المنشور

فراسة الإشارات


ثمة فارق بين الإشارة والموقف . هذا الأخير يتضمن التحديد الصارم . موقف الإنسان هو كلمته الفاصلة وحكمه القاطع الذي لا يحتمل اللبس ولا التأويل، أما الإشارة فإنها بخلاف ذلك تحتمل الإيحاء والتساؤل . الموقف واضح، أما الإشارة فغامضة، وفي ذلك جمالها وسحرها وفتنتنها وجاذبيتها وقابليتها لاستدراج المرء كي يكتشف كنهها . كل غرابة الإشارة تكمن في أنها تقترح علينا جهداً كي نلتقطها، كي نفهمها ونقترب من الذي تومئ إليه .

 النبهاء من الناس يعرفون ذلك . إنهم خبراء ليس فقط في التقاط الإشارات وفهم مغازيها وأبعادها، وإنما في أدائها كأسلوب حياة في التعامل مع الناس ومع الأشياء . الإشارة لغة، وهي بهذا المعنى تحتمل كل تعقيد اللغة: تعدد المعاني والتفسيرات والتأويلات، والتغير الذي يطرأ على دلالة الكلمة تبعاً لموقعها في الجملة، أو في سياق الكلام أو الكتابة . فالإشارة تتطلب مهارة كتلك التي يتمتع بها اللغوي في التعاطي مع اللغة، ليس من حيث هي منظومة قواعد فحسب، وإنما من حيث هي مجموعة دلالات ورؤى .

حين نميز بين الموقف والإشارة، فإننا تحديداً نرمي للقول إن الموقف قرين الجمود والثبات والوضوح البالغ، إذا ما كان الكلام يدور عن الجوانب الرمزية في حياة البشر، أما الإشارة فإنها قرين الإبداع والمخيلة والفراسة في كشف الرداء الشفيف الذي تتدثر به . والإشارة في معنى من المعاني يمكن أن تنطوي على ما هو مخيف ومحير وباعث على القلق، حين ترتبط بالمجهول .

إن إشارة واحدة غامضة يمكن أن تجعلك شديد اليقظة والخوف والحذر من أمور يخبئها لك المستقبل . والمستقبل من طبعه ألا يكون واضحاً . إنه دائماً باعث على الخوف .

الناس لا تخاف الحاضر ولا الماضي، لأنها تعرفهما . حتى الخطر الذي يداهمك به الحاضر يفقد بعد وهلته الأولى صدمته الكبرى، ويعودك على التآلف معه، أما المستقبل لأنه مجهول، فإنه يبعث على القلق والترقب، لا بل والخوف .

الحياة مجموعة من الإشارات، ونحن في خضم اليومي من التفاصيل إزاء هذه الإشارات، نلتقطها أو نسعى لالتقاطها، وأحيانا نخفق في أن نفعل ذلك، وحين نخفق فإننا ندفع ثمن هذا العجز عن الالتقاط .

اكتسب البدوي فراسته من قدرته على التعامل مع إشارات الصحراء، ولا نظن أن حياة اليوم من حيث هي عالم معقد ومتشابك من العلاقات والدلالات بأقل غنى وثراء في إشاراتها .

اقرأ المزيد

ها قد بدأ الحوار وبأقل تمثيل

ها قد بدأ الحوار المرتقب، المنتظر منه أن يخرج البحرين من مأزق قارب السنتين وتمتد جذوره حتى العشرينيات من القرن الماضي.

ها قد بدأ الحوار الذي ينتظره الشعب البحريني بجميع مكوناته لإعادة الحق واللحمة الوطنية لسابق عهدها.

الحوار الذي ينتظره آباء وأبناء وأهالي الشهداء الذين قدّموا حياتهم من أجل وطن أكثر حريةً وعدالةً.

الحوار الذي من المفترض أن يفضي إلى عدالة انتقالية ومحاسبة المتسببين في قتل وجرح وتعذيب وتشويه العديد من أبناء هذا الشعب.

ها قد بدأ الحوار دون شروطٍ مسبقة، باستثناء عدم الإفراج عن المعتقلين السياسيين وعدم التوافق في أي حالة من الأحوال على الإقرار بمملكة دستورية يكون الشعب فيها مصدراً للسلطات، وتكون فيها الحكومة تمثل الإرادة الشعبية، وعدم المساس بتركيبة وصلاحيات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، واستحالة إعادة رسم الدوائر الانتخابية لتكون أكثر تمثيلاً لمكونات الشعب البحريني.

ها قد بدأ الحوار، والبعض أو لنقل الأكثرية ممن يجلسون على طاولة الحوار يرون في الطرف الآخر أعداءً لهم وليسوا أشقاء في وطن واحد.

ها قد بدأ الحوار ومازال الإعلام الرسمي وشبه الرسمي يصف القوى المعارضة بالخونة.

ها قد بدأ الحوار بعيداً عن تطلعات الناس وثقتهم. ها قد بدأ الحوار بأقل تمثيلٍ كان يتوقع على الإطلاق. ها قد بدأ الحوار بين من لا يملكون القرار.

فما الذي يعنيه غياب الوزراء أصحاب الحقائب السيادية عن المشاركة في حوار مفصلي والاستعاضة عنهم بوزراء الخدمات في حوارٍ من المفترض أن يرسم المستقبل السياسي للدولة في المرحلة المقبلة.

هل يملك وزير التربية والتعليم أو وزير الأشغال القرار في الموافقة على مطالب سياسية وحقوقية؟ وما الذي يعنيه اختيار شخصياتٍ ليس لها ثقلٌ سياسيٌ في هذه الفترة على الأقل لتمثيل السلطة التشريعية؟ ولماذا دفعت الجمعيات السياسية الموالية والمعارضة بالصف الثاني من قياداتها باستثناء عددٍ محدودٍ من الجمعيات؟ لماذا لم يشارك الشيخ عبداللطيف المحمود أو الشيخ علي سلمان أو عبد الجليل خليل أو خليل المرزوق في هذا الحوار؟ ولماذا اكتفت الوفاق بممثل واحد عنها فقط؟ لماذا لم تدعى الشخصيات الوطنية المستقلة والتي تمثل ثقلاً سياسياً وفكراً يمكن أن يضيف للحوار بعداً آخر؟ هل هو حكم بفشل الحوار قبل أن يبدأ؟ أم هي لعبةٌ سياسية؟ وأليس من حق الناس أن تعرف؟ ما أراه أن مثل هكذا حوار لن يقدّم للبحرين طريقاً للمستقبل المرتجى، وأنه يجب أن يكون هناك حوار أو تفاوض أو مبادرة أكثر جدية.

جميل المحاري
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3812 – الأربعاء 13 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

رسالة مواطن إلى من يمثله في الحوار – عيسى سيّار

على رغم ما قيل عن الحوار في نسخته الثانية من عدم اكتمال لبعض أركانه بخصوص ضبابية أجندته وآلياته وآلية اختيار المتحاورين ومدى تمثيلهم للشعب البحريني من عدمه، وعدم توازن التمثيل وكيفية تطبيق مخرجاته وسقفه الزمني وغيرها من أمور يمكن أن يطلق عليها بديهيات، فإنني أدعو الجميع إلى عدم تفويت حوار الفرصة الأخيرة كما أطلقت عليه، والاستمرار في الحوار لأن البديل الذهاب إلى ما لا تحمد عقباه.

وهنا رسالتي موجهة إلى الممثلين الحقيقيين للشعب البحريني مع تحفظي الشخصي على دعوة نواب وشوريين لأن لدينا قناعة تامة – وأكاد أجزم معظم الشعب البحريني – بأن نواب هذا المجلس لا يمثلون إلا أنفسهم، أما الشوريون فهم كاثوليكيون أكثر من البابا، وهم عبء مالي وإجرائي ليس على الحوار فحسب بل على الشعب البحريني!

ان مطالب وحقوق الشعب البحريني التي ناضل من أجلها منذ عشرينيات القرن الماضي حتى تاريخه، وقدّم من أجلها التضحيات والشهداء، يجب أن تكون حاضرةً في قلوب وعقول المتحاورين الذين من المفترض أنهم يمثلون الشعب البحريني، وبالتالي فإن هناك مطالب وحقوقاً يكاد يجمع عليها الشعب البحريني ويجب أن تكون في صلب اهتمام المتحاورين بل هي أساس الحوار.

أولا: يجب التأكيد أن الشعب البحريني هو «مصدر السلطات جميعاً» كما ورد في دستور 2002 من خلال التطبيق الصريح والأمين لهذه المادة، وذلك عن طريق منح الشعب البحريني حقه الأصيل في تشكيل وتحديد صلاحيات السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ وأن يكون الفصل والاستقلالية واضحة بين السلطات الثلاث، وألا يكون هناك تغوّلٌ من السلطة التنفيذية على باقي السلطات حتى نكون قولاً وفعلاً دولة القانون والمؤسسات، وغيرها من تعديلات دستورية جوهرية تحقق الاستدامة السياسية.

ثانياً: يجب أن يفضي الحوار إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين مكونات الشعب البحريني في التوظيف والتعيين والترقي وباقي الحقوق والتوزيع العادل للثروات، فلا يجوز ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين أن يستحوذ أقل من 20 في المئة من الناس على موارد البلد ويعيش أكثر من 80 في المئة من الشعب على 20 في المئة من موارده.

ثالثاً: يجب أن يفضي الحوار إلى تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية من خلال التطبيق الأمين وغير الانتقائي لتوصيات اللجنة المستقلة لتقصى الحقائق «بسيوني»، وتوصيات مؤتمرات جنيف لحقوق الإنسان، وأن تمنح مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية المستقلة وليس الحكومية مساحةً أكبر من الحركة للقيام بدورها الحقوقي، لكي تبرز الانتهاكات والتجاوزات التي ترتكب داخل المعتقلات أو تمارس ضد المواطنين البحرينيين.

إن عدم تحقيق العدالة الانتقالية قد يتسبب في استمرارية الاحتقان المجتمعي وبالتالي نفقد التعايش السلمي.

رابعاً: يجب أن يتوصل الحوار إلى آلية فعالة لمكافحة الفساد بجميع أشكاله ومن يقف وراءه. وانتشار هذه الآفة من شأنه أن يؤدي شيئاً فشيئاً إلى تقويض أركان المجتمع وبالتالي تهديد استقراره. فالمؤسسات الدستورية تصبح عدماً إذا لم تكن هناك تشريعات متشددة وآليات فعالة لملاحقة الفساد والفاسدين. وهنا يطلب الشعب البحريني من المتحاورين أن يضعوا نصب أعينهم إيجاد التشريعات والسياسات والآليات التي تحافظ على المال العام السائل والعيني من الهدر والسرقة، ويكفي أن نذكر الجميع بتقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية التسعة العتيدة والتي أصبحت ديكوراً على الأرفف!

أيها المتحاورون! ابتعدوا عن فخ المحاصصة الطائفية والتخندق المذهبي الذي نُصب لكم من قبل من لا يحبون الخير لهذا الوطن، وتحاوروا بقلب سليم وتحت ظلال من الوطنية الصرفة وتجرّدوا من الذات، وتذكّروا أن الشعب البحريني الشريف الذي خرج في الدوار والفاتح لن يقبل هذه المرة بأن تباع تضحياته ونضالاته عبر السنين على طاولة الحوار بأبخس الأثمان من أجل مصلحة شخصية أو حزبية. فمن يخون شعبه ويفرّط في حقوقه في هذا المنعطف التاريخي المفصلي سوف يكون خائناً للأمانة ولن يرحمه الشعب، وسوف يكون وصمةَ عارِ في جبين الوطن… تذكّروا فالذكرى تنفع المؤمنين فقط… فمن يرفع الشراع؟

عيسى سيار
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3811 – الثلثاء 12 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

حول موضوع التحالفات في الحزب الشيوعي اللبناني – د. مفيد قطيش


موضوع التحالفات بالفعل موضوع خلافي في هيئات الحزب .لكن المؤسف ان الذين يناقشونه لا يتجاوزون اصابع اليد. سيكون هذا الموضوع رئيسيا في نقاشات المؤتمر. ولا ابالغ ان بعض الذين يناقشونه من الهيئات يفتقرون الى تملك الخلفية الفكرية لطرحه بحيث يبدو موضوع التحالف وكأنه رغبة ذاتية في قبول أو عدم قبول التحالف وفي تحديد الحلفاء.يشهد على ذلك سقوط صفة الطبقي عند ذكر التحالف لأن المقصود بالتحالف لدى الشيوعيين ليس تلك الأطر التي تقام بين قوى يسارية تتشابه مشاريعها وبرامجها وانما المقصود بذلك تحالف بين قوى طبقية مختلفة وهذا مصدر أهمية اقامة التحالف.

هذا مقتطف من دراسة على وشك ان تصدر في مجلة الطريق عن مشروع مهدي عالم والتحالف جزء اساسي منه :

التحالفات الطبقية

أدرك مهدي جيداً طبيعة المرحلة-التحرر الوطني- ومهماتها المتشابكة فما كان صعباً عليه أن يستخلص ضرورة التحلفات الطبقية من أجل إنجاز هذه المهمات محتفياً بالنقد الذاتي الذي مارسه المؤتمر الثاني بحق الخط الإنعزالي اليميني واليساري الذي مارسه الحزب والمواقف التي اتخذها من القوى السياسية والإجتماعية . لا نبالغ بالقول أن مهدي منظر التحالفات . والاّ لما كان لديه مبرر لكتابة “في تمرحل التاريخ”.لأن الحديث عن مرحلة حديث عن مهماتها والمصالح والقوى الإجتماعية صاحبة المصلحة بتحقيقها . والتحالف كما قال مهدي إستناداً إلى لينين”مفهوم مادي ينطلق في ممارسة التحالفات الطبقية من تحديد علمي دقيق لطبيعة المرحلة التاريخية التي تمر بها البنية الإجتماعية، لأن طبيعة المرحلة هذه هي التي تحدد طبيعة تلك التحالفات . وينطلق أيضاً من واقع الأختلاف الطبقي بين القوى الأجتماعية المتحالفة وليس من واقع التماثل بينها ولا تماثل أصلاً بينها ، سواء في انتمائها الطبقي أم في مصالحها الطبقية.ولو كان هذا التماثل قائماً لأ نتفت ضرورة التحالف نفسه.وحين تتحدد المرحلة التاريخية بكونها مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية فإن التحالف الطبقي بين القوى الإجتماعية التي لها مصلحة طبقية في تحقيق هذه الثورة أو قل في تحقيق هذه المرحلة المحددة من السيرورة الثورية العامة، لا يمكن أن يقتصر على العمال والفلاحين وحدهم ، دون غيرهم، من الفئات والطبقات الإجتماعية الأخرى،لأن اقتصاره على هؤلاء يعني أن المرحلة التاريخية هي مرحلة الإنتقال المباشر إلى الإشتراكية وتحققها،وفي هذا يتناقض مع التحديد السابق لهذه المرحلة.

ويبحث مهدي أسباب إقتصار التحالف على العمال والفلاحين في شعارات الحزب السابقة ويقرر أن مثل هذا التناقض في الممارسة السياسية يدل على ان الغموض يكتنف ليس فقط مفهوم الثورة الوطنية فحسب بل مفهوم المراحل في السيرورة الثورية هذه ومفهوم التحالفات الطبقية واختلافها باختلاف هذه المراحل ومفهوم علاقة التناقض ونوعه بين عناصر التحالف الطبقي، ومفهوم الدور الطبقي للطبقة العاملة في هذه السيرورة الثورية المتميزة من حيث هي سيرورة ثورة التحرر الوطني وفي مراحلها المختلفة في اطار تلك التحالفات الطبقية.

ويؤكد مهدي أن”سياسة التحالفات هي في ممارسة الطبقة العاملة أساسية لصيرورتها طبقة مهيمنة نقيض ، وأن الشكل الذي تقوم فيه هذه التحالفات الطبقية يتحدد بالشكل الذي يتحرك فيه الصراع الطبقي في البنية الجتماعية ، ويختلف، في هذا التحدد نفسه،باختلاف المرحلة التاريخية التي تمر بها هذه البنية الاجتماعية.ولأن الصراع الطبقي في البنية الاجتماعية الكولونيالية يتحرك بالضرورة في شكل صراع وطني فان علاقة التحالف الضروري بين الطبقة العاملة وحلفائها الطبقيين تأخذ في معركة التحرر الوطني ،أي في معركة الصراع الطبقي ضد البرجوازية الكولونيالية شكل الجبهة الوطنية. فغياب شعار هذه الجبهة يدل اذن ،في الممارسة السياسية للحزب ،على غياب الفهم البروليتاري الصحيح لحركة التحرر الوطني.”

ويجتهد مهدي في تحديد الأسس التي يعتمدها الحزب في التحالف وأهمها:

– عدم محاولة فرض الهيمنة على الحلفاء، بعكس ما يحاولون هم القيام به..

– البحث عن كل ما يوحد ونبذ كل ما يفرق.

– عدم اعتبار ان الوصول لموقع الهيمنة الطبقية في التحالف يتم بقرار مبدئي وانما في حقل الصراع الطبقي واقناع الناس وبممارسة الطبقة والحزب وهذا يعني أن الطبقة العاملة وحزبها لا تكون في موقع الهيمنة لان موقعها الطبيعي كذلك.وان موقع الهيمنة هو نقطة وصول وليس نقطة انطلاق.

– على الحزب أن يعمل دوماَ للحفاظ على هذا التحالف الطبقي الضروري، وعلى تماسكه الداخلي، برغم الصعوبات وبرغم تردد الحلفاء وتذبذبهم، وبرغم رفضهم أحياناً التحالف مع حزب الطبقة العاملة وخوفهم منه. (هنا تكمن مرونته السياسية) ويعمل في الوقت ذاته للحفاظ على استقلالته (وهنا تكمن صلابتها الطبقية) لأن الإستقلال شرط لديمومة التحالف ولأن التحالف اطار لتحقق الاستقلال الطبقي.ولا استقلال خارج التحالف .

ويؤكد مهدي أن “علاقة الاختلاف الطبقي بين الطبقة العاملة وحلفائها الطبقيين في مرحل تاريخية محددة ( الثورة الوطنية الديمقراطية) هي الأساس المادي لعلاقة التحالف.من موقع هذا الاختلاف تمارس الطبقة العاملة صراعها الطبقي لفرض التحالف على حلفائها ضد البرجوازية المسيطرة. فالاختلاف هو الذي يسمح للطبقة العاملة ان ترى مصالح الآخرين واخذها بعين الاعتبار لإقامة التحالف.وينتقد مهدي ممارسة الحزب السابقة ( وهذا ينطبق عليها اليوم) لأن الحزب كان (واليوم) يطلب من حلفائه او المرشحين للتحالف معه ان يسيروا في تحالفهم مع الطبقة العاملة وفق مصالحها الخاصة لا وفق مصالحهم.

ان سياسة التحالفات الطبقية تنطلق بالضرورة من تحديد العدو الطبقي الرئيسي في المرحلة المحددة.وبتحديد العدو الرئيسي يتحدد الحلفاء الطبقيون.في تحديد الحلفاء نحدد بينهم الأساسي والثانوي لأن بينهم تفاوت يعقّد عملية الصراع الطبقي. ويميز مهدي بين فئات مختلفة من البرجوازية المسيطرة،حيث يتكلم عن الفئات العليا الرجعية والصغيرة والفئات المتوسطة وتلك التي ترتبط مصالحها الطبقية بتطور الانتاج المادي المحلي.فهناك الفئة المهيمنة – الطغمة المالية، يعني أن الطبقة المسيطرة ليست كتلة متجانسة بل فيها فئات مختلفة تخضع للفئة المهيمنة التي تحاول جعل مصالحها اساس السيطرة كما توجد بين هذه الفئات تناقضات ثانوية ينبغي استغلالها والحؤول دون تماسكها ومن الضروري عزل الفئة المهيمنة واقامة علاقات مع الفئات الاخرى.ويرفض مهدي بالكامل مفهوم البرجوازية الوطنية التي يتم اليوم استخدامها لتخويف الناس من التحالفات الطبقية. انها غير موجودة من حيث الأساس.

” هذا هو الأساس المادي الذي يستند اليه الحزب الشيوعي اللبناني في ممارسة سياسة تحالفاته الطبقية بعد مؤتمره الثاني. فهو عكس حلفائه الطبقيين، لا يحاول فرض هيمنته عليهم، ولا يجعل من هذه الهيمنة شرطاً لتحالفهم معه. انه من موقع استقلال خطه السياسي البروليتاري ينطلق في البحث عن كل ما يوحّد، وفي نبذ كل ما يفرّق، لأن موقع الهيمنة الطبقية في اطار التحالف الطبقي لا يتحدد بقرار مبدئي( مثلا بسبب انه الحزب الطليعي)، أو بإرادة ذاتية بمعزل عن علاقة القوى الطبقية المتحالفة في حقل الصراع الطبقي، بل هو يتحدد في هذا الحقل، بهذه العلاقة الممارسية نفسها. والعلاقة هذه ليست ثابتة بل تاريخية متحركة..”فحيث ينجح في كسب الثقة سوف يزداد دوره وحيث يفشل في كسبها يتراجع دوره.

هنا تظهر بالفعل ضرورة الحزب بالنسبة إلى الطبقة العاملة لأن الحزب هو الذي يقودها في ممارسات صراعاتها الطبقي لضرورة احتلالها موقع الهيمنة في تحالفاتها الطبقية. ولان موقع الهيمنة في هذه التحالفات هو نقطة وصول لا نقطة بداية من الصراع الطبقي، ولان منطق هذا الصراع هو في البنية الاجتماعية الكولونيالية منطق الضرورة في وصول الطبقة العاملة الى موقع الهيمنة الطبقية في تحالفها الطبقي… فان الحزب يعمل دوماً على الحفاظ على هذا التحالف الطبقي الضروري وعلى تماسكه الداخلي برغم الصعوبات وبرغم تردد الحلفاء وتذبذبهم وبرغم رفضهم احياناً التحالف مع حزب الطبقة العاملة وخوفهم منه.

التحالفات في عصر جديد

بعد ربع قرن على غياب مهدي عامل تتجدد المشاكل ذاتها تقريبا وتنطرح الأسئلة ذاتها وبينها السؤال الرئيسي: كيف نغيّر بنية اجتماعية تسيطر فيها البرجوازية الكولونيالية في تحالف واضح مع البرجوازية الامبريالية على مقدرات البلد وتعيق تطوره بنظام سياسي طائفي يسيطر على كافة الفئات الاجتماعية في مناخ من ضعف التفارق الطبقي( اي اختلاط الطبقات الكادحة ببعضها وحتى مع فئات برجوازية صغيرة وفئات وسطى) فيختلط الحابل بالنابل في ظل سيطرة مطبقة ايديولوجية اقتصادية سياسية للبرجوازية الكولونيالية؟

نعيش اليوم تناقضا بين الممارسة السياسية للحزب الشيوعي (لأحزاب الطبقة العاملة)وبين مهام المرحلة الراهنة مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية التي ترجمها المؤتمر الثالث بشعار الحكم الوطني الديمقراطي وكرسها المؤتمر العاشر بنفس الشعار.(ويبدو ان بعض من وافق على هذا الشعار لا يفهم مضمونه او انه كان مروبصا).ليس لدينا تحالفات وليس لدينا جبهة لا بل ان النقاش يدور حول التحالفات بدون خلفية نظرية .نحن بممارساتنا نعزل الطبقة العاملة ونساهم في شرذمتها.ولا حاجة هنا لكبير عناء في تفسير هذا الواقع لأن تفسيره موجود عند مهدي عامل:انه الغموض وسوء الفهم لطبيعة المرحلة ولبنية علاقات الأنتاج وخاصة للعلاقة الكولونيالية وللتناقض الرئيسي وللمهمات المطروحة في هذه المرحلة وبشكل عام لمبدأ تمرحل الصراع وتمرحل التحالفات، وهو ما نسمع احيانا بصدده كلاما من نوع اننا لا نتحالف الاّ مع من يشبهنا أو استحالة التحالف بالأستناد الى قضية واحدة مثل مقاومة أسرائيل او مواجهة المخططات الأمبريالية ولأن التحرير لا يكتمل الاّ بالتغيير الديموقراطي الجذري ( لا نتحالف الا مع من يوافق على التغيير الجذري!! وهل هناك حاجة لتحالف مع من يوافق على التغيير الجذري؟ اليس حريا بنا ان نندمج معه؟).اننا بهذا المعنى نشهد تغييبا لكل تراث المؤتمرات الحزبية التي حولت الحزب الشيوعي الى قوة يسارية حقيقية في المنطقة العربية وأخص بالذكر المؤتمر الثاني والثالث والرابع وتغييبا لتراث مهدي عامل الذي لم يتحول الى مادة تثقيفية للشيوعيين بدليل قلة عدد المطلعين على هذا التراث.

في هذا السياق وبالأستناد الى نظرية مهدي للتحالفات أكرر وصيته في هذا المجال التي يمكن ان تأخذ الشكل التالي:

على الحزب الشيوعي أن يستند في صياغة تحالفاته الطبقية إلى تحديد علمي دقيق لطبيعة المرحلة التاريخية التي يمرّ بها لبنان , والبلدان العربية، لأنّ طبيعة هذه المرحلة تحدّد المهمات الوطنية ذات الأولوية، وتحدّد طبيعة الصراع الطبقي وأشكاله، وتحدّد التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، ولذا فإنّها تحدّد التحالفات- أشكالها، وطبيعتها.

ولأنّ المرحلة التاريخية الراهنة هي مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية التي تستهدف إنجاز مهمات قومية، اقتصادية، اجتماعية وسياسية تضمن تحرير لبنان والبلدان العربية من عوائق تطوّرها- التبعية البنيوية للإمبريالية، السيطرة الإمبريالية المطلقة على بلدنا وسيطرة البرجوازية التابعة في مختلف أوجهها- الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية. فإنّ الصراع الطبقي في لبنان، كما وكل البلدان العربية، يتخذ شكل الصراع الوطني، ضدّ البرجوازية الإمبريالية وضدّ البرجوازية اللبنانية التبعية من أجل تحقيق مهمات تحررية مترابطة، قومية اقتصادية، اجتماعية وسياسية.

من هنا يرتسم التناقض الرئيسي- التناقض المسيطر والمحرّك للصراع الطبقي كصراع وطني، وهو تناقض بصدد السلطة السياسية، بين الطبقتين الرئيستين- البرجوازية التابعة والطبقة العاملة، والذي تتسع دائرة أطرافه أو تضيق لتتشكل على شكل قطبين- قطب متمحور حول البرجوازية التابعة وحلفائها محليا وإقليميا وعالميا، وقطب يضمّ كافة المعترضين والمقاومين من طبقات وفئات اجتماعية مختلفة من البروليتاريا والفلاحين والبرجوازية الصغيرة والفئات المتوسطة وغيرها. إنّ هذا القطب يفتقر راهنا إلى القوة المحورية الحقيقية بسبب ضعف الطبقة العاملة وتشتتها وسعي ونجاح فئات برجوازية صغيرة ومتوسطة لاحتلال موقع المحور.

ومن هنا أيضا يتحدد العدو الرئيسي المتمثّل بالطغمة المالية اللبنانية وحلفائها المحليين والإقليميين والبرجوازية الإمبريالية، وتتحدّد عناصر الطرف النقيض وخاصة الطبقة العاملة ممثلة بحزبها الشيوعي والقوى اليسارية وفئات البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى.

انطلاقًا من هذه الحيثيات- طبيعة المرحلة وطبيعة وشكل الصراع الطبقي والتناقض الرئيسي المسيطر يرى الحزب الشيوعي أنّ مهمات المرحلة تتجاوز مصالح الطبقة العاملة والفلاحين إلى فئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية المرتبطة بالإنتاج الوطني لأنّها فئات متضرّرة ومهدّدة من السيطرة الإمبريالية المباشرة وغير المباشرة، ومتضرّرة من سياسات الطغمة المالية التي تشارف حدود التفريط بكلّ ما هو وطني. ولذلك فإنّ التحالف الطبقي الذي ينبغي أن يسعى الحزب الشيوعي لإقامته يتّسع لكافة القوى صاحبة المصلحة في تحقيق هذه المهمات، وإنّ الشكل المناسب في هذه المرحلة هو الجبهة الوطنية. ولذا فإنّه سيبذل جهده لإقناع وجذب هذه القوى إلى هذا الشكل من التفاعل والنضال. وهو يدرك أيضًا، أنّ سير هذه الجبهة لتحقيق هذه المهمات بشكل جيّد يحتاج إلى نواة يسارية صلبة تضمن بقاء الجبهة في الوجهة الضرورية، وأنّ هذه النواة اليسارية لن تقوم بمهمّتها ولن تتشكل أساسا من دون حزب شيوعي قوي ومعافى. لذا فإنّ عملا مكثّفا ومتوازيا لتحسين وضع الحزب ولإنشاء حالة يسارية ولتكوين جبهة وطنية ينبغي أن يتمّ، بحيث تشكّل كلّ حلقة إن نجحت دعما لإنجاح الحلقات الأخرى. لذا فان الجبهة هي المنارة التي على الحزب أن يدعو للسير باتجاهها مهما كانت بعيدة ومهما كانت الطريق باتجاهها وعرة.

لكن العمل من أجل هذا الشكل الرئيسي للعمل التعاوني مع حلفاء محتملين لا يلغي اشكالا أبسط من العمل المشترك حول قضايا معينة قصيرة الأجل ولا يلغي العلاقات العامة حتى وان لم يكن لها موضوع محدد للقيام بها. غير أن الخطر يكمن في اسبدال الأشكال الفعالة للعمل المشترك بالعلاقات العامة .

وينبغي ان يستند الحزب في رسم سياسة تحالفاته وتنفيذها إلى جملة من المبادئ والقواعد، وخاصة انطلاقه في كلّ ذلك من موقعه الطبقي ومن فهمه لواقع الاختلاف الطبقي مع القوى المرشحة للتحالف والتفاوت في المصالح معها، ومن رفضه قبول هيمنة أي طرف وعدم سعيه للهيمنة على أحد، ومن سعيه أيضا للحفاظ على كلّ ما يوحد ونبذ كل ما يفرّق بين أطراف التحالف مؤكدًا على استقلاليته في إطار التحالف،بتأكيده على تمثيل مصالح الفئات الكادحة والمستغلة والأصرار على تحقيق مصالحها.

وفي هذا السياق يرى الحزب أن التناقض الرئيسي لا يختصر كلّ التناقضات في البنية الاجتماعية، ويعي وجود تناقضات ثانوية،تتحدد بالنسبة الى هذا التناقض بالذات، بين أطراف كلّ قطب من قطبي التناقض الرئيسي.ومع ذلك يبقى هذا التناقض البوصلة التي يسترشد بها الشيوعيون في نضالهم وصياغة تحالفاتهم. وهو في ذلك سيسعى لمعالجة التناقضات الثانوية مع الحلفاء المحتملين على نحو لا يهدّد التحالف ولا تكون على حساب المصالح المشتركة. كما أنّه سيعمل على الاستفادة من التناقضات الثانية في الطرف الآخر من التناقض الرئيسي لإضعاف جبهة العدو الطبقي.

من هذا المنطلق يحدّد الحزب علاقته بالقوى السياسية المستظلة بالإسلام كإيديولوجيًا، والمعبّرة عن مواقع طبقية مختلفة، بما في ذلك مع حزب الله كونه حزب مارس ويمارس صراعًا ضدّ إسرائيل والمخططات الإمبريالية في لبنان والمنطقة في حدود فهمه الخاص والمحدود طبقيا لخطر هذه المخططات وفي حدود المصالح والمواقع التي يمثلها ويعبّر عنها. وينطلق الحزب الشيوعي في ذلك من الممارسة العملية لهذه القوى وليس من خلفيتها الإيديولوجية ولا من صفحات مؤلمة شهدتها علاقاتنا السابقة وإنما من مصلحة العملية التحريرية.ويميّز الحزب بين ممارسات هذه القوى من خارج السلطة وممارساتها من داخل السلطة. ويميز بين مشاركتها في عملية سيطرة مؤقتة على السلطة السياسية تولد لديها أوهاما بانها تؤثر في القرارات السياسية والأقتصادية-الأجتماعية وبين الهيمنة الطبقية المعقودة في كل الأحوال للطغمة المالية.

إنّ الحزب يؤكد على تعاونه مع كلّ القوى التي تتبنّى مقاومة الإمبريالية والاعتداءات الصهيونية وحماية لبنان، بمعزل عن قناعاتها الإيديولوجية، ما عدا تلك الساعية لإرجاع مجتمعنا إلى القرون الوسطى.(تماما كما جاء في بيان اطلاق جبهة المقاومة) كما يؤكّد الحزب على تعاونه مع القوى السياسية المقتنعة بضرورة تجاوز الطائفية كشكل تاريخي للنظام السياسي في لبنان لأنّه لا نجاح في مواجهة الإمبريالية دون تحقيق إصلاحات وتغيير داخلي يبعد الطغمة المالية عن السيطرة السياسية.

ومع أنّ الحزب يؤكد وينطلق في نضاله من ترابط وجهي المسألة الوطنية- القومي والاجتماعي- فإنّه لا يطرح هذا الترابط شرطًا للتحالف، بل يعتبره نقطة ينبغي أن يصلها التحالف عبر النضال المشترك، وهي قد تتحقّق أو لا تتحقّق ارتباطا بقدرة الحزب ونفوذ الطبقة العاملة ومسار الصراع الطبقي. لكنّ دحر السيطرة الإمبريالية مرحلة ضرورية في المسيرة الثورية الوطنية تستحق بذل الجهود وتجميع القوى الضرورية لإنجازها واقامة الأطر الضرورية لذلك.

اقرأ المزيد

بهدوء | فرصة اليسار العربي: «إذا هبّت رياحك…» – ناهض حتر



تونس المدنية زحفت، كلها، في وداع بلعيد، صوب اليسار. الفاجعة الوطنية، كانت لحظة انفجر فيها الخوف من مستقبل أسود إرهابي تحت حكم الإخونجية والسلفية، وروح التمرد والتطلع إلى الخلاص. هذه لحظة تاريخية، لكن متحركة؛ ذلك أن زخمها، على أصالته، محدود في الزمان ومشروط بإجابة اليسار. جاء أحرار تونس، يستطلعون ما لدى اليساريين: ألديكم تجريدة؟


لكن الإجابة حتى اليوم جاءت رخوة ملتبسة؛ «الشعب يريد إسقاط النظام»، بينما الأحزاب تقع في فخ «حكومة الكفاءات». ضغوط الليبرالية و«شرعية الصندوق» لا تزال ماثلة؛ لا أحد يُمسك باللحظة الثورية المنبجسة من دماء بلعيد الحارة.


لم تتردد جماهير انتفاضة 8 جانفي في تسمية القاتل: «غنّوشي يا سفّاح»، ولم تتردد في تحديد الهدف. كذلك في ميادين مصر: انتفاضة جديدة ضد الأنظمة الكولونيالية الملتحية. الفرصة مواتية لثورة وطنية شعبية مدنية يقودها اليسار في بلَدَي «الربيع العربي». ولكنّ اليساريين والقوميين الديموقراطيين، الذين طالما اشتكوا من العزلة وانفضاض الجماهير، شلّهم الارتباك حين أقبل عليهم الناس أفواجاً.


اسمحوا لي أن أعود إلى فلاديمير لينين. لا تكون الجماهير والمجتمعات جاهزة للثورة دائماً، ولكنها تعانق أشواق التاريخ في لحظة تتكون تحت مؤثرات متشابكة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وعاطفية، توقد الشرارة؛ «أمس لم يكن الوقت قد حان، وسيكون غداً قد فات: الآن». الآن، الأنظمة الكولونيالية القديمة، في العالم العربي كله، داخل «الربيع» وخارجه، ماتت تاريخياً، ولا يمكن تجديدها، لا بتحسينها ولا بالدكتاتوريات العسكرية. ولذلك، كان الإسلام السياسي هو البديل الجاهز الممكن القادر على تحشيد قسم من الجماهير بالمخدّر الديني، الطائفي المذهبي الرجعي؛ فبشأن الإسلام السياسي، هناك ثلاث حقائق لا تنفع _ أو لم تعد تنفع _ معها الأقنعة والأضاليل: أولاً، الإسلام السياسي هو الإيديولوجية الممكنة لتجديد اقتصاد السوق النيوليبرالي في مرحلة الانهيار المجتمعي المدني نحو الإفقار والتهميش، المعمّمين. فتدهور مستوى المعيشة إلى حدود شبه المجاعة وانسداد آفاق الحياة، يفجران الغرائز الدينية الفاشية، ويسمحان لمنظماتها بإدارة الفقر الشامل بالانحطاط المدني والاستبداد والتجييش الميليشياوي. ثانياً، كما لا يوجد لدى الإسلام السياسي مشروع تنموي، فإنه يفتقر، كذلك، إلى أي مشروع وطني. بالأساس، نحن صرنا إلى زمن تاريخي لم يعد ممكناً فيه الفصل بين التحرر الوطني والديموقراطية الاجتماعية والتنمية. ثالثاً، إن الخلافات بين الإخوان والسلفية والسلفية الإرهابية، تكتيكية وسطحية وبرّانية. في العمق، لا يوجد انفصال جدي بين تيارات الإسلام السياسي، بل خيوط اتصال وتشبيك في الإيديولوجيا والممارسة.


لم تمر أشهر على نشوء سلطة الإخوان والسلفيين في تونس ومصر، حتى اكتشفت القوى الاجتماعية الحية الخداع؛ لا يوجد لدى الإسلاميين «مشروع نهضة»، بل مشروع لتأبيد السقوط المرير الذي ثارت الجماهير ضده. هكذا، تحولت لحظة إمرار الدستور الإخواني في مصر إلى انتفاضة مستمرة، وتحول استشهاد بلعيد في تونس، خلال ساعات، إلى إعلان الاستعداد لثورة ثانية. وفي الحالتين هبّت رياح اليسار. أعني اليسار بالمعنى الواسع الذي يشمل الفئات المتوسطة والمدنية التي لا يهدد الإسلاميون النيوليبراليون مصالحها الاقتصادية الاجتماعية المباشرة، ولكنهم يهددون نمط حياتها وتطلعها إلى الحريات السياسية والثقافية والفردية؛ هذه الفئات، بتعبيراتها المتعددة، الشبابية والإبداعية الفنية والأدبية والإعلامية والمهنية، وصولاً إلى الأسر البورجوازية التقليدية المتمدنة والأحزاب الليبرالية، تمثّل حليفاً رئيسياً في جبهة الثورة الثانية الحالية، لكنها ليست مؤهلة، ولا يمكنها أن تكون مؤهلة لقيادة إنقاذ المجتمعات العربية من مآل الصوملة؛ فهي لا تملك بذاتها بديلاً وطنياً تنموياً، وليس عندها القدرة لمجابهة المنظمات الفاشية. ويطرح ذلك على قلب اليسار الشعبي في تونس والحلف الناصري اليساري في مصر، مهمة القيادة التاريخية للإنقاذ الثوري غير الممكن من غير القطع مع الإسلام السياسي والتصدي لهزيمته. هل هذه مهمة واقعية؟ بالتأكيد، لكن، أولاً، بالتحرر من خزعبلات الليبرالية وشرعياتها الصندوقية، والإدماج الفوري، كبرنامج عمل مباشر، بين المهمات الديموقراطية والتنموية والوطنية؛ يمكن اليسار أن يهزم الفاشية الدينية، فقط بأن يكون يسارياً، أي بالذهاب، فوراً، إلى طرح مهمات موقوتة وعيانية في مواجهة الإفقار والتهميش والاستعمار الأميركي والإسرائيلي و…القَطري.

 

اقرأ المزيد

المحلي المُعَوْلم


ثمة فيلم سينمائي، ليس جديداً هو فيلم “باريس، تكساس” للمخرج فيم فندرز . المخرج ألماني، والتمويل أمريكي، والتوزيع أيضاً تتولاه شركة أمريكية، لكن الفيلم يقدم رؤية أوروبية عن موضوع أمريكي .

ثمة ازدواجية أو ربما تناقض في الأمر يكمنان في صناعة الفيلم: استثماره وأرباحه من ناحية، وفكرته من ناحية أخرى . فيلم بإنتاج أمريكي وتسويق أمريكي، ولكنه يطرح فكرة تتصل بإبراز الهوية الثقافية المستقلة إزاء الهيمنة الثقافية الأمريكية: أمريكا تُسوق أوروبا داخل أوروبا .

هذا مثل ساقه أحد المشاركين في ورشة “الثقافة والعولمة والنظام العالمي” الصادرة في كتاب، ليبرز الآلية المعقدة للعلاقة بين ما هو وطني أو محلي، وما هو عالمي أو معولم، أو بتعبير بعض الدارسين: المحلية المعولمة . ثمة أمثلة أخرى في هذا السياق: في مسابقة الأوسكار في سنة ليست بعيدة، منحت جائزة لهيئة السينما القومية الكندية في ذات الوقت الذي كانت فيه اتفاقات التجارة الأمريكية  الكندية تهدّد عملياً بالقضاء على ما تبقى من خصوصية للثقافة الكندية .

في أواخر العام 1989 عرضت الحكومة الفرنسية موقفها من المعضلة ذاتها، حين لاحظت أن ثلثي دخل تذاكر السينما في فرنسا يذهب للأفلام الأمريكية، ورغم أنه كانت توجد، دائماً، قيود حكومية بل وحصص لاستيراد الأفلام الأجنبية بهدف رئيس وربما يكون وحيداً: الحد من نفوذ الأفلام الأمريكية داخل فرنسا، فإن تلك القيود كانت موجهة فقط إلى عدد الأفلام المعروضة، لذا كانت قاصرة عن معالجة الإقبال الكبير على الأفلام الأمريكية من خلال الأشرطة وأسطوانات العرض الممغنطة، ما جعل المسؤولين الفرنسيين عن الثقافة وكذلك الساسة يفكرون في إيجاد وسائل أشد فاعلية لتحقيق ما يصفونه ب “إنقاذ السينما الفرنسية” .

وإذا كان الحديث هنا يدور عن بلد راسخ الثقافة والتقاليد الفنية مثل فرنسا، فكيف سيكون فيه الحال في ثقافات بلدان أخرى فقيرة وتعاني التهميش؟

ثمة مثال أخير: موسيقي ياباني شهير كتب مرة مقالاً في صحيفة أمريكية بارزة فحواه أنه داخل أمريكا لا أحد يشتري منتجات الثقافة الأجنبية، غير الأمريكية، فيما يشتري اليابانيون طوال الوقت الموسيقا الأمريكية .

لا تتضمن هذه الآراء بالضرورة موقفاً سلبياً من المنتوج الثقافي الأمريكي، وإنما تنبه إلى الخلل الكبير في عملية التبادل الثقافي على النطاق الكوني لمصلحة ثقافة واحدة، وهذا الأمر يطمس التنوع في الإبداعات الإنسانية في مجالات الأدب والفن والموسيقا والسينما .

اقرأ المزيد

في الذكرى الـ58 لتأسيسها “جتوب” مسيرة حافلة بالكفاح والنضال الوطني.. من أجل وطن حر وشعب سعيد







بداية المسيرة النضالية :







في الخامس عشر من شباط “فبراير” الجاري، يحتفل الشيوعيون والتقدميون في البحرين بالذكرى الثامنة والخمسين لتأسيس حزب الطبقة العاملة وسائر الكادحين والمثقفين “جبهة التحرير الوطني البحرانية”، ونحاول، بهذه المناسبة، أن نقدم هذا العرض الموجز لأهم المحطات النضالية في نضال الجبهة وتاريخها، الذي اقترن على الدوام بالنضال الشعبي من أجل الاستقلال والديمقراطية والتقدم الاجتماعي وحقوق المرأة والحريات السياسية والمدنية. 


 ولإدراكنا انه من الصعب الإحاطة بهذا التاريخ وتفاصيله في عجالة كهذه، فرأينا  تسليط بعض الضوء على المحطات الفاصلة في تاريخ الجبهة التي انبثقت في خضم المعارك الوطنية والكفاحية ضد الاستعمار البريطاني والرجعية من أجل الحقوق المشروعة لشعب البحرين وفي المقدمة منها طرد الاستعمار البريطاني ونيل الاستقلال الوطني والحرية، وتشكيل مجلس تشريعي منتخب، ونقابات عمالية، وإصلاح القضاء، في تلك الحقبة التاريخية الأهم في حياة الشعب والحركة الوطنية عندما كانت تقود نضال الجماهير الثائرة هيئة الاتحاد الوطني (54 – 1956)، قبل ان تضرب من قبل المحتلين البريطانيين وأعوانهم من الرجعية الحاكمة، وينفى ويسجن ويطارد ويشرد قادة وكوادر وأعضاء الهيئة، في تلك المرحلة الهامة في حياة شعبنا تجمع نفر قليل من الرواد الأوائل من العمال والمثقفين الشباب المؤمنين بالأفكار الماركسية، أفكار الطبقة العاملة، أفكار الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية، ليعلنوا في البحرين ودول الخليج العربي عن قيام أول حزب شيوعي يسترشد بالأفكار الماركسية اللينينية، و بالنظرية العلمية، بأفكار ومبادئ الطبقة العاملة والكادحين، أفكار التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي، وعدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، أفكار العدالة الاجتماعية والمساواة، بعد اعتقال ونفي قادة هيئة الاتحاد الوطني في البحرين (54 – 1956) صحى الناس في اليوم التالي لضرب الهيئة، وإذا بالجدران في عاصمة البحرين المنامة كتب عليها الشعارات المطالبة بإطلاق سراح قادة الهيئة وإعادة المنفيين من منفاهم في سانت هيلانة إحدى الجزر المحتلة من قبل المستعمر البريطاني في المحيط الهندي، (عبدالرحمن الباكر، وعبدالعزيز الشملان وعبدعلي العليوات). 




 ثانياً: محطات نضالية متعددة،الانتفاضات ،الاعتقالات والمنافي:-





اجتماع عام 1958 ( الكونفرس الأول ) في البحرين.



شكل هذا الاجتماع أو (الكونفرس )مثلما يطلق عليه من قبل المناضل الكبير الرفيق علي دويغر ، نقلة نوعية في حياة الحزب من حيث القرارات والتوصيات الصادرة عنه ،أهمها الاتفاق على أصدار البرنامج السياسي للحزب ( برنامج الحرية والاستقلال الوطني والديمقراطية والسلم والتقدم الاجتماعي ). وهو أول وثيقة سياسية تصدر في البحرين عن حزب سياسي ،في الاجتماع تم انتخاب سكرتيرين للحزب ،الرفيق المناضل علي دويغر لقيادة الحزب في الداخل والرفيق المناضل الراحل أحمد الذوادي لقيادة الحزب في الخارج. 


في تاريخ جبهة التحرير الوطني البحرانية، تعرضت الجبهة لأول حملة اعتقالات ومصادرة للمنشورات والبيانات في عام 1957، وتم اعتقال بعض الرفاق في عام 1959كما استشهد الرفيق حسن نظام في ايران من قبل جهازالمخابرات الايراني ( السافاك ) وهو أحد مؤسسين الجبهة  ولكن حملة اعتقالات عام 1960، كانت من الحملات الموجعة والجبهة لم يمضِ على تأسيسها خمسة أعوام، حيث تم اعتقال مجموعة من الرفاق ونفي بعضهم للخارج، وصدر حكم قاسي على الرفيق القائد العمالي وأحد مؤسسي “جتوب” المناضل علي مدان، بالسجن لمدة خمس سنوات وشقيقه المناضل حسن مدان ثلاثة سنوات وبعد انتهاء المدة تم نفيهما للخارج. 


-        ضربة عام 1961، تم اعتقال ونفي كل من المناضلين، الرفاق أحمد الذوادي ويوسف العجاجي، وجعفر الصياد، ومحمد كشتي، ود. يعقوب الجناحي، وكانت هناك حملات اعتقالات في أعوام 63 و1964 اقل تأثيرااً من الحملات السابقة الذكر. 






انتفاضة مارس 1965 المجيدة



-        إثناء انتفاضة مارس 1965 العمالية المجيدة،، شاركت وقادت “جتوب” جنباً إلى جنب مع القوى الوطنية والقومية العديد من المسيرات والتظاهرات في المحرق والمنامة والسنابس، هذه الانتفاضة التي سالت فيها الدماء الزكية لأبناء شعبنا في المحرق والمنامة وبعض القرى واستمرت لأكثر من شهرين، وكان أول المعتقلين في هذه الانتفاضة المناضل والقائد الرفيق علي دويغر  واحد مؤسسي جتوب الذي اعتقل في 12 مارس 1965، واستمر اعتقاله لأكثر من عامين، اول من اعتقل كما كان آخر من تم إطلاق سراحهم من معتقلي انتفاضة مارس 1965 في بداية عام 1968. 


-        اعتقالات عام 1966 بعد العملية البطولية التي قامت بها جبهة التحرير الوطني البحرانية، بتفجير سيارتي رئيس جهاز الاستخبارات بوب البريطاني ومساعده أحمد محسن الأردني الجنسية. 


-        جاءت حملة الاعتقالات الواسعة في عام 1968، والتي على أثرها تم اعتقال العديد من قادة وكوادر جتوب ومن بينهم المناضل البارز والفنان المعروف الرفيق مجيد مرهون والذي حكم عليه بالسجن المؤبد وقضى حكمه، ولم يطلق سراحه حتى بعد نيل البحرين استقلالها الوطني في 14 أغسطس من عام 1971، وكان من الواضح بأن المرتزق المعروف آيان هندرسون البريطاني الجنسية رئيس جهاز الأمن السابق في البحرين، ينتقم لمقتل صديقه الضابط البريطاني بوب من مناضلي جتوب، حيث رفع نخب القضاء على جتوب في عام 1968، في احتفالاته الخاصة، ولكن عمال وشبيبة وطلبة جبهة التحرير الوطني البحرانية، خيبوا ظنه، عندما خرجوا في مسيرات طلابية وعمالية رافعين يافطات كتب عليها نطالب بإطلاق سراح معتقلي جتوب، رجع هندرسون لأصحابه قائلاً: جئت متأخراً لقد إنتشرت أفكار جتوب وأعضاؤها موجودون في كل البحرين. 


-        اعتقالات أعوام 69-70، وتم نفي بعض رفاقنا من ضمنهم المناضل الراحل الرفيق عبدعلي الخباز المعروف بـ(عبدعلي المقهوي)، وآخرون. 



في عام 1970 زيارة المبعوث الدولي الإيطالي شاردي – البحرين



 في 30 مارس من عام 1970، وصلت البحرين لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، برئاسة الايطالي السيد رونسبيرجيو شاردي، ليتعرف على رأي الشعب البحريني بعد مطالبة شاه إيران ضم البحرين لإيران بعد انسحاب المستعمر البريطاني من البحرين، فبعد لقاء المبعوث الدولي مع ممثلي الأندية والمآتم، قال كلمته وهي بأن البحرين دولة عربية مستقلة وأن شعبها يرفض المطالب الإيرانية، ولكن الأهم في الموضوع الرسالة التي سلمتها قيادة جبهة التحرير الوطني البحرانية، لمبعوث الأمم المتحدة في محل إقامته في فندق الخليج، حيث رفضت جبهة التحرير الفكرة التي طرحها الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك السيد ريوثانت من خلال المبعوث الشخصي له، ولخصت جتوب مواقفها في النقاط التالية:- 


1.   رفض الاستعمار البريطاني والحكم الرجعي وإدانة الادعاء الإيراني. 


2.   إلغاء المعاهدات الاسترقاقية. 


3.   المطالبة بحق تقرير المصير بحيث يكفل الاستقلال الحقيقي. 


4.   إبعاد القواعد العسكرية وأجهزة الدمار والحرب. 


5.   إطلاق الحريات العامة والديمقراطية. 


6.   إزالة حالة الطوارئ لكي يتمكن الشعب من ممارسة جميع حقوقه السياسية في جو ديمقراطي لا يستند إلى اللون أو العنصر أو الطائفة. 


7.   إطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين. 


8.   السماح للمنفيين بالرجوع إلى أرض الوطن. 


كانت جتوب واضحة في طرح مواقفها الوطنية في مرحلة النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني والرجعية الحاكمة، والادعاءات الإيرانية بضم البحرين لإيران. 



جزء من نضالات جتوب في سبعينيات القرن الماضي:






-       في بدايات الاحتجاجات والمسيرات والإضرابات العمالية في أعوام (70 – 1971) كان لمناضلي جتوب من العمال والنقابيين، دور كبير وبارز فيها، حيث برز العديد من العمال النقابيين في قيادة المسيرات والإضرابات العمالية. 


-        وفي مارس من عام 1972، الانتفاضة العمالية التي نظمت وقادت الإعتصامات والإضرابات والمسيرات العمالية، المطالبة بتشكيل النقابات العمالية، بعد قمع الانتفاضة تم اعتقال العديد من القادة والكوادر النقابيين ويعض من قادة وأعضاء جتوب، لكن الانتفاضة سرعت من الدعوة لانتخاب المجلس التأسيسي في (في بداية عام 1973) (نصف أعضائه كان بالتعيين والنصف الآخر بالانتخاب الحر المباشر)، وقد قاطعت الانتخابات جبهة التحرير والجبهة الشعبية . 



دستور عام 1973 ، المجلس الوطني المنتخب ، كتلة الشعب


 -        بعد صدور دستور البحرين في يونيو من عام 1973، تمت الدعوة لانتخابات المجلس الوطني في السابع من ديسمبر 1973، التي شاركت جتوب فيها، حيث شكلت مع حلفائها من المناضلين الوطنيين (كتلة الشعب) حيث فاز ثمانية من أصل اثنى عشر رشحوا أنفسهم عن الكتلة، كان ذلك أهم حدث بعد مرحلة الاستقلال الوطني بأن يفوز الشيوعيون والتقدميون في إحدى دول الخليج العربي في أول مجلس نيابي منتخب في البحرين والثاني بعد الكويت، مما اعتبر حدث كبيراً وهامأ في الحياة السياسية في المنطقة، وهذا يدل على النفوذ الكبير الذي كان يتمتع به اليسار في البحرين بين الناس لأنه يدافع عن قضاياهم ومطالبهم من داخل قبة البرلمان وخارجه ويربط النضال الجماهيري والمطلبي في الشارع بالنضال من داخل المجلس الوطني، مما شكل ضغطاً على السلطات الحاكمة في البلاد، للانصياع لمطالب الجماهير المرفوعة خارج البرلمان أو تلك المرفوعة من داخل البرلمان من قبل أعضاء كتلة الشعب، وكانت تقارير السفارة البريطانية المرسلة عن طريق السفير البريطاني المعتمد في البحرين للخارجية البريطانية، والتي تم نشر العديد منها في الأرشيف البريطاني تتحدث عن مواقف أعضاء كتلة الشعب وكيفية التصدي لمشاريع السلطة، وتلك شهادة تؤكد على الدور الكبير الذي قام به أعضاء كتلة الشعب في المجلس الوطني، عندما تصاعد الخلاف بين كتلة الشعب وممثلي السلطة الحاكمة في البحرين على العديد من المواضيع، (الوجود العسكري الأمريكي الممثل في القاعدة الأمريكية في الجفير، المطالبة بتحديد مصروفات الديوان الأميري، سرقة الأراضي وعدم توثيق العديد منها، عطلة عيد العمال العالمي، وتشكيل النقابات العمالية، تحسين أوضاع الناس المعيشية، وأخيراً مشروع قانون أمن الدولة الذي تم رفضه من قبل أعضاء مجلس الوطني، بعد أن تم إقناع الكتلة الدينية التي كانت مترددة في بداية الأمر في رفضه، بسبب عداءها للأفكار التقدمية، واليسارية.

-        في 24 و25 يونيه عام 1974، تم اعتقال قادة وكوادر ونقابين بارزين من جبهة التحرير الوطني البحرانية،  وبالمناسبة بعد حل المجلس الوطني في 26 أغسطس 1975، أول من تم تطبيق قانون أمن الدولة السيئ الصيت عليهم هم قادة ومناضلي جتوب، أحمد الذوادي، ويوسف العجاجي، وعباس عواجي، أحمد الشملان، ود. عبدالهادي خلف، قضى الثلاثة الأوائل أكثر من خمس سنوات في السجن والمناضل أحمد الشملان سنة واحدة وفي مرحلة لاحقة في بداية من عام 1981 حتى عام 1986، قضى أكثر من خمس سنوات في السجن بعد التخرج والعودة من الدراسة في موسكو، قبل حل المجلس الوطني بثلاثة أيام تم شن حملة اعتقالات واسعة ضد مناضلي الحركة الوطنية في 23 أغسطس 1975، تعرف بهجمة أغسطس عام 1975، كما تعرضوا لحملة اعتقال مناضلي جتوب بجانب رفاقهم في الجبهة الشعبية في عام 1976، بعد حادث اغتيال الصحفي المعروف عبدالله المدني، وعلى أثر تلك الحملة القمعية، سقط رفيقنا الشاعر الشهيد سعيد العويناتي، وقبله الشهيد المناضل محمد غلوم. 


-        حملة اعتقال في عام 1978، كان من ضمن تلك الحملة المناضل الكبير محمد حسين نصر الله الذي قضى حوالي أكثر من خمس سنوات في السجن. 


-        حملات اعتقال في أعوام 1981، 1982، 1983، 1984  ضد مناضلي جبهة التحرير الوطني البحرانية، كما طالت كوادر وأعضاء جبهة التحرير الوطني البحرانية حملة اعتقالات أخرى في عام 1985. 


      الضربة الموجعة واستشهاد الرفيق الدكتور هاشم العلوي




 كانت حملة الاعتقالات الواسعة عام 1986، التي طالت العديد من كوادر وأعضاء جبهة التحرير الوطني البحرانية، من الحملات القاسية والموجعة لجتوب واتحاد الشباب الديمقراطي البحراني أشدب، والتي تعرض فيها المناضلين والمناضلات لتعذيب جسدي ونفسي وحشي، وتم تصفية رفيقنا البطل الدكتور هاشم إسماعيل العلوي في أقبية التعذيب في 18 سبتمبر 1986، قبل هذه الحملة القمعية الواسعة نشطت جبهة التحرير الوطني البحرانية واتحاد الشباب الديمقراطي البحراني “أشدب”، بتوزيع البيانات والنشرات الحزبية والعمالية والنسائية والشبابية والطلابية (الجماهير ، الشبيبة ، صوت العامل ، صوت الطلبة ، صوت المرأة ) بشكل واسع ضد التواجد العسكري الأمريكي في البحرين، وكذلك ضد العدوان العسكري الأمريكي على ليبيا في ابريل من عام 1986، بالإضافة إلى البيانات المطالبة بإعادة الحياة النيابية وإشاعة الديمقراطية في البلاد، وإطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين وعودة المنفيين من الخارج، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين وتشكيل النقابات العمالية والاتحادات النسائية والطلابية والشبابية، جزء من هذه المطالب تحقق اليوم، بفضل تلك النضالات والتضحيات التي قدمها مناضلو جتوب و”أشدب” والحركة الوطنية البحرينية. 




        نشاط
جبهة التحرير الوطني البحرانية في الخارج: 




أقامت قيادة جبهة التحرير الوطني البحرانية ، علاقات واسعة مع العديد من حركات التحرر الوطني في البلدان العربية والعالم ،وكانت لها علاقات رفاقية مميزة مع الأحزاب الشيوعية والعمالية في البلدان العربية والعالم تتواصل معها في اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات التي تشارك فيها لتصل قضية شعب البحرين المطالب بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. 


وعلى الصعيد الإعلامي أصدرت الجبهة في الخارج العديد من البيانات والأدبيات السياسية والحزبية، ( النضال، الفجر، والأمل: النشرة المشتركة مع الجبهة الشعبية ). 


-        كان جهاز الأمن واهماً بأنه قضي على جبهة التحرير الوطني البحرانية، ولكن البذرة التي زرعت في أرض البحرين منذ الخامس عشر من شباط “فبراير” عام 1955، لا تستطيع أي قوة اقتلاعها من الأرض، فالجذور ضاربة في العمق، مهما كانت الظروف والصعاب، فالراية كانت دائماً مرفوعة لم تنكسر في يوم من الأيام، ولن تنكسر في الوقت الحالي. 



–  
العريضتان النخبوية والشعبية:- 


 كان لمناضلي وأنصار جبهة التحرير الوطني البحرانية دور كبير وبارز في إصدارهما بجانب الشخصيات والقوى الوطنية والديمقراطية والدينية في البحرين، وكان الشخص الأبرز فيها المحامي المعروف المناضل الوطني الكبير أحمد عيسى الشملان “أبو خالد”، الذي كان الناطق الرسمي باسم العريضة الشعبية في البحرين، بالإضافة إلى المناضل الكبير محمد جابر الصباح النائب السابق في المجلس الوطني 1973 بالرغم من مرضه، كان إحدى الشخصيات الوطنية البارزة المطالبة بعودة الحياة النيابية وإشاعة الديمقراطية في البحرين، فكان أبو جابر وفياً ومخلصاً لجتوب ومبادئها جنبا إلى جنب مع أبي خالد الذي كان شعلة من النشاط والحيوية في تسعينيات القرن الماضي، الذي اعتقل لأكثر من شهرين وأصيب على إثرها بجلطة مرتين ولا زال يعاني من آثارهما. 


الانفراج السياسي في فبراير 2001:-



جاء الانفراج السياسي في فبراير من عام 2001، من قبل ملك البلاد وطرح مشروعه ميثاق العمل الوطني الذي صوت عليه شعبنا بإجماع وطني، حيث سبق التصويت بأن تم إطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين وعودة المنفيين وتم إلغاء قانون أمن الدولة السيئ الصيت فيما بعد، بعد حقبة سوداء عاشها شعبنا لأكثر من ربع قرن، فبدل من تطوير التجربة الناشئة نحو مزيد من الحريات العامة والديمقراطية وإلغاء القوانين المقيدة للحريات والتحول الديمقراطي في البلاد، وتعزيز الثقة بين النظام السياسي والشعب، بدأت التراجعات بإصدار دستور عام 2002، بصورة منفردة ( انقلاب أبيض ) ،كانت بداية التراجع لمشروع الإصلاح الذي طرحه الملك في فبراير 2001، و على أثره أدخلت البلاد في مزيد من الأزمات والمشاكل، وكانت ذروة تلك الأزمات، الأزمة السياسية المستمرة منذ 14 فبراير 2011، ولا زالت تلقي بكل تأثيراتها وتداعياتها على مناحي الحياة في البحرين، بالرغم من بدء جولة الحوار الوطني منذ أيام، الذي ليس من الواضح حتى الآن، ما إذا كان سيؤدي لتحقيق نجاحات تخرج البلاد والعباد من ذلك المأزق بعد أن تم تقسيم الشعب وسادت أجواء الترهيب والترغيب وزج بالعديد من المواطنين ومن كل التخصصات في السجون والمعتقلات وازدادت الأحقاد والكراهية في البلاد. 



 المنبر الديمقراطي التقدمي:- 




أسس مناضلو وأنصار جبهة التحرير الوطني البحرانية المنبر الديمقراطي التقدمي في فترة الانفراج السياسي في يوليو 2001، بعد أن تم الإعداد والتحضير الجيد للإعلان عن الاجتماع الأول في يوم الجمعة الموافق 13 يوليو 2001، في قاعة نادي طيران الخليج ، لأول مرة في تاريخهم النضالي يعلن الشيوعيون في البحرين عن انتقالهم للعمل العلني، ليواصلوا المسيرة التاريخية لجبهة التحرير الوطني البحرانية التي عرفت بنضالاتها وتضحياتها وبوحدتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، حزب ماركسي لينيني جامع بعيد  عن الانتماء العرقي أو المذهبي، حزب وطني واعٍ كان جل اهتمامه الوطن والشعب، وهو أول حزب سياسي في البحرين يعلن عن برنامجه السياسي في خمسة عشر تحت عنوان: “برنامج الحرية والاستقلال الوطني، والسلم والمساواة والتقدم الاجتماعي” الذي صدر في عام 1962، وعلى أسس تلك الأهداف التي صاغها في برنامجه، استمر نضال الجبهة ضد الاستعمار البريطاني والرجعية، من أجل إقامة النظام الديمقراطي في البلاد.  


 تتزامن الذكرى الثامنة والخمسون لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية مع الذكرى الثانية لأحداث الرابع عشر من فبراير 2011، والتي حدثت بسبب تلك التراجعات الكبيرة عن التحول الديمقراطي في البلاد، وجاءت في ظروف ما يعرف بالربيع العربي، الذي بدأ في تونس وبعدها مصر وبعض الدول العربية، الشباب العربي الذي فجر الثورات والانتفاضات والاحتجاجات، و لكنها سرقت من قبل قوى التيار الإسلامي السياسي في معظم البلدان العربية، والذي يحاول اليوم فرض أجندته الخاصة بعيداً عن أهداف وشعارات الثورات التي تفجرت ضد الاستبداد والقمع ومن أجل قيام الدولة المدنية الحديثة تتعزز فيها الحريات العامة والديمقراطية، والقوانين المواكبة للتطور والتقدم، ولا تفرض عليهم أفكار أحادية لتنشئ من جديد دكتاتورية أكثر استبداداً من الأنظمة والحكام السابقين، لهذه تبرز الضرورة التاريخية بأهمية تأسيس التحالفات الوطنية الديمقراطية في البلدان العربية للتصدي للدكتاتورية الجديدة التي وصلت إلي سدة الحكم باسم الثورة وصندوق الاقتراع السري “أي الانتخابات”. 


إن القوى اليسارية والتقدمية و الديمقراطية في البلدان العربية، تقف أمام مهام كبيرة ومنعطفات خطيرة يتطلب منها في كل بلد عربي التنسيق والتعاون والتحالف، لكي لا تضيع الحقوق والمكاسب الديمقراطية والثقافية التي تحققت بفضل نضالات أجيال عديدة من المفكرين والمثقفين و المناضلين العرب،وتتحول بلداننا إلى دول متخلفة وجاهلة وشعوب متقاتلة مثل (الصومال وافغانستان ) وتشجع هذه التحولات الخطيرة بفضل تدفق  الأموال الخليجية لتيارات الإسلام السياسي لمواجهة قوى الحداثة والتقدم، قوى التغيير الحقيقي من أجل تحولات ديمقراطية بينوية في مجتمعاتنا العربية،لبناء دول وشعوب تتطور وتتقدم من خلال التعليم والبحث العلمي وإشاعة أجواء الديمقراطية والشفافية والمساواة وحقوق المرأة والطفولة،  والأقليات ، دول وشعوب قادرة أن تكون مستقلة في قرارها السياسي والاقتصادي، غير تابعة للامبريالية الأمريكية، التي يهمها مصالحها ولا يوجد لديها أصدقاء دائمون، وهذه سياسة قديمة للأمريكان، لذا نراها اليوم تفضل التنسيق والتعاون والتحالف مع بعض أطراف تيار الإسلام السياسي في الوطن العربي، والتحكم في القرار السياسي، بشكل مباشر أو عبر وكلاء خليجيين وغيرهم من الدول والقوى التي تنفذ السياسة الأمريكية في المنطقة. 


في ذكرى تأسيس حزبنا، نتوجه بالدعوة لجميع القوى والشخصيات الوطنية والديمقراطية والتقدمية في تشكيل التحالف الوطني الديمقراطي من أجل البحرين، الدولة المدنية الديمقراطية، دولة الحقوق والواجبات، دولة احترام القانون وحقوق الإنسان، دولة المساواة والعدالة الاجتماعية، دولة الوحدة الوطنية، والتسامح والتعايش المشترك بين كل فئاته ومكوناته، دولة ضد التمييز والطائفية البغيضة، دولة التعددية السياسية والثقافية، دولة لا يستغل فيها الإنسان أخيه الإنسان. 



 سنواصل تلك المسيرة النضالية من أجل وطن حر وشعب سعيد. 
اقرأ المزيد

الانتقام من المعارضين



التصفية الجسدية للمعارضين السياسيين سلوك معتاد عند السلطات المستبدة، والتي لا يسود فيها حكم القانون والعدالة فيتمكن بعض المتنفذين الذي لا يطالهم القانون إلى تصفية خصومهم وهو سلوك إجرامي وجبان يدل على ضعف مرتكبيه وضعف موقفهم وحجتهم وضيق صدرهم بالمعارضة أو خوفاً من كشف فسادهم والأهم أنه يدل على انحطاط الدولة ومؤسساتها.


والتصفيات الجسدية ليست غريبة على عالمنا العربي، فخلال العقود الماضية تمت تصفية سياسيين ومثقفين ومفكرين وفنانين وأدباء، سواء من سُلطات دكتاتورية مُستبدة أو من عناصر مُتشددة دينياً وطائفياً، وما يحدث في العراق الآن من تفجيرات طائفية أو ما حدث من اغتيالات سياسية في لبنان وغيرها من الدول العربية هي أمثلة واضحة.


وبعد التحرير في الكويت في تسعينيات القرن الماضي جرت محاولتان لاغتيال الشخصية السياسية حمد الجوعان وكذلك الشخصية الوطنية عبدالله النيباري على يد متنفذين فاسدين ومشبوهين، والهدف كان اسكات الصوت المعارض الذي يفضح ممارسات هؤلاء المتنفذين.


وقبل أيام اغتالت يد الغدر المناضل اليساري التونسي شكري بلعيد الأمين العام لحزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد، حيث تشير أصابع الاتهام إلى حزب النهضة الإسلامي الحاكم بعد أن كشف شهيد الثورة شكري بلعيد وجود قائمة من المعارضين سيتم اغتيالهم وبعد أن جاءته تهديدات بالقتل قبل تصفيته بأيام.


ويبدو أنه لا فرق بين الأنظمة العربية المستبدة سواء كانت حليقة أم ترتدي لحية في سلوكها تجاه معارضيها، ففي تونس شكل حزب النهضة ميليشيات تسمى “رابطات حماية الثورة” لممارسة العنف السياسي على الخصوم، وهي بالتأكيد ليس لها علاقة بالثورة، وكذلك في مصر شكل الأخوان المسلمين ميليشيات لممارسة العنف والبلطجة والقتل على المعارضين المطالبين بدستور يمثل كل المصريين وتصحيح مسار الثورة، وفي البلدين تونس ومصر صدرت فتاوي تكفير واستباحة دم المعارضين.


واللافت في الأمر أن الأحزاب الإسلامية الحاكمة في كل من تونس ومصر فعلت أكثر مما فعلت رموز الأنظمة التي أسقطها الشعبان سواء في استخدام العنف المفرط أو باستباحة أموال الشعبين أو بالاستيلاء على مفاصل الحكم بشكل لاديموقراطي، كما أنها لم تُعد هيكلة أجهزة الأمن القديمة بل استعانت بها لخبرتها في قمع الشعبين رغم أنها اتهمتها أثناء الثورة بالفساد، وتبرر القوى الإسلامية القتل والعنف بالدفاع عن الشرعية أو عن شرع الله.


 إن السلوك الانتقامي من الخصوم هو سلوك مريض، سواء كان الانتقام باستخدام القتل والتصفية الجسدية أو باستخدام القانون وتطبيقه بتعسف وانتقائية، كما أنه سلوك يدفع إلى عدم الاستقرار في المجتمعات وربما إلى الفوضى وينم عن عدم تحضر.


 

اقرأ المزيد

إنقاذ مصر من وهدتها


يُنقل عن الدكتور حسن الترابي قوله في أحد المؤتمرات التي عُقدت مؤخراً، إن الإسلاميين وحدهم المؤهلون اليوم لأن يحكموا في العالم العربي، ولعله يعزو ذلك لما لهم من نفوذ في بعض البلدان، ومن بنية تنظيمية محكمة لم تعد متوافرة لسواهم، فضلاً عما يتمتعون به من إمكانات مالية ضخمة، جمعوها خلال عقود ووظفوها في استثمارات كبيرة .

أحد المساجلين ردّ على ذلك بالقول إن إدارة التجارة تحت عباءة الدين أيسر، بما لا يقاس، من إدارة الدولة، وتأمين القبول المجتمعي لهذه الإدارة، في مجتمعات عانت طويلاً من غياب أو تآكل شرعية أنظمة الحكم فيها، ولم تعد تقبل بعد أعاصير ،2011 أن تفرض عليها، بالقسر، أنظمة فاقدة لهذه الشرعية .

ليس الإسلاميون وحدهم من صدق وَهْمَ أنهم الوحيدون القادرون على أن يحكموا في العالم العربي . الغرب أيضاً أو بعض دوائره صدق ذلك وساعد على تمكينهم من بلوغ مبتغاهم، وبنى خططه على قاعدة التهيؤ لقبولهم شريكاً، إن لم نقل حليفاً، خلال الفترة المقبلة، قبل أن تكشف التجربة زيف هذا الوهم، وتشير تقارير صحافية إلى أن مراجعات تجري في بعض الدوائر الغربية لهذا الأمر بعد ما كشفت عنه مسارات العامين الماضيين .

وحيث إن مصر بالذات، بما لها من مكانة ودور وتقاليد سياسية وثقافية عريقة، كانت المختبر الأساس لهذه التجربة، فإنها أعطت البرهان السريع على بطلان ذاك الوهم الكبير، حين أظهر المجتمع المصري ديناميكية عالية في مواجهة مساعي تنميطه وقهره، لدرجة جعلت من أكاديمي ورجل قانون مصري بارز هو الدكتور يحيى الجمل يرى أن النظام الحاكم في مصر حالياً حقق لمصر والمصريين هدفين عزيزين، ما كان أحد يستطيع تحقيقهما خلال شهور قليلة .

أولهما، وهو الأهم فيما نرى، أن الشعب المصري عرف حقيقة هذا النظام والجماعة التي يمثلها بغير تزويق ولا تجميل، ومحل قدر التعاطف الذي كانت تحظى به الجماعة لدى قطاعات معينة من المواطنين، حلت جبال من الرفض وخيبة الأمل، نتيجة ما أظهرته من قصور وتضليل، وما آل إليه الوضع في البلاد من تردٍ على مختلف الصعد، أما الهدف الثاني المتحقق فهو أن هذه الجماعة أشعرت كل القوى المدنية والديمقراطية بمدى الخطر الذي يحيق بمصر، ما دفعها إلى الاقتراب “لإنقاذ البلاد من الوهدة التي تردت فيها” .

اقرأ المزيد

لكي لا تضيع فرصة أخرى

عندما يكثر الحديث عن مصطلح «الحوار»، فإن المفهوم ذاته يتعرض للتشويش. فالحوار قد يكون تطارح آراء بين طرفين أو أكثر في أي موضوع، والحوار قد يكون مفاوضات بين طرفين أو أكثر للمساومة، بين أن تأخذ شيئاً مقابل أن تعطي شيئاً آخر. الحوار من هذا النوع عادة يتطلب وجود من يسهل استكشاف أرضية مشتركة، والتوصل إلى اتفاق لتسوية مشكلة عالقة.

إنني من المؤيدين لدخول المعارضة في الحوار المقترح حالياً، وفي كل الاحوال فإن الالتقاء والتحدث بين شركاء الوطن ينفع في تقريب العقول والقلوب.

ولكننا أيضاً بحاجة إلى فهم طبيعة هذا الحوار، وهل الهدف منه الوصول إلى تسوية بين الماسكين بزمام الأمور ومن لديه قضية مطالب مشروعة، أم هو حوار يهدف فقط لتشجيع التعارف بين فئات مجتمعية قد لا تملك بيدها قراراً حاسماً بشأن مجريات الوضع السياسي، وهي لذلك لا تستطيع أن تعطي أو تأخذ لأنها في الأساس ليست هي التي تملك القدرة على ذلك.

لا بأس لو أن السلطة تعلن أنها خوَّلت صلاحياتها لأي طرف مشارك بصورة مباشرة، أو أنها ستشارك بطريقتها بصورة جادة، وأن ما يتم التوصل إليه يجب أن يحظى بشرعية نابعة من المجتمع بشكل لا يقبل الجدال، وأنه سيصبح ملزماً على من يمسك بيده زمام الأمور حتى لو غاب عن جلسات الحوار. وينبغي القول إنه سيكون من غير الملائم أن تطرح جماعة نفسها وكأنها «سد اعتراضي» يقف ضد أي اتفاق لا يرضي الطرف الذي لا يحضر جلسات الحوار.

إن ما نودُّ رؤيته في المحصلة هو عملية تفاوضية معقولة ومقبولة من قبل المنطق البشري المعمول به دولياً، وأن تنتج هذه العملية اتفاقاً لحل النزاع بشأن القضايا المهمة التي تسببت في أصل النزاع. كما نأمل أن تنتج لنا هذه العملية توافقاً بين المواقف المتعارضة، وأن يحصل هذا التوافق على شرعية ملزمة… وهذه الشرعية تعني موافقة المجتمع على نتائج ما يتم التوصل إليه، وذلك عبر وسيلة واضحة يقتنع الجميع بسلامتها، وإلا فإننا قد نضيِّع فرصة أخرى للخروج من الأزمة السياسية المستمرة.

إننا نأمل في استمرار الحوار دائماً وأن ننفتح على المستقبل بصورة مختلفة عمَّا نشهده حالياً من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، ومماحكات من كل جانب، واتهامات لا أول لها ولا آخر. كما نأمل أن تفتح الحوارات المجال لتصحيح المسار السياسي للدولة، بحيث يشعر الجميع بأنهم متساوون أمام قانون عادل نابع من الإرادة الشعبية ويلتزم بجميع متطلبات حقوق الإنسان.

الدولة قالت إن الحل يجب أن يكون بحرينياً، ونحن نؤيِّد هذا الطرح، وتحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع سيحمي البحرين وسيادتها وسيعزز إمكانية التعافي والخروج من الآلام التي نمر بها حالياً.


منصور الجمري
صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد