المنشور

الظاهرة القذافيــة


أياً كان موقفنا من آخر ملوك مصر الملك فاروق، فعلينا تذكره بالخير، على الأقل لأنه في اللحظة الحرجة التي حمله فيها الضباط الذين تحركوا ضده في الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، قال قولة شهيرة وهو يرحل عن قصره، فحواها أنه لن يكون سبباً في اراقة دم أي مصري.

ولأننا بصدد الحديث عن ليبيا، فانه بوسعنا أيضاً تذكر الطريقة السلمية التي غادر بها الملك السنوسي، يوم استولى على الحكم معمر القذافي، ليحول بلاده ليبيا، خلال أربعة عقود من حكمه وأكثر إلى سجن كبير.
كيف يمكن أن يصل الحال بزعيم أن يصف أبناء شعبه بالكلاب والجرذان وبالعملاء، وأن يبلغ به حد التفوه بمفردات منفلت عقالها، هي أقرب الى البذاءات وكلام أبناء الشوارع الفاقد لكل حدود اللياقة والحس الانساني السوي، فيما المفترض، حتى في أشد اللحظات صعوبة أن يظهر الزعماء الحكمة في معالجة المحن، ويُمثل الخطاب المتغطرس لمعمر القذافي، المَثل الفاقع للعنجهية والغطرسة التي تحكم سلوك بعض الزعماء العرب ازاء شعوبهم، والتي تبلغ حد الهستيريا وفقدان الصواب كلية.

لقد ذُهل العالم بفظاعة وهول المذابح التي ارتكبها القذافي ضد أبناء شعبه العزل الذين هزوا أركان حكمه بعد أن طفح بهم الكيل، وهم يرزحون تحت وطأة حكمه الاستبدادي، الفريد من نوعه، حيث حكم البلاد أكثر من أربعة عقود بطريقة استفرادية، مطبقاً عليهم كل نزوات مزاجه غريب الأطوار، المشحون بعقد الغرور وجنون العظمة.

ورغم ذلك، فانه قال في خطابه الهستيري انه لم يستخدم القوة بعد، وانه لن يتورع عن استخدامها، ليعطي الإشارة الى العصابات المؤتمرة بأوامره لتقترف المزيد من جرائم الإبادة بحق أبناء شعبه، مستخدماً في ذلك الدبابات والطيران الحربي والرصاص الحي.

في كل بلدان العالم المتحضر فان الجيوش وُجدت لتحمي الأوطان من العدوان الخارجي ولتحمي الحدود والمياه الاقليمية، ودرء الأخطار الخارجية عن هذه الأوطان، أما في ليبيا، خلال الأيام الماضية وجدنا أن الجيش يمكن أن يُوجه للشعب، إذا ما احتجوا أو طالبوا بحقوقهم.

الجرائم التي ارتكبتها قوات القذافي وأبنائه فضحت المدى الذي بلغه استبداد الأنظمة وكرهها لشعوبها، حيث استفحلت سلطتها خلال عقود من الديكتاتورية والانفراد بالقرار، ومسخ صورة الشعب وتغييبه، وتحويله الى رعايا عليهم الخضوع للأنظمة دونما مساءلة، وخلال هذه العقود كدّس هؤلاء الحكام الثروات ما يفوق الخيال، على نحو ما كشفت عنه لجان التحقيق في فساد الرئيس التونسي المخلوع، وما تكشف عنه الوقائع التي أخذت ملامحها في الاتضاح في سلوك النخبة العائلية التي حكمت مصر قبل التغيير، هي والدائرة الضيقة المحيطة بها.

لن نستطيع أن نفهم هذيان القذافي على الشاشة، وهو فاقد تماماً لأعصابه، حين أزفت الساعة التي انتفض فيها الليبيون ضد الاستبداد والطغيان، إلا اذا أدركنا حجم الثروات التي تكدست في يده وفي أيادي أفراد أسرته، وهوس السلطة الذي استحوذ عليهم، حيث لم يعد بوسعهم تخيل أن يأتي اليوم الذي يجدون فيه أنفسهم، وقد باتوا خارجها.
 

اقرأ المزيد

ديمقراطية غير علمانية .. أهي ممكنة؟


حسمت جماهيرُ الأقطارِ العربية في مصر وتونس التوجهات الاجتماعية بالاندفاع نحو ديمقراطية علمانية بدت شفافة وغير مؤدلجة ومتسامحة دينياً ووطنية متجاوزة للتفرقة الدينية والمذهبية، وذلك لكون البلدين لهما تاريخ ثقافي تحديثي طويل، ولو أن الاخوان المسلمين قادوا الثورتين لبارتا وتمزق البلدان .

جنوحُ الجماهير تقودها الأجيالُ الجديدةُ المتعلمة الحديثة للبلد الذي لا تستغله طائفة ولا يعيش تحت هيمنة ديانة واحدة، ويغدو بلداً متسامحاً، ديمقراطياً يركز على التغيير المعيشي، وهذا هو سبب الانتصار .

لكن الجماعات الدينية المغلقة لن تدعَ الناسَ تمضي للديمقراطية الحداثية، فحين يحدث ذلك ماذا ستفعل وأين تولي وكيف تحمي استغلالها للجمهور؟ فلابد أن تقاوم انهيار سلطتها بقوة، كما عملَ الحزبُ اللاوطني اللاديمقراطي وصمد من أجل بقاء استغلاله للجمهور زمناً طويلاً استغل الأدوات كافة ليواصل عصر شرايين الشعب في خزائنه .

وما أسهل للدينيين المغلقين إثارة العواطف تجاه المسكرات وعورة المرأة والفنون وإثارة الشعب نحو قضايا جانبية قبل أن تجفَ دماءُ الضحايا من على الأرصفة وبلاط الشوارع !

رجلُ السلطة ورجلُ الدين في الشرق وجهان لعملةِ استغلال الشعب، الأولُ يركزُ في قداسةِ العلم الوطني وخريطة البلد وقوانينه وأرضه التي تُفدى وتُحمى بالأفئدة، والحدود والرموز المقدسة، وكل هذا الكلام لكن المقدس لديه فعلاً هو الخزائن وكيفية تكديس الأموال وتجميع الثروات، وها هو كل هارب كبير تُوضع ثروته على شاشة الفضاء العالمي مُقاسة بالمليارات المكشوفة الواضحة، فأين ذهبت قداسة الوطن؟

ورجل الدين لا يختلف عنه، يحولُ رموزَ الدين المقدسة لدى المؤمنين من صلوات وكتاب ومناسبات إلى سيطرة على الناس واستغلال موارد عيشهم وهيمنة على أرواحهم حتى لا تطير نحو العقلانية والحرية .

ألا ترى كيف يستميتون لملءِ بيوتهم بالأشياء الثمينة والأموال والأغذية؟ ألا ترى كيف يخافون أن يتحرر الناس ويغدوا حداثيين يعبدون اللهَ من دون وسائط ماكرة؟ ويمارسون شعائرَهم الدينية من دون وكالاتٍ تجارية وسمسرة اجتماعية؟

فهل يمضي عربُ الحرية السياسية نحو سجون جديدة؟ ويستبدلون النار بالصحراء الضارية؟

لا أظن ذلك، ومهما فعلَ المجلسُ العسكري لكي يعيدَ ذات الطبقة القديمة بوجوه جديدة، وأن يواصل الإقطاعان السياسي والديني هيمنتهما على الشعب بأشكال رقيقة في البدء، فإن الشعوبَ العربية وخاصة الشعب المصري، قد اكتوى بالاثنين، ويريد بلداً حراً على الطراز الأوروبي الديمقراطي الحديث، ولا يريد مواصلة العيش في زنزانات الأنظمة الدينية السياسية، يريدُ حكومةً تركزُ في تطوير عيشه ولا تفجر الخلافات بين المذاهب الإسلامية والأديان السماوية، فقد شبعتْ الشعوبُ من هذه الكوارث ومن الإدعاءات الأخلاقية المثالية، وأصحابها أكثر الناقعين في عسل المادة، وصانعي عالم الجواري، والبؤس الأخلاقي .

وها هو العراق بعد أن رسّخ سلطات الجماعات الطائفية الاستغلالية يثور مطالباً بخبزه الضائع، وأمواله الهاربة من يديه التي تتجاوز أسلاك الحدود وهي تحملُ الملايين، وينعى أعماله المتوقفة وحضارته التي هدمها السياسيون الشموليون والدينيون الطائفيون .

الديمقراطيةُ الحقيقية هي ألا يكون حزب واحد مهيمناً فيها، يعيشُ أبديةَ الكراسي والخزائن، ولا أن يقبض الحزب الديني على عنقه ويمنعه من الطيران في عالم الحرية والاختيارات الأخلاقية والعقلانية .

إذا كان الحزبُ السياسي يمكن أن يتغير فإن الحزب الديني يربط نفسه ادعاءً بالذات الإلهية والسماء والمقدسات كلها، فكيف سيتبدل ويسمح لآخرين بنقده وكشف أمواله وإستغلاله؟

لقد جرب العربُ الأحزابَ السياسية الشمولية الدينية فهل يستمرون في التجريب الخائب؟

هل يعرضون بلادهم للحرائق والخرائب في كل مكان؟

هل ينخدعون بالكلمات عن الطائفة المقدسة والحزب المقدس والجماعة التي لا يأتيها الباطل؟

( الدينُ لله والوطن للجميع)، قالها المصريون سابقاً، ولابد أن يستعيدوها بشكل أكثر حداثةً وديمقراطية، وألا يجربوا الأنظمة الدينية الشمولية ومرارات الأحزاب الدينية بعد أن عانوا طويلاً الأحزاب السياسية العسكرية .


 

أخبار الخليج 27 فبراير 2011

اقرأ المزيد

الرسالة (13): نريد مترجما


اغلب حواراتنا اليوم عقيمة لا يسمع المرء منها إلا رجع صوته؛ فبعضنا يتكلم صيني والآخر أرجنتيني ولا نرى إمكانيةً للتفاهم في غياب لغة مشتركة في البلاد ! بعضنا يؤمن بالديمقراطية وما تأتي به من حقوق : كحق الاعتصام وحق الإضراب وحق العصيان المدني، والبعض يدعي الإيمان بالديمقراطية – إنما- على طريقة القذافي لما قال مخاطباً الثوار ” تظاهروا إن أردتم –ولكن- لا تخرجوا للشوارع” !!

مشكلتنا الأم اليوم إننا لسنا متفقين على الأساسيات ولا حتى على حق الاختلاف، فكلنا يعشق البلد -نعم- ولكن بطريقته: بعضنا يجسد الحب في الدفاع عن استقرار الأوضاع كما هي ويرى الحكمة في عدم استعجال التغيير، فيما يرى الآخر أن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح وأن من يحب البلاد عليه أن يدفع بها لتكون دولة دستورية ديمقراطية.. ولهؤلاء جميعاً سنعيد مجددا علهم يقرؤوا بضمائرهم بعيداً عن التحامل والطائفية :
 
الجموع التي خرجت وعرضت نفسها للضرب والقتل لم تخرج للنزهة، ولا لأنها مشتاقة للهواء الطلق أو لرائحة مسيل الدموع، خرجت لأنها موجوعة.. لأنها تشعر بالظلم.. ليسوا إرهابيين ولا طائفيين لأنهم طالبوا بحقوقهم.. المطالبة بالعدالة وبسلطات أوسع للشعب ليست بطرا ولا كفرا ومن حق هؤلاء ان يُسمع ويُستجاب لهم ومن واجبنا جميعاً أن نساندهم بما فينا المترفين وغير المتضررين من التمييز أو غياب العدالة.. لا يجب أن تكون فقيرا لتقف مع الفقراء ولا عاطلا لتدعم العاطلين ولا مظلوما لتنصر المظاليم.. فقط عليك أن تكون إنساناً لتستشعر بآلام غيرك من البشر.. وكلنا يرى الناشطين في الغرب كيف يحتجون على انتهاك حقوق جماعات في أقاصي الأرض لا يجمعهم بهم لا دين ولا عرق ولا أقليم بل الإنسانية والإنسانية فقط.. 

إن كل ما نراه اليوم من احتقان سببه شعور كل طرف بأن الآخر ينتقص منه ويجحفه، المسألة ليست صراعاً بين السنة والشيعة كما يريده البعض أن يكون بل بين الشعب والسلطة.. بين فئات مؤمنة بأنها متضررة من غياب العدالة وفئات تخاف من أن تسلبها تلك العدالة امتيازاتها أو تغير حياتها للأسوأ.. والحق أن كلنا سيحصد غدا ثمار هذه المطالبات إن أينعت.. لذا ندعو الشعب بأكمله للمساندة ومن لم يساند فليكتفي بالمشاهدة عوضا عن حذف من يزرع بالحجر !


موقع لميس: نشر بتاريخ 26  فبراير 2011
 

اقرأ المزيد

الرسالة (12): بلد المسيرات


إجمالي عدد سكان البحرين 1.106.509 نسمة، نسبة البحرينيين منهم 48.6% “أي حوالي 538 ألف مواطن” ثلثهم دون الـ 15 عاماً – كما تقول الإحصائيات الرسمية- أي أن العدد المتبقي 348 ألف نسمة فمن أين جاءت مسيرة الـ300 ألف ومن أي جاءت مسيرة الـ600 ألف !!

ما كل هذا ” الشلخ” وما كل هذا التضخيم ومن تخادعون وهل تريدون أن يتمسخر علينا العالم ؟!!

وما قصة هذه المسيرات اليومية ؟! في السابق كانت الداخلية تطنطن أن المحتجين يعيقون حركة السير ويقطعون الطرقات فأي تعامل مزدوج هذا ؟
هل فقدت البلاد عقلها..؟ هل تحولت المسيرات والتجمهرات لوسيلة استعراض وفرّد عضلات.. وإرسال رسائل لأطراف في السلطة والخارج .
 
كلامنا موجهه للجميع :
 
لا تكونوا بيادق في لعبه شطرنج وأنتم لا تعلمون قوانين اللعبة .. لا تسمحوا لأفراد معدودين أن يشقوا البلد من أجل كراسيهم التي هي أهم لديهم من كل الشعب.. لا أحد من المتنفذين يحب السنة ولا احد يحب الشيعة – افهموا- الحب لكل فرد وعائلة وفريق مرهون بمدى خدمتهم وانصياعهم، لذا فالسني المعارض مكروه من السلطة ” وتعرفون مئات الأمثلة في الحاضر والماضي” والشيعي الذي يخدم كرسيهم محبوب ويُنصب كوزير وسفير ويفاض عليه من الأنعم وموائد السلاطين..
 
استيقظوا يا شعب البحرين ..
 
لا قيمة لمذاهبكم هنا.. ولا وزن لأسمائكم وأصولكم ومناطقكم وطولكم وعرضكم.. انتم كالبقرة الحلوب: يحب المرء حليبها ولحمها وجلدها ولكنه لا يحبها لذاتها.. لذا فقيمة كل بحريني مرهونة اليوم بدوره في الصراع على الكرسي والنفوذ..
 
استيقظوا يا شعب البحرين ..
 
خيرات البلد أين ذهبت؟ أراضي البلد أين ذهبت؟ إلى متى ستكونون هنود الخليج المبتسمين دائما والمستسلمين أبدا !!
 
ما الفرق بين البحريني والكويتي؟ والبحريني والإماراتي؟ والبحريني والقطري؟ أننا نعيش في إقليم واحد تفصلنا كيلومترات معدودة عنهم ألم تسألوا أنفسكم ما سر الهوة بيننا وبينهم وكيف أن أفقر شعب في الخليج لديه أغنى عائلة حاكمة في الخليج ؟
 
قلب نظام الحكم، ولا منازعة أحد في كرسية، ولكننا نريد تعديل الأوضاع وحلحلة الملفات وترتيب البيت الداخلي.. لا تحديات ولا استعراضات فارغة.. ولن يأتي هذا دام شعب البحرين في غيبوبة وحياته تسرق أمام عينيه وهو يفكر في مذهب هذا وعقيدة ذاك.. ألا ساء ما تحكمون!!


  
    موقع لميس: نشر بتاريخ 24  فبراير 2011

اقرأ المزيد

الإشكالية العربية الأزلية الأبرز


ما حدث في تونس، وفي مصر من بعدها فورا، وفي بعض الساحات العربية الأخرى سواء على وقع الحدثين نفسهما أو لتوفر ونضوج عامل انسداد الأفق الخطير الذي تحدثنا عنه في مقال الأسبوع الماضي، خصوصا أمام الكتلة العظيمة المنسية من الشباب العربي الذي يشكل الغالبية العظمى في كافة البلدان العربية تقريبا، أو باجتماع العاملين معا، لاشك انه سوف يسيطر إلى بعض الوقت على معظم التغطيات الإعلامية والصحفية والأجندات والاهتمامات الوطنية والإقليمية والدولية.
 
فما حدث في مصر خصوصا هو “تسونامي” سياسي “خارق للعادة” على حد تعبير أحبائنا في تونس الخضراء. ولسنا بحاجة لشرح أهمية ودور مصر الكبير جدا ليس في الإقليم العربي والشرق أوسطي وحسب، وإنما في العالم أجمع. ويكفي أن نسترجع “حالة الطوارئ” الذي ميزت تحركات وردود أفعال البيت الأبيض وقصر الإليزيه وعشرة داوننغ ستريت وبرلين وغيرها من عواصم صناعة القرار الدولي منذ انطلاق حركة الاحتجاجات في مصر يوم الخامس والعشرين من يناير/كانون ثاني الماضي، لندرك مدى الدور المحوري الإقليمي والدولي الذي تضطلع به مصر.
 
وعلى ذلك فان من يعتقد أن ما حدث في مصر تحديدا لن يتجاوز حدود مصر، سوف يتعين عليه إعادة قراءة الحدث والمشهد برمته من كافة نواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية. فمصر هي مصر، ولطالما كانت وستظل القلب النابض لكافة بلدان وشعوب الأمة العربية من محيطها إلى خليجها، ومصدر إلهامها وحراكها النهضوي، سواء في حالات المد أو حالات الجزر، ما يزكي كل القراءات التي ذهبت تحليلاتها للتداعيات المحتملة للثورة الشعبية المصرية.
 
وهناك شبه إجماع على هذا المذهب عبرت عنه الصحافة العالمية بينها ما ذهب مثل التايمز البريطانية في عددها ليوم السبت 12 فبراير 2011 لحد وصف ما حدث “بسقوط جدار برلين2” وذلك في مانشيت حمل عنوان “ثورة النيل” حيث كتبت: “إن ذلك كان بمثابة سقوط جدار برلين لهذا الجيل. فمصر والشرق الأوسط والسياسة في العالم العربي تغيرت إلى الأبد”.
 
السؤال الآن ما الذي استدعى الحتميات التاريخية للإتيان في هذه الأوقات لقول كلمتها الفصل في المأزق التاريخي الذي تجتازه المجتمعات العربية منذ بضعة عقود؟
 
كان الجميع قد نسوا في غمرة دواماتهم وانسحاقهم في دوامة الحياة وعملية إعادة إنتاجها اليومية الرتيبة، واستسلامهم لصيرورتها ودِعتها، أن مفاعيل قوانين التطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات قاطبة لا تعلق عملها لمجرد أن بعض المجتمعات اختارت ذلكم الخيار اللامبالي بها وبحتميات تجسُّدات خروقاتها، ومنها قانون التراكم الرأسمالي الذي يتم بموجبه مراكمة الفقر المدقع في جانب والثراء الفاحش في جانب آخر، ما لم تكن هناك متابعة دائمة للفجوة التي يُنتجها هذا القانون والعمل على تجسيرها من آن لآخر قبل تفاقمها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
على أن الأمر لا يقتصر على العوامل الموضوعية لإنفاذ سريان مفعول الحتميات التاريخية، فهنالك العوامل الذاتية المواكبة والمحفزة للحركة الداخلية لهذا القانون السوسيولوجي. ويتصدر هذه العوامل (الذاتية) الجمود والتكلس اللذان لابد وأن يفضيان في المحصلة إلى العسف والإقصاء وصولا إلى الاستبداد المطبق على الدولة والمجتمع معا، فيجيء المآل المحتَّم متمثلا في نشوء بيئة طاردة للكفاءات والمخلصين والشرفاء النزيهين، وجاذبة للمتسلقين والمنافقين أنصاف المتعلمين الذين لا هم لهم سوى تثبيت مواقعهم والغرف والاستفادة والاستزادة والإثراء من البيئة التي يسهمون في تخليق وافتعال أجوائها، بشقيها الاحتفالي والفزعوي على السواء .. “بإبداع” كيل المديح الاعجازي للانجازات غير المحسوسة والهجوم على كل صاحب رأي مختلف يحمل نقدا بناءا للأداء العام.
 
 
 
وقديما قالت العرب “صديقك من صدَقك لا من صدَّقك”. ولعمري أن من صاغ هذه العبارة في ذلكم الوقت الغابر قد أعمل فكره عميقا في محاولة سبر أغوار وتوصيف العلاقة الأزلية الملتبسة بين الساسة و”المسيوسين” في مختلف مواقعهم، وهو ما أطلقت عليه العلوم الإنسانية في الغرب اليوم مسمى “برين ستورمنج” أو العصف الذهني بحسب النحت العربي للكلمة.
 
وهي، كما ترون، مفردات قليلة ولكنها بالغة الدلالة تنم عن حكمة تكثف خلاصة القراءة للحال المزرية التي كانت سائدة في ذلكم العصر العربي الاضمحلالي الذي وصل فيه الشك والريبة وعدم الثقة بين الرعاة والرعية إلى أدنى درجاتها، فأراد قارئ هذه الحالة المزرية صاحب ذلكم القول الحكيم المأثور أن يوجه رسالة تصف الدواء لداء تلك الحالة، وذلك بوضعه اليد على الجرح المتمثل في بطانات السوء التي ظلت تلعب على مدى تاريخ الدولة العربية منذ نشأنها الأولى – ولازالت للأسف الشديد – دورا “ديناميكيا” في التستر والتغطية على كافة مواطن الخلل والأخطاء الحادثة في مفاصل الدولة وتراكمها كميا وصولا إلى حالة احتقانها المتفجرة، وفي توسيع وتعميق الفجوة بين الحكام والمحكومين.
 
فهذه على أية حال إحدى مصائبنا في العالم العربي المسئولة عن كثير من خيباتنا ونكباتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا شفاء منها إلا بالتخلص من سببها ومن ارثها البغيض.
  

اقرأ المزيد

الأمين العام لـ«المنبر الديمقراطي التقدمي» في البحرين حسن مدن لـ«السفير»: مخاطر إجهاض الثورة ما زالت قائمة


ما زالت شوارع البحرين تنبض بالثورة. أخفقت المجزرة التي ارتكبها النظام في «دوار اللؤلؤ» في إخماد شعلتها، فسعى للتكفير عن جريمته بدعوة قوى المعارضة لحوار سياسي ما زالت آلياته مبهمة مع عدم ظهور أي مؤشر بقبول المطلب الرئيسي لقوى المعارضة السياسية بإقامة نظام ملكي دستوري يدخل «وثيقة الوفاق» الوطني حيّز التطبيق الفعلي.

وفي الأسبوع الثاني من الثورة، ما زال النظام البحريني يراهن على كسب الوقت، مستعيداً بذلك تجربتي الأنظمة المتهالكة في مصر وتونس وليبيا، فيما يتخوف المعارضون من محاولات داخلية وخارجية لإجهاض الحركة الشعبية عبر العزف على الوتر المذهبي.

الأمين العام لـ«المنبر الديموقراطي التقدمي» الدكتور حسن مدن تحدّث لـ«السفير» عن واقع ثورة شعب البحرين والمرحلة المقبلة، معبراً عن موقف قوى المعارضة الوطنية في تحذيرها من انزلاق الثورة نحو المذهبية، لكنه بدا مطمئناً إلى أن لا خيار أمام النظام سوى الاستجابة لمطالب الإصلاح.

وفي الاتي نص الحوار:

ـ بعد نحو أسبوعين على انطلاق ثورة شعب البحرين، كيف تقيمون مسارها؟

يمكن إيجاز الوضع الحالي بأن سقف الشعارات والمطالب التي يرفعها المحتجون في ازدياد مستمر، وذلك بسبب تباطؤ الدولة في الاستجابة للمطالب المطروحة، وأيضاً بسبب حجم الضحايا الذين سقطوا خلال الأيام الماضية، فهناك سبعة شهداء وعشرات الجرحى، بعضهم في حال حرجة، ما يعني أن عدد الشهداء مرشح للتصاعد. وهناك أيضاً حالة من الاحتقان السياسي، بحيث لم يعد ممكناً التعامل مع الوضع الناشئ وكأن شيئاً لم يكن، أو كأن سقف المطالب ما زال كما كان في السابق، فالمحتجون لن يقبلوا بالعودة إلى بيوتهم ما لم يطمئنوا إلى وجود آلية حقيقية وجدّية للمضي في بناء المملكة الدستورية التي نص عليها الميثاق بشكل حقيقي وليس بطرق شكلية أو صورية. وفي مقدمة شروط هذه الملكية أن يجري الفصل بين رئاسة الحكومة وبين العائلة الحاكمة، بحيث تكون هناك حكومة منبثقة عن الشعب، وتكون خاضعة للمساءلة البرلمانية والشعبية بصورة حقيقية، وأن تكون هناك نصوص دستورية تؤمّن هذه الحقوق وتضمنها، لأن العمل بالدستور الحالي لم يعد مقبولاً أو ممكناً. كما أن مجلس النواب أصبح عملياً في حالة شلل بعد انسحاب 18 من أصل 40 نائباً، ما يعني أن البرلمان أصبح بحكم الساقط، وبالتالي لا بد من معالجات سياسية جذرية تلبّي تطلعات الشباب المعتصمين في دوار اللؤلؤة، وكذلك مطالب باقي القوى السياسية المعارضة.

ـ ما موقف القوى السياسية البحرينية من التحركات الشعبية؟

بداية، هناك قوى المعارضة المنضوية في التحرك الشعبي، والتي تتكون من تيار إسلامي شيعي ـ ممثلاً بشكل خاص في «جمعية الوفاق» و«جمعية العمل الإسلامي» ـ وبعض التيارات غير المنضوية في إطار الجمعيات السياسية ـ مثل «حركة حق» والمعارضة الديموقراطية الممثلة بـ«المنبر التقدمي» و«جمعية العمل الوطني الديموقراطي» (وعد) و«التجمع القومي». ويضاف إلى ذلك، الحركة التي افرزها الحراك الراهن والمتمثلة في القيادات الميدانية الشابة التي أصبح لها كلمة في الشارع. أما قوى الإسلام السياسي السني، ممثلة بـ«الإخوان المسلمين» و«حركة السلف»، فموقفها أقرب إلى الموقف الرسمي، وهي تطرح نفسها كممثلة للسنة، وهذا الأمر يشكل إحدى نقاط الضعف في الحراك السياسي الراهن، لأنه لو اقتربت القوى السياسية في الشارع السني قليلا إلى المطالب الاحتجاجية، لكنا تمكنا من تحويل هذه الاحتجاجات إلى حركة شاملة على المستوى الوطني.

ـ قدّم النظام البحريني بعض «المبادرات» لحل الأزمة… كيف استقبلتم ذلك؟

بعد العملية الغادرة التي نفذها الأمن والجيش لاقتحام دوار اللؤلؤة، وإيقاع هذا العدد الكبير من الضحايا، دعا ولي العهد إلى حوار مع المعارضة، لكن المعارضة طرحت بعض الشروط من أجل خلق الأجواء المناسبة لهذا الحوار، ومن بينها سحب وحدات الجيش من العاصمة، وإطلاق سراح المعتقلين، ووقف محاكماتهم، وتعهد الدولة بعدم استخدام العنف ضد المحتجين. ويمكن القول أن بعض هذه المطالب تحقق، لكن المطلوب الآن هو الانتقال إلى مرحلة تتوافق فيها المعارضة بجميع مكوّناتها على رؤية مشتركة للحوار. ربما يحتاج هذا الأمر إلى بعض الوقت، لأن المعارضة، ومنذ أكثر من عشر سنوات، كانت تدعو النظام إلى الحوار، لكنه لم يكترث لهذه الدعوات، وبالتالي، فإنّ عليه الآن أن يعطي فرصة لهذه القوى كي تتوافق على رؤية مشتركة، وأن يقدّم مزيداً من المبادرات لتهيئة الجو المناسب للحوار، وفي مقدمة ذلك، استقالة الحكومة القائمة حالياً لأنها لا تحظى بالثقة، وتشكيل حكومة مؤقتة لإدارة المرحلة الانتقالية، ريثما يجري التوافق على اتفاق لمستقبل الوضع في البلد.

ـ ما سيكون موقفكم في حال لم يستجب النظام لمطالب الإصلاح؟

لا خيار أمام النظام سوى الاستجابة لمطالب الإصلاح. أما حجم الاستجابة فيبقى رهناً بتوازن القوى خلال الأيام المقبلة. أما الخيار الأمني فلن يحل المشكلة، وسيزيد الأمر تفاقما، فهناك إرادة قوية في الشارع لمواصلة الاحتجاجات، وسقف التوقعات الشعبية من التحرك كبير جداً، ولا يمكن التعامل مع الأمر على طريقة الأنظمة العربية الأخرى التي قمعت شعوبها، لأن ذلك لن يؤدي إلى أي نتيجة، والتجارب ماثلة أمامنا في أكثر من بلد عربي. آمل في أن يتّعظ النظام في البحرين مما جرى في دول عربية أخرى، وألا يقع في ذات الأخطاء التي وقع فيها حسني مبارك ومعمر القذافي وغيرهما من الحكام العرب.

ـ ما توقعاتكم لشكل التحركات الشعبية خلال المرحلة المقبلة؟

نحن نسعى إلى أن تحافظ التحركات على طابعها السلمي، لأنه في حال انزلقت إلى العنف، فسيكون ذلك مقتلا لها. نحن نشدد على التجمهر السلمي للمطالبة بالحقوق. وهناك أدوات كثيرة للضغط السلمي، خاصة في دولة صغيرة بمساحتها وعدد سكانها كالبحرين. وهذا الشكل من التحرك يكسب حركة الاحتجاج التعاطف الدولي ويرغم النظام على تقديم تنازلات جدية.

ـ هل المعارضة البحرينية متفقة الآن على حد أدنى من المطالب المتعلقة بالإصلاح؟

القوى السياسية في المعارضة متفقة على سقف معيّن. لكن هناك عددا من الشباب يطرحون إسقاط النظام الملكي بشكل كامل. باعتقادي، هذا الأمر قابل للنقاش بالنظر إلى توازنات القوى المحلية والإقليمية، خاصة أن البحرين بلد يتسم بتركيبة طائفية معينة، حيث توجد ثنائية شيعية سنية، ولا بد بالتالي من تحقيق الإجماع الوطني على برنامج الإصلاح الذي يعكس توافق كل مكوّنات المجتمع، إذ لا يصح أن يجري الأمر باتجاه تغليب فئة على أخرى، أو طائفة على أخرى، وإنما يجب أن يكون هناك حل وطني شامل مقبول من الجميع.

ـ ماذا عن موقف «المنبر التقدمي» من المطالب المطروحة؟

«المنبر» لا يعمل منفرداً، فهو يؤدي دوره بالتنسيق مع القوى السياسية المختلفة، لأن ذلك أكثر جدوى وفائدة. نحن نتطلع إلى بلورة رؤية مشتركة لأننا أمام لحظة مصيرية في تاريخ الوطن، ومن الطبيعي أن يكون عملنا ونشاطنا ضمن إطار القوى الوطنية من أجل وضع هذا التصور. وبالتالي فإن «المنبر» لا يملك أي أجندة خاصة أو رؤية مختلفة عن تلك التي يجري التنسيق بشأنها مع القوى الأخرى، لكننا مهتمون بشكل خاص بحماية التحرك الشعبي القائم من مخاطر الانزلاق الطائفي.

ـ كيف تتعاملون مع محاولات العزف على الوتر الطائفي من جانب بعض القوى؟

يعمل «المنبر» على فتح قنوات حوار مع الفعاليات التي تعبّر عن الطائفة السنية لكي نضفي على التحرك طابعه الوطني الشامل. نحاول أيضاً أن ندعو الشباب المحتجين والقوى المشاركة في التحرك إلى الابتعاد عن إطلاق الشعارات ذات الصبغة المذهبية أو الطائفية، وذلك حتى لا يساء إلى هذا التحرك، أو يصوّر على أنه تحرك شيعي فقط. كما أننا نركز على المشتركات العامة للشعب البحريني.

ـ كيف تقيمون الدور الأميركي في ما يجري الآن؟

الولايات المتحدة طلبت من النظام البحريني عدم استخدام العنف ضد المحتجين، كما أعربت عن دعمها لفكرة الحوار، ولكنّ الموقف الأميركي يتسم بالحذر والتردد وغياب الدعم القوي والواضح لمطالب الإصلاح الديموقراطي في البحرين وباقي دول المنطقة. اعتدنا أن يكون الموقف الأميركي انتقائياً ومبنياً على المصلحة، وذلك بالنظر إلى حجم المصالح الأميركية في البحرين ومنطقة الخليج، وأيضاً بالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي تقيمها واشنطن مع الأنظمة القائمة هنا، وخشيتها من تغييرات حقيقية باتجاه المشاركة الشعبية. بذلك، يمكن القول إن الموقف الأميركي لم يكن حازما، وهو ما زال ضمن حدود العموميات والشعارات المجرّدة.

ـ كيف تنظرون إلى الموقف الخليجي، وتحديداً السعودي، مما يجري حالياً في البحرين؟

الموقف الخليجي داعم بشكل مطلق للنظام في البحرين، فقد اجتمع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في المنامة، خلال الأسبوع الماضي، وأعلنوا موقفاً واضحاً بتقديم كافة أشكال الدعم للنظام، بما في ذلك الدعم العسكري. هناك حديث عن تدخل سعودي، ولكن لا نملك معطيات مؤكدة حول هذا الأمر. وبصرف النظر عما إذا كان ذلك قد حدث أم لا فإن هذا الخيار يبقى قائماً ولا يمكن استبعاده.

ـ هل تخشون محاولات أميركية لإجهاض الثورة؟

مخاطر خنق التحرك وإجهاضه تبقى قائمة، سواء من خلال دفع البلد نحو المنزلق الطائفي، أو عبر تدخل إقليمي لنصرة النظام. هذا الخيار غير مستبعد. ولهذا فنحن نطالب بموقف رسمي وشعبي عربي على الأقل للوقوف إلى جانب المحتجين في البحرين، حتى لا يكون الخيار الأمني قائماً مرّة أخرى، لأنه في حال لجأت إليه قوات الأمن مجدداً في ظل هذا الزخم الشعبي الكبير فإن الأمور قد تتجه نحو مجزرة حقيقية. 



 حاوره وسام متى




“السفير” – 26/2/2011


اقرأ المزيد

رباعيات السقوط


هناك أربع سمات مشتركة بين الأنظمة الساقطة والآيلة إلى سقوط قريب، مثلما هناك أربع ذرائع مستخدمة للتضليل السلطوي لجأت وتلجأ إليها هذه الأنظمة، وبعد ذلك نستطيع أن نلحظ أربع خطوات متتابعة في سيناريو السقوط المحتوم لهذه الأنظمة.

فالسمات العامة الأربع للأنظمة الساقطة والآيلة للسقوط تتلخص في استبداد هذه الأنظمة، مع فوارق محدودة في نوعية الغطاء الشكلي الذي تستخدمه لتغليف استبدادها وتمويهه، بين دستور علماني وأحزاب مقيدة في تونس، ونظام دستوري شكلي وحريات محدودة وانتخابات مزيفة في مصر، ومجالس جماهيرية مبتدعة في ليبيا… فيما يشكّل الفساد المستشري السمة الأخرى لهذه الأنظمة، وهو فساد يعمّ الحلف الطبقي الحاكم ويربطه بشبكات من العلاقات النفعية مع أطراف واسعة مستفيدة منها، تمثّل القاعدة الاجتماعية للنظام السلطوي… أما السمة الثالثة لهذه الأنظمة فتتمثّل في تبعيتها للغرب الإمبريالي وتواطؤها مع العدو الصهيوني، وأخيرا، تبرز السمة المشتركة الرابعة لهذه الأنظمة في انسداد الأفق التنموي الوطني المستقل لبلدانها.

وإلى جانب هذه السمات الأربع لهذه الأنظمة نلحظ أنّ هناك أربع ذرائع شائعة للتضليل السلطوي لجأت إليها الأنظمة الساقطة وتلجأ إليها الأنظمة الآيلة إلى السقوط وذلك للدفاع عن وجودها ومواجهة التحركات الاحتجاجية والانتفاضات الشعبية المندلعة ضدها، تتمثّل في: ذريعة المؤامرة الخارجية التي تحرّك هذه الاحتجاجات وتسند الانتفاضات، فمرة هي مؤامرة أجنبية من دون تحديد، ومرة هي مؤامرة الحليف الأميركي، التي لا يمكن تصديقها، ولا بأس بعد ذلك من اتهام إيران، فقد يفيد مثل هذا الاتهام في حالات معينة مثل مصر واليمن، أما القذافي فقد تمادى وصوّر ما يحدث في ليبيا بأنّه جزء من مؤامرة يشارك فيها جيرانه المصريون والتونسيون، الذين يتهمهم بنقل عدوى الثورة إلى ليبيا ثورة الفاتح…ويترافق ذلك مع ذريعة التخويف من خطر التطرف الإسلامي والتلويح بفزاعة سيطرة الإسلاميين على السلطة… وما لم تجد الذريعتان السابقتان نفعا؛ يتم اللجوء إلى ذريعة التهديد بالفوضى، ولا بأس من تقديم عينات عملية ملموسة من هذه الفوضى الموجهة، مثلما فعل نظاما بن علي ومبارك البائدان في الأيام الأخيرة قبيل رحيلهما… وأخيرا، يتم اللجوء إلى التضليل العاطفي، مثلما فعل مبارك في خطابيه الأخيرين المؤثرين لحظيا.

وأما الخطوات الأربع لسقوط الأنظمة فتبدأ بخطوة المكابرة والإنكار، التي سرعان ما تتداعى تحت وطأة الحركة الثورية،  لتعقبها خطوة القمع المفرط، التي تجاوز فيها نظام القذافي كل الحدود والحواجز والضوابط والاعتبارات… وبعدما يزداد الضغط الشعبي على نحو لا يجدي معه القمع نفعا يتم اللجوء إلى خطوة الدعوة إلى إجراء الحوار مع المعارضة، التي سرعان ما يتضح زيفها وتُطوى صفحتها… وأما الخطوة الأخيرة السابقة لخطوة السقوط فهي خطوة تقديم بعض التنازلات الشكلية والإصلاحات المتأخرة، التي فات أوانها، بحيث لم يعد هناك من خيار بعدها سوى خيار التغيير.
هذا ما انطبق على الحالتين التونسية والمصرية، فيما نشهده على نحو أسوأ في ليبيا، وشهدنا جزءا منه في اليمن، ولعلّه تكرر أو قد يتكرر على هذا النحو أو ذاك في بلدان أخرى شهدت حركات احتجاجية وانتفاضات شعبية أو هي مرشحة لذلك في القريب العاجل، مع فوارق في التفاصيل وتفاوت في الجزئيات وتشابه في النتائج والتداعيات.
 
عالم اليوم 22 فبراير 2011
 

اقرأ المزيد

الرسالة (11) التلفزيون الأعور مجدداً


منذ بداية الأحداث في البحرين ظهرتُ سبع مرات على قنوات مثل الجزيرة والبي بي سي والعالم والمنار بدعوة منهم، وتوقفت بعد ظهور ولي العهد في تلفزيون البحرين وأرسلت الرسالة التالية لقيادي في التلفزيون :

تحياتي أخ “..” أخاطبك بصفتك الرسمية طالباً استضافتي تفعيلاً لدعوة ولي العهد لما قال ” من لديه كلام فليأت لهنا ويقوله” إلى ذلك أذكركم بأنكم جهة إعلامية – لا مؤسسة عسكرية- ويُفترض بكم أن تكونوا متوازنين وتفتحوا المنبر لجميع المواطنين وتلك أبجديات مبادئ الإعلام كما تعلم..واعرض عليكم في المقابل التالي: أن أتوقف عن التصريح لأي قناة دولية” وأنهيت الرسالة بالتحية..

 صبيحة اليوم التالي قلت ربما تاهت الرسالة في الطريق أو خطفها بعض القراصنة فهاتفته ولم يردّ على غير عادته ” ثم يلومنا الخراصون على اتخاذ منابر إعلامية أخرى” !!

المفارقة في هذا كله أن تلفزيوننا طور كاميراته وديكوراته ولكن لا يزال يُدار بذات العقلية الضيقة التي كان يدار بها قبل عشرين عاماً.. متجاهلين أن هناك اليوم انترنت وفضائيات وصفحات تواصل اجتماعي والتدليس وتحريف الوقائع وحجب الآراء.. لم يعد وارداً..!!

أن تلفزيون البحرين لعب دوراً مدمراً في زيادة الشرخ بين البحرينيين بتعمده جرّ الضيوف لإهانة المعتصمين وبتعزيزه للاصطفاف الطائفي وبإنتقائيته وتحريفه وتحيزه الواضح.. وكم هو مؤلم أن تكون كل القنوات العالمية – بلا استثناء- منبراً لهموم البحرينيين إلا تلفزيونهم الرسمي الذي عجز عن احتوائهم.. وليعلم هؤلاء أن دورهم -غير الوطني- وتآمرهم على الوطن وعزفهم الطائفي لن يمر مرور الكرام.. ويجب أن يكون الشيخ فواز ورهطه مستعدين لساعة الحساب ما أن يهدأ الغبار خاصة بعد إخفاقاتهم الفاضحة في إدارة الأزمة وفي التهدئة وفي ترجمة توجيهات جلالة الملك وولي العهد..

ولكن ما عسانا نتوقع من هؤلاء الدخلاء على الإعلام، الذين درسوه في مدارس الشرطة، الجاهلون بمبادئه وأخلاقياته وأهدافه ؟!!
    ” إن إعلاميا لا يقف مع المظلومين، ولا يواسي المستضعفين ويصطف مع الأقوياء ضد المغلوب على أمرهم، لا يستحق أن يكون إعلامياً وهو عار على هذه المهنة ”

                   لصحفي الشهير: روبرت فيسك    

                                                       
                 


  وسجل يا تاريخ !!

 موقع لميس:  نشر بتاريخ فبراير 24, 2011
 

اقرأ المزيد

صباح الخير أيها الشباب ! – رضـا الظاهــر


تتخذ احتجاجات الناس المشروعة منحى تصاعدياً مفعماً بالدلالات العميقة، ومن بينها أنها تتسم بشمولها مختلف مناطق البلاد حتى الأكثر أماناً واستقراراً. ويتجلى فيها بروز القضايا المطلبية والاجتماعية وصياغتها في شعارات واضحة تحظى بما يشبه الاجماع الوطني، مما ينبيء بفتح آفاق وتحويل ما يبدو مجرد أزمات محدودة معزولة ذات طابع فئوي أو مناطقي الى طابع تحرك شامل. وهو ما ينطوي على امكانية تطور حركة شعبية لتحقيق المطالب العادلة.

ومن نافل القول إن الاحتجاجات هي أحد تجليات الأزمة الشاملة في البلاد، فضلاً عن أزمة الحكم التي تعمقت خصوصاً منذ الانتخابات الأخيرة، وما تزال فصولها تتوالى على نحو يجسد عجز الحكام عن ايجاد حلول للأزمات حتى وفق قاعدة المحاصصات التي يتمسكون بها.

ولا ريب أن من بين ما منح هذه الحركة زخماً أعظم هو تأثير الحركات الاحتجاجية والانتفاضات الظافرة في تونس ومصر، حيث اهتزت عروش وسقطت أنظمة كانت حتى وقت قريب تعتبر من بين أكثر الأنظمة استقراراً.

ومن الجلي أنها، وإن كانت في بداية خطواتها الأولى، تتجاوز في مجرى تطورها، عوامل الضعف والفشل التي شابت احتجاجات سابقة حتى الآن. فهي تتخطى الانقسامات الطائفية والاثنية والمناطقية، لتكون، بالتالي، أكثر قدرة على مواجهة التحديات والوقوف بوجه مساعي القوى المتنفذة المرتعبة من هذه التحركات والمتوجهة الى احتوائها وتدجينها عبر تقديم بعض التنازلات المؤقتة أو الاستجابة الجزئية لبعض المطالب. ومن المنتظر أن يجعلها هذا التجاوز قادرة، تدريجياً، على طرح بدائل للخروج من الأزمة الراهنة بصيغة مشروع وطني شامل وجذري.

وليس من المبالغة القول إن هذا الوضع المشحون والمتفجر يقدم فرصاً للتغيير، الأمر الذي يضع على عاتق الديمقراطيين خصوصاً مهمة صياغة رؤية سليمة وملهمة، وتعبئة هذه الحركة بالاعتماد، أساساً، على القوى الحية للمجتمع، وفي طليعتها الشباب التواقون الى التغيير الحقيقي الجذري.

وهناك، من ناحية أخرى، مخاطر جدية تتمثل في المساعي الرامية الى حرف هذه الحركات الاحتجاجية، العفوية في أحيان غير قليلة، عن أهدافها، بمحاولات مكشوفة ومستترة ترمي الى إجهاضها عبر توظيفها لغايات سياسية ضيقة، وتصفية حسابات وإعادة اقتسام الغنائم وكراسي الحكم في المحافظات والمركز، وركوب موجة الاحتجاجات الشعبية عبر طرح الشعارات الشعبوية ودغدغة واستثمار المشاعر الدينية والطائفية وتسييسها لتشتيت طاقات وجهود هذه الحركة. ويجري كل هذا في إطار صراعات تصب في المعركة ذاتها الدائرة بين القوى المتنفذة على السلطة والثروة والامتيازات.

غير أنه من الخطأ الاعتقاد بأن هذه الحركة ستحقق أهدافها بضربة واحدة، فأمامها شوط طويل يتعين أن تقطعه قبل الوصول الى غاياتها السامية، عبر نضالات متدرجة متصاعدة لا أن ترفع سقف التوقعات دفعة واحدة، مما يمكن أن يصيب هذه الحركة وقواها بالاحباط في حال التعرض الى مصاعب. ولكن يتعين، أيضاً، القول، بثقة، أن لا سبيل آخر سوى سبيل التحدي ومواصلة الاحتجاجات ورفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي والايمان العميق بعدالة المطالب المشروعة.

ولابد من كشف زيف الوعود التي تقدمها بعض القوى السياسية ونفاقها وتملقها لهذه الحركة، في الوقت الذي تحتل موقعاً متنفذاً في الحكم، وتنتفع من الامتيازات التي حققتها جراء ذلك.

وتكشف التراجعات والتنازلات التي قدمها الحكام سواء في ما يتعلق بتقليص رواتب ومخصصات “الكبار” وتحسين مفردات البطاقة التموينية والغاء صفقة طائرات عسكرية أميركية، الى جانب الاجتماعات الطارئة مع مجالس الحكم المحلي في المحافظات، وانطلاق أصوات البعض المزايدة في البرلمان، تكشف مدى هشاشة الحكم وعجزه عن حل المعضلات المستعصية، مثلما تفضح النفاق والتضليل من جانب “سياسيين” أدمنوا هذا السلوك، واللجوء، بالتالي، الى حلول ترقيعية تسكينية مؤقتة لاحتواء موجة الغضب الشعبي المتصاعدة. ومن المؤكد أن مثل هذه العقلية القاصرة في التعامل مع الأحداث مرتبطة بمنهجية المحاصصات السائدة في الحكم، وهي أم البلايا.

إن على الشباب والقوى الديمقراطية التركيز على المطالب الواقعية المشروعة، وبينها تلك التي طرحت في احتجاج ساحة التحرير يوم 14 شباط الحالي، وعدم الانجرار الى مساعي جهات عديدة وبأساليب خبيثة مختلفة، هادفة الى اجهاض الاحتجاجات، وتوفير تبريرات لمن يريدون ايقاف ما يرعبهم من تحرك شعبي.

* * *

من كان يعتقد أن العراق في مأمن من رياح التغيير بسبب ما يسمى بالتحولات “الديمقراطية” يكتشف اليوم مدى أوهامه. فالتحولات التي جرت منذ “التغيير” بوسيلة الحرب والاحتلال لم تحقق البديل الديمقراطي الحقيقي المنشود، بل انتهت بالبلاد الى فريسة يتناهبها “المحررون” و”المقررون”، بينما تطحن رحى المآسي الملايين.
الناس لن يصمتوا، وبغداد لن تكون قندهار !

ستبدد شموع الشباب المحتجين، رافعي رايات ائتلاف السخط والأمل، ظلمات من يستهينون بمعاناة المحرومين، ويتوهمون أن الشعب خانع وأن كل شيء قد استقام لهم في واقع يؤبّد وجودهم وامتيازاتهم.

صباح الخير أيها الشباب .. يا من بكم يليق المجد ناهضاً مع الينابيع التي تتفجر غضباً والرايات التي تمضي الى الضفاف .. ما أسكتَ الرصاص يوماً أصواتاً عادلة !

 
رضا الظاهر كاتب عراقي

طريق الشعب -22/2/ 2011

اقرأ المزيد

الإسراع في الحوار في إطار مرجعية الميثاق


تمر البحرين هذه الأيام بفترة حرجة بسبب الأحداث الدامية المأساوية التي وقعت في الأسبوع الماضي سقط خلالها عدد من الشهداء وعشرات الجرحى من أبناء شعبنا نتيجة العنف غير المبرر من قبل قوات الأمن ضد المتظاهرين والمعتصمين سلميا. والتي أدت إلى تفاقم الوضع واشتداد الاحتقان السياسي وتدحرج البحرين إلى آتون نار الطائفية لولا مبادرة سمو ولي العهد بسحب القوات المسلحة والأمن من المنامة، وبخاصة من دوار اللؤلؤة وطرح مبادرة الحوار مع جميع الأطراف دون استثناء وفورا وطلبه بتهدئة الأمور لإعلان الحداد الوطني على أرواح الشهداء.

إن مصلحة الوطن ووحدة الشعب تستوجب من كل المخلصين، وخاصة الجمعيات السياسية والشخصيات الوطنية الإسراع في تحديد موقف موحد ومسؤول لبدء الحوار. وذلك على أرضية مطالب مؤتمر الحوار الوطني المنعقد في العام الماضي مع إضافة ما استجد من مطالب على ضوء الأحداث المؤلمة الأخيرة، خاصة محاسبة المسؤولين عنها والإفراج عن المعتقلين السياسيين واعتماد ميثاق العمل الوطني مرجعا أساسيا لجميع الأطراف المتحاورة. 

ومن الضروري التأكيد في هذا الشأن ان شعبنا بتصويته الكاسح على الميثاق اختار مملكة دستورية وتعددية سياسية وديمقراطية برلمانية غير ساكنة يتطلب باستمرار تطويرها لتعزيز النظام الملكي الدستوري بما يخدم الشعب، كل الشعب دون أي تمييز أو استثناء. إننا نريد إصلاح النظام وتطويره بمزيد من الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتلبية حاجات شعبنا، وبخاصة الشباب وتأمين مستقبل آمن لهم. نظام يعمل بشكل جدي وفعال في مكافحة الفساد والتجاوزات على المال العام. 

ولتحقيق ذلك من الضرورة بمكان رفض كافة الشعارات التي لا تخدم وحدة الشعب وتفرقه على أساس فئوي أو طائفي وغيرها من الشعارات.
 
حرر في 23 فبراير 2011

اقرأ المزيد