي فما بالك بتكوين مجتمع ديمقراطي تحديثي علماني تداولي للسلطة؟!

الانتهازية القوية في الأحزاب والنقابات المصرية الرسمية المعروفة راحت تضرب الشباب الجريء المناضل وكانت أكثر خطورةً من ضربات الحكومة والبلطجية، عبر إيجاد مسارين للعمل السياسي الشعبي المعارض، متضادين، الأول يدخل في مسارات التفاوض والآخر يمتنع، ويطالب بمطلب رئيسي جوهري لا يقبل بالمماطلة فيه.
وكان خطأ الحركة الوطنية المصرية طوال تاريخها في النصف الأول من القرن العشرين ضد الاستعمار البريطاني هو دخولها في التفاوض الذي استمر عقوداً! لكن الحركة الوطنية المتجذرة رفعت شعار(الجلاء قبل التفاوض)، ثم أسس المفاوضون مناورات وضياعاً وتاهوا وتوهوا البلد.
وذلك كله يحول حركة الشباب إلى مجرد معرض في ميدان التحرير.

صحيفة اخبار الخليج
9 فبراير 2011

اقرأ المزيد