المنشور

قانون العمل الجديد… أسوأ قانون تشهده البحرين (4) – المحامي علي محسن الورقاء

المقال بجزئيه الأول والثاني


http://www.altaqadomi.com/ar-BH/ViewArticle/20/4597/Selected_articles.aspx


الجزء الثالث


http://www.altaqadomi.com/ar-BH/ViewArticle/20/4617/Selected_articles.aspx


 

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2012 أشرنا في الحلقات الثلاث السابقة إلى وجوب أن تتوفر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات هي: معرفة القاعدة القانونية؛ الخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره؛ ومعاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وقد وقفنا على بعض نصوص قانون العمل المذكور وأثبتنا من خلالها سوء صياغة تلك النصوص بما يوحي أن القائمين على إعداد مسودته يفتقرون إلى إحدى المميزات السالف ذكرها، كما رأينا كيف أن تلك النصوص هي في غير صالح الأُجَراء، وكأن المشرِّع قد أخذ موقفاً سلبياً نحو العمال على ضوء ما انتهينا إليه.

وحيث كنا ولانزال ننعت قانون العمل الجديد بأنه «أسوأ قانون تشهده البحرين»، استوجب التنويه إلى أن هذا النعت لم يكن بسبب ما علق بنصوصه من سوء صياغة وركاكة في التعبير، أو لسوء تنظيم وغير ذلك وحسب، أو لأنه تضمن نصوصاً ليست في صالح الأجراء؛ إنما سوأته العظمى تكمن في تراجعه إلى الأسوأ بحيث وجدناه قد سلب من العمال الكثير من الحقوق والمنافع والمميزات المقررة لهم في القوانين التي سبقته، أو زاد عليهم ثقلاً لم يكونوا يحملونه من قبل، في حين كان يفترض أن يأتي هذا القانون بالأفضل للأجراء، من حيث أنه يفترض كلما رقت الحضارة وتقدمت ثقافة المجتمع كلما سمت قوانين العمل بما تكفل للعمال حماية أكثر ورعاية أسمى ومصالح أوفى، لا أن تسلب منهم ما كان مقرراً لهم سلفاً، أو أن تُضيف ثقلاً عليهم لم يكونوا يحملونه من قبل، على نحو ما أثبتناه في الحلقات السابقة وما سنثبته تباعاً في الحلقات التالية. ولهذا جاز لنا أن ننعته بأنه «أسوأ قانون تشهد البحرين».

وفي هذه الحلقة (الرابعة) سنقف على جانب آخر من نصوص القانون لنثبت مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته، وذلك فيما يلي:

أولاً: تنص المادة رقم (40) من قانون العمل القديم لسنة 1976 «تُحرر جميع العقود باللغة العربية، وكذلك المراسلات والتعليمات والنشرات واللوائح التي يصدرها صاحب العمل لعماله».

وكان المشرِّع يهدف من وراء هذا النص حماية العمال العرب، وعلى وجه الخصوص العمال الوطنيين، خشية أن يوجه إليهم أرباب العمل إخطارات أو إنذارات أو تنبيهات بلغة أجنبية يصعب عليهم فهم مضمونها فتكون رغم ذلك حجة عليهم. ومن ثم كان يعتبر أي إخطار أو تنبيه محرر بلغة أجنبية لا يحظى بالحجية كورقة قانونية في مواجهة من أُرسل إليه من العمال ما لم يكن مشفوعاً بترجمة له باللغة العربية، وذلك استناداً للحكم الوارد في النص السابق. بيد أن قانون العمل الجديد حذف هذا النص من نصوصه، مما ترتب عليه أن أصبح صاحب العمل غير ملزم بتحرير مراسلاته وتعليماته ونشراته ولوائحه وإنذاراته التي يصدرها أو يوجهها للعمال باللغة العربية كما كان ملزماً بمقتضى قانون العمل السابق، دون أن نعرف الغاية من ذلك، اللهم إلاّ إذا رأى المشرِّعون الجدد أن البحرين أصبحت خارج المنظومة العربية، أو أنهم رأوا أن المستندات المحرّرة بلغة أجنبية وغير المترجمة مقبولة كدليل إثبات في مواجهة العمال خلافاً لقواعد الإثبات المقررة قانوناً. وفي غير ذلك يصبح حذف النص المشار إليه من قانون العمل الجديد مخالفاً لقواعد الإثبات بما يفضي إلى رفع الحماية عن العمال في هذا الجانب دون مسوغ، وفي ذلك إجحاف بحقهم.

ثانياً: تنص الفقرة الثانية من المادة رقم (11) من قانون العمل الجديد بالآتي: «يصدر الوزير، بعد أخذ رأي الوزارات المعنية وغرفة تجارة وصناعة البحرين والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين قراراً بتحديد اشتراطات ومواصفات المساكن وتحديد أصناف وكميات الطعام التي تقدم للعامل في كل وجبة…». «والوزير» المشار إليه في النص هو الوزير المختص بشئون العمل في القطاع الأهلي، أي وزير العمل، بحسب التعريفات الواردة في الفصل الأول من قانون العمل الجديد.

وبالعودة إلى النص أعلاه نجد أن قانون العمل الجديد قد أناط لوزير العمل تحديد اشتراطات ومواصفات مساكن العمال، وتحديد أصناف وكميات الطعام التي تقدم للعمال بعد التشاور مع الجهات المذكورة في النص. بيد أنه من المقرر أن تحديد اشتراطات ومواصفات مساكن العمال وتحديد أصناف وكميات الطعام هي من المسائل الصحية التي تختص بها وزارة الصحة العامة وحدها، وإن أي قرار بشأنها يجب أن يصدر من وزير الصحة وليس من وزير العمل، لذلك سبق وأن أصدر وزير الصحة القرار الوزاري رقم (8) لسنة 1978 بشأن تحديد الاشتراطات والمواصفات الصحية لمساكن العمال والذي لايزال معمولاً به حتى الآن.

وإذا كان هناك ثمة من يعتقد أن كل ما يتعلق بأمور العمال يقع تحت رقابة وإشراف وزارة العمل فهو خاطئ، ونؤكد له خطأ هذا الاعتقاد بدليل أنه في مجال الصحة لا يجوز للمفتش العمالي التابع لوزارة العمل التفتيش على كل ما يتصل بالأمور الصحية (ومنها مساكن العمال) إلاّ بصحبة مفتش من وزارة الصحة العامة، وذلك طبقاً لنص المادة رقم (22) من القرار الوزاري رقم (28) لسنة 1976 في شأن تنظيم أعمال التفتيش، التي تنص على أن «يتم ضبط المخالفات وتحرير المحاضر في مجالي الصحة والسلامة المهنية عن طريق مفتش العمل… وعلى مفتش العمل مصاحبة مسئول السلامة المهنية ومسئول الصحة المهنية بوزارة الصحة في هذا النوع من التفتيش كل بحسب اختصاصه».

فإذا كان الأمر ذلك، وجب قانوناً تحديد اشتراطات ومواصفات مساكن العمال، وتحديد أصناف وكميات الطعام التي تقدّم للعمال بموجب قرار يصدره وزير الصحة – وإنْ لزم الأمر أن يكون ذلك بالاتفاق مع وزير العمل – لا بقرار يصدره وزير العمل، وعلى ألاّ تُحشر غرفة تجارة وصناعة البحرين ومعها الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين في هذا الشأن باعتبارهما ليسا جهة اختصاص وغير مؤهلين لذلك.

وعليه فإن الفقرة الثانية من المادة رقم (11) من قانون العمل الجديد محل البحث هي إحدى الصور المقلوبة في هذا القانون، ولا نماري من يعتقد أن انقلاب هذه الصورة يعود إلى أن المشرعين الجدد يفتقرون إلى الميزة الثانية التي أشرنا إليها في بداية الكلام (الخبرة في مجال العمل)، ولذلك غاب عليهم معرفة الوزارة أو الوزير المختص في هذا الشأن.

ولنا لقاءات أخرى في الحلقات القادمة لنكتشف من خلالها المزيد من الإجحاف والحيف الواقعين على العمال من قبل قانون العمل الجديد واعوجاج نصوصه شكلاً وصياغةً، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهد مملكة البحرين، على أننا سنخصص الحلقة القادمة في شأن الأحكام الخاصة بالنساء العاملات وما طرأ على حقوقهن من تغيير في هذا القانون في غير صالحهن.

علي محسن الورقاء
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

علاقة الدين بالسياسة كما ينبغي طرحها – د.علي فخرو

دعنا نحاول طرح موضوع الدين والسياسة على النحو التالي… أولاً: عبر
أكثر من قرن من الزمن طرح الموضوع، في غالب الأحوال، بشكل حاد واستقطابي
مثير للعواطف المتشنجة وللجدل العقيم. فالعلمانيون أصروا على الفصل التام
والقطيعة الجذرية بين حقلي الدين والسياسة. والكثير من القوى الإسلامية
السياسية أصرت على الغمس الكامل للدين في السياسة واستحضرت شعار أن الإسلام
هو دين ودولة.

ثانياً: كانت مرجعية العلمانيين الأساسية خارجية
مسترجعة تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الأسود الانتهازي في مجتمعات القرون
الوسطى الأوروبية من جهة، وردود فعل مفكري الأنوار الأوروبيين تجاه ذلك
التاريخ من جهة أخرى.

وكانت مرجعية القوى الإسلامية تراثية تراجعية
في الزمن مستحضرة تاريخ ممارسات الحكم في المجتمعات الإسلامية والفكر
الفقهي المساند لتلك الممارسات. والواقع أن كلتا المرجعيتين تقعان خارج
الزمن والمكان، ولا دخل لهما بواقع المجتمعات العربية في العصر الذي نعيش.

ثالثاً:
إن الإسلام كدين متجذر في وجدان وعقل العربي المسلم، والإسلام كثقافة مكون
أساسي من مكونات ثقافة الإنسان العربي أياً كان الدين الذي ينتمي إليه.
وبالتالي فإن أية محاولة للقفز على هاتين الحقيقتين عند التعامل مع موضوع
السياسة في الحياة العربية ستواجه العقبات وتدخل في مماحكات لا نهاية لها،
عدا عن رفض فطري عند غالبية المواطنين العرب في شتى أرجاء وطن العرب لمثل
ذلك القفز. وفي الواقع فلم توجد قط سياسة لم تحكم مبادئها ومنهجيتها
وسيرورة مسارها ثقافة المجتمع السائدة، والدين جزء منها.

رابعاً:
وإذاً ما الحل لهذه المعضلة التي طال أمد اجترارها؟ أولاً لنتذكر أنها ليست
قضية هامشية حتى نتجنبها، إذ هي في واقع الأمر أحد أهم مفاتيح دخول العرب
في حداثتهم الذاتية المتواصلة مع العصر الذي يعيشون. وفي اعتقادي أن أحد
الحلول يكمن في التوقف عن وضع الأمة أمام ضرورة الانحياز فقط لأحد
الخيارين: إما الفصل التام الغريب على طبائع الأمور في حياتها أو الوصل
العبثي الاندماجي الغامض المرشح ليكون مليئاً بالمشاكل والتفسيرات التي لا
حصر لها ولا عد.

الحل في اعتقادي هو في الانتقال إلى تركيز الحديث
والمناقشات على التفاصيل التي ستحكم العلاقة بين الدين والسياسة. ومع أن
الشيطان يكمن في التفاصيل كما يقول المثل الشهير، إلا أنه بالنسبة لهذا
الموضوع آن الأوان لكشف الشيطان وطرده من ساحة هذا الموضوع، فالتعايش مع
الغموض والغمغمات اللفظية لم يعد في صالح مستقبل الحياة السياسية العربية.

لست
بالمؤهل ولا القادر على تبيان ملامح العلاقة الصحية الواقعية التي ينبغي
أن توجد بين الدين والسياسة، فلهذا الأمر الصعب المعقد، ولكن غير المستحيل،
فرسانه ومريدوه. وبالطبع فإننا لا نتحدث هنا عن إيجاد علاقة صحية بين قوى
الإسلام السياسي وغيرها من القوى السياسية الأخرى. إنما نحن هنا بصدد فكر
ومنهاج سياسي عربي تفصيلي جاد يتوجه لحل تلك المعضلات التي جئنا على ذكر
بعضها، ويتخطى استقطابات وتخندقات الفصل والوصل، ولا يكتفي بنقل وترشيح هذه
التجربة أو تلك في هذه البلاد الإسلامية أو تلك. ذلك أن الواقع يدحض وجود
تجربة ناجحة في أي بلد إسلامي والتي استطاعت إيجاد حل ناجح للمعضلة التي
تواجهها مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

ليس المطلوب حتماً إعادة
محاولات الحلول التلفيقية السابقة التي حوت الكثير من التناقضات والتوترات
بين حقلي الدين والسياسة. المطلوب هو طرح أسئلة محددة والإجابة عنها.
مثلاً، هل أدوار مؤسسات المراجع الدينية، أياً تكن مسمياتها، أدوار
استشارية بحتة، مثلها مثل المؤسسات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والعلمية
وغيرها التي تستشار كمراكز اختصاصية من قبل البرلمانات والحكومات؟ هل
الكلمة النهائية في هذه الحالة لممثلي الأمة المنتخبين والمعينين الذين لا
يخضعون إلا لمحاسبة الشعوب التي انتخبتهم؟ هل تفسير الدساتير والقوانين
تقوم بها فقط المحاكم الدستورية والتي بالطبع وحدها تقرر من تستشير قبل
اتخاذ قراراتها؟ هل المشاورات المقدمة من قبل مؤسسات المرجعيات الدينية
تعبر فقط عن اجتهاد وفهم أصحابها البشري للدين، وليس لها بالتالي قدسية لا
تسمح لأحد أن يناقشها أو يرفض الأخذ بها؟ هناك عشرات الأسئلة الأخرى التي
تحتاج أن تطرح وأن يجاب عليها. بهذه الطريقة تفكّك الأجزاء المتشابكة عن
بعضها البعض ويصبح النقاش حول نقاط محددة وليس حول كلمات عامة تفهمها كل
جهة معنية بطريقتها الخاصة وينقلب النقاش إلى جدل عبثي عقيم.

مرةً
أخرى نذكر أن قضية العلاقة بين الدين والسياسة أصبحت كبرى القضايا وأولى
الأولويات في الحياة السياسية العربية. وبالتالي فإن مواجهتها وإيجاد حلول
معقولة لها سيفتح الباب على مصراعيه لحل مسألة الحداثة العربية، بل وكل
مكونات مشروع النهضة العربية. مطلوب من المفكرين والفقهاء المستنيرين
الموضوعيين المساهمة في ذلك.


علي محمد فخرو

صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

صدق النوايا وموقف القوى المتحاورة

ما نرجوه بالفعل هو صدق النوايا من قبل جميع الأطراف، الحكومة أولاً،
والجمعيات المؤيدة للوضع القائم، والجمعيات السياسية المعارضة، ثانياً، قبل
البدء في الحوار الوطني المرتقب، فبدون النوايا الصادقة لا يمكن تحقيق أي
تقدم في اتجاه مصالحة وطنية تعيد للبحرين وجهها السابق.

المصلحة الوطنية تحتم في هذا الوقت بالذات تجاوز الخلافات المذهبية
والتخندق الطائفي، والدخول للحوار من أجل هدف واحد هو السير بالوطن نحو
مزيد من الحريات والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، وترسيخ مبدأ
أن «الشعب هو مصدر السلطات»، وليس من أجل دفع الضرر أو الوقوف في وجه مطالب
استحقها الشعب البحريني عبر تضحاياته وآلامه.

ما يحيط الدعوة للحوار من غموض من قبل الجانب الرسمي لا يوحي بأن لدى
الحكومة دافعاً ذاتياً لتقديم تنازلات حتى وإن كانت هذه التنازلات بسيطة
ولا ترتقي لطموح الناس. فحتى الآن وقبل يومين من بدء فعاليات الحوار، لم
يعلن عن الآليات التي سيتم بموجبها إجراؤه، وليس من المعروف من هو الذي
سيدير هذا الحوار وما هو مستوى تمثيل الحكومة فيه؟ وكيف سيتم تطبيق ما يتم
الاتفاق عليه؟ والذي يعنيه معنى التوافق؟ كل ذلك يجعل من تشكك القوى
المعارضة في جدية السلطة مشروعاً، وخصوصاً ما أعلن عنه من أن مخرجات الحوار
ستعرض على السلطة التشريعية (مجلسي الشورى والنواب) لإقرارها قبل رفعها
لعاهل البلاد، ما يعني أن ما ستخرج به الأطراف المتحاورة لن يكون ملزماً
للحكومة، وإنّما يجب أن يمر أولاً عبر السلطة التشريعية التي قد تأخذ به أو
تعدله أو حتى تلغيه، وذلك ما يفرغ أي حوار من محتواه!

ما يخص القوى والجمعيات المؤيدة للوضع القائم، ولن نقول عنها جمعيات
الموالاة لأنها تغضب من ذلك في حين تصف نفسها وأتباعها بشرفاء الوطن (يعني
إحنه شنو؟)! وما تطرحه من شروطٍ لذرّ الرماد في العيون، بعد أن أعلنت عشرات
المرات رفضها الحوار مع «الخونة والجمعيات الراديكالية التي تتبع ولاية
الفقيه»، ما جعلها في حرجٍ شديدٍ قبال أتباعها. نقول لها إن التشدد في رفض
المطالب المشروعة والوقوف حجر عثرة أمام أي مصالحة وطنية، ولعب دور معارضة
المعارضة، لن تؤدي إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي، وإنّما ستزيد من سخط
الناس، وإصرارهم على مطالبهم، ما يعني سقوط المزيد من الضحايا من أبناء
البحرين ستكون دماؤهم في رقابكم جميعاً.

وإما ما يخص القوى المعارضة فإن المطلوب منها المزيد من الشفافية وإطلاع
الرأي العام على كل ما يدور سواءً على طاولة الحوار أو في الغرف المغلقة،
لكي تكون الناس على بيّنة، كما أن على القوى المعارضة أن تشرح لأتباعها
موقفها من كل ملف من الملفات المطروحة، وما يمكن التفاوض فيه، أو التنازل
عنه.


جميل المحاري

صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

غير معقول



إنه
أمر لا يُصدق . . هل هو الرئيس نفسه الذي وقف على منصة الخطابة في ميدان
التحرير وأقسم اليمين أمام الحشود الغفيرة التي اصطفت لسماع “فارس” أحلامها
في غد يقطع مع ليل الاستبداد والفساد الذي كابدته طوال 30 عاماً وتعهد
أمامهم بأنه سيكون رئيساً لكل المصريين؟


يقف
اليوم، هو نفسه، ولكن ليس بين صفوفهم هذه المرة وإنما من خلف منصة في
القصر الرئاسي، ليس لتوجيه الشكر لهم على انتخابه وتوزيع الوعود الوردية
عليهم، وإنما لتهديدهم بما هو أكثر من الطوارئ التي أمر بفرضها على مدن
القناة بورسعيد والإسماعيلية والسويس . ثم . . وفي معرض خطابه المشحون
بنبرات التحدي يعرض على أحزاب المعارضة الحوار في سيناريو مكرر لخطابه الذي
ألقاه أمام قصر الاتحادية بعد إصداره الإعلان الدستوري يوم 23
نوفمبر/تشرين الثاني 2012 الذي فجّر غضب الشارع ضده وضد الإخوان، حيث هدد
فيه رموز القضاء بالقول “إياكم أن تتصوروا أنني لا أراكم وإن كنت أغض الطرف
عما كنتم تفعلونه”، ولكن التهديد المباشر كان لأقطاب أحزاب المعارضة
بقوله: “سأقف بالمرصاد في وجه من يريد تضييع هذه الفرص على الشعب المصري”
(وكان يقصد فرصة إقرار مواد الدستور من قبل الجمعية التأسيسية على طريقة
“الكلفتة” المتهافتة التي شهدناها جميعاً) .


هذا
شيء ينتمي إلى “مسرح” الحياة البشرية اللامعقول، من حيث إن الرئيس الذي
جاءت به أصوات صناديق الاقتراع، أو بالأحرى نصف صناديق الاقتراع، يلجأ، ولم
يكد يمضي عليه في الحكم سوى بضعة أشهر، إلى أسلوب “تأميم” الحكم ذاته الذي
كان قد لجأ إليه سلفه فور توليه منصب الرئاسة خلفاً للرئيس الذي سبقه
والذي قضى في عملية الاغتيال الشهيرة التي نفذها بالمناسبة إسلاميون
متطرفون هم اليوم يستظلون بحكام مصر الجدد . . أي فرض حالة الطوارئ .


واضح
أن حكام مصر الجدد يحققون الإخفاق تلو الإخفاق بامتياز باهر في ما يتعلق
بإدارة الأزمة . شباب غاضب وهادر يواجَه بخطابات التحدي النيرانية وبفرض
حالة الطوارئ السيئة الصيت في عالمنا العربي . إنما الأزمة ليست في من يحكم
اليوم مصر وليست في سوء إدارتهم وحسب، وإنما في مستوى الوعي، الفردي
والجمعي، لدى قاعدة عريضة من شرائح المجتمع التي لا تتوفر على أساسيات
الحياة الإنسانية الكريمة، فيتم استغلالها والدفع بها كالقطيع نحو “حظيرة”
صناديق الاقتراع التي يتقرر فيها مصير دولة وشعب بأكملهما . لا جدال في أن
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 بمواده الثلاثين، لاسيما مادته
الثانية، قد ساوى بين البشر، نساء ورجالاً، من دون تمييز من أي نوع، بما
يعني ذلك المساواة في حق التصويت والانتخاب . وهو بهذا المعنى يعد قفزة
عالمية نوعية في تحقيق توافق دولي على الحقوق الأصيلة والأساسية للإنسان
على هذا الكوكب أينما وجد . ولكن معدو هذا الميثاق (الكندي جون بيترز همفري
والأمريكي اليانور روزفلت والفرنسيان جاك مارتيان ورينيه كاسان واللبناني
شارك مالك) الذين استلهموا روحه ونصوص بنوده من “إعلان حقوق الإنسان
والمواطن” للثورة الفرنسية لعام 1789 وشرعة “الماغتا كارتا” الصادرة عن
نبلاء بريطانيا العظمى سنة 1215  نقول إن معدي هذا الإعلان افترضوا “على ما نزعم” محو الأمية الأبجدية لتمكين صاحب الحق من ممارسة حقوقه بوعي غير مستلب .


لقد
تمكن الإخوان والإسلاميون من الوصول إلى الحكم باستثمار أصوات البؤساء
والمطحونين . وهؤلاء هم، بحالتهم الرثة والبائسة، سيبقون يشكلون “منجم
الذهب” بالنسبة إليهم . ولذا فليس من مصلحتهم العمل لمصلحة انتشال هؤلاء من
بؤسهم ونقلهم إلى حياة أكرم، تفتح عيونهم على حقيقة كينونتهم وطاقتهم
التغييرية . كذلك فإن هؤلاء الذين قطفوا ثمار انتفاضات “الربيع العربي”، قد
قطعوا الشك باليقين، بسرعة انقضاضهم على كافة مفاصل الدولة، إنهم إنما
جاءوا “لتأميم” الديمقراطية وإن كانت هي التي حملتهم إلى سدة الحكم .
اقرأ المزيد

جمالية العيش المشترك



حضرتُ،
منذ أيام، محاضرة لأستاذ الفلسفة التونسي فتحي التريكي، تحت العنوان
أعلاه، طاف خلالها في عوالم أفلاطون والفارابي وابن خلدون، وهو يعرض
لمفاهيم التآنس الذي يبدأ من المحيط الشخصي الضيق مع العائلة والأصدقاء،
ليطول الجماعات المختلفة في المجتمع الواحد، وصولاً إلى العيش المشترك على
كوكب واحد بين أقوام وشعوب وثقافات مختلفة .


والتريكي
الذي يُقدم على أنه داعية ومناضل من أجل فكر تنويري، يُولي عناية خاصة
لموضوع التنوع الثقافي، تكون جميع الثقافات، على أساسهِ، في مستوى الاحترام
نفسه، فكل ثقافة مهما صغرت تحمل إمكان الكونية، وحتى لو كانت الغلبة في
لحظة تاريخية معينة لثقافة بعينها، فهذا لا يلغي دور كل الثقافات في تكوين
هذا الإرث العالمي، فالثقافة الأوروبية المهيمنة الآن هي نتيجة لتداخل بين
ثقافات عديدة، بينها الهندية، والصينية، والفارسية، واليونانية، والعربية
الإسلامية وغيرها .


ويفرق
التريكي بين مفهومين: التنوع والاختلاف، وهو يميل إلى الأول وينأى عن
الثاني، لأن الاختلاف برأيه هو الوجه الثاني للوحدة، فإما أنك معي وإما
ضدي، إنه شيء أشبه بالوجه والقفا للقضية نفسها، بينما فلسفة التنوع تبين
ثراء التعدد، لذا فإنه يدعو إلى ابتكار ما يدعوه: وحدة التنوع، الوحدة التي
تعترف بالتنوع الثقافي، عبر التبادل بين الثقافات الذي ليس فيه هيمنة،
يكون فيه عقل المثقف العربي وفكره وعمله كاملاً قادراً على استضافة كل
الثقافات، لنجعل هذه الثقافات تتلاقح وتبتكر ثقافة شاملة، ضمن قاعدة
الضيافة لا قاعدة التنازع . 


من
هنا دعوته إلى الذهاب أبعد مما تحمله فكرة المثاقفة، بالوصول إلى فكرة
التآنس، لأننا إذا وجدنا أرضية للحوار بين الثقافات فلمَ لا نجعل الثقافات
تستأنس بعضها بعضاً، لتنتج ما يسميه سعادة التسالم، أي البحث عن السلم
المشترك . 


في
الظاهر، ستبدو هذه الدعوة ترفاً في مجتمعاتنا العربية اليوم، المنقسمة على
نفسها، والعاجزة عن مد الجسور بين مكوناتها المختلفة، بل واندفاعها العبثي
المجنون لهدّ ما بقي من هذه الجسور المتصدعة، فإذا كانت هذه المجتمعات
عاجزة عن التصالح مع نفسها، كيف بوسعها أن تتآنس مع الآخر وثقافته؟ لكن، لو
أمعنا النظر في الأمر، سنجد أن الحوار المبني على وحدة التنوع هو ملاذ هذه
المجتمعات على صعيدها الداخلي، وعلى صعيد علاقتها مع الأمم الأخرى في هذا
العالم المتشابك، المتداخل، وإلا فإن البديل هو الخراب .
اقرأ المزيد

مجرد أسئلة..!


يقال بان الاسئلة عجلات تقود وتحرك وتؤثر، وقيل بانه علينا ان نؤمن بالاسئلة ونتقبلها ونقبل عليها كي ننهض ونتحرك.. وعليه ارتأينا هذه المرة ان نطرح اسئلة، مجرد اسئلة، قد تكون فواتح لاسئلة اخرى نأمل ان تكون جميعها في محلها، فالسؤال الذي في محله كما قال حكماء قد يكون نصف الطريق الى اجابة، وعندما نجد جوابا عن كل سؤال فان معنى ذلك شيئا من الامل قد يطلق أفقا او يطرح فكرة او يتحرر من فكرة، مع تنويه لابد منه هو اننا ولاكثر من سبب لا نطمح الى اجوبة ممن يفترض انهم معنيون ولديهم الاجوبة، لا نريدها عاجلا ولا آجلا، يكفينا ان تصل الاسئلة اليهم ولعل وعسى..!!
* هل يمكن لهؤلاء الذين لا هم لهم الا وضع العصى في الدواليب وعرقلة واعاقة وتشويه وتحريف اي مسعى لحوار او مخرج لما اصبحنا فيه من وضع مأزوم. هل يمكن لهؤلاء ان يصدقوا انه يمكن للمواطن والوطن تحمل هذا الوضع الى الابد؟، وهل هناك مصلحة عامة في ان لانستقبل بارتياح اي اشارات او مشروع لحوار»جاد» و»فعال» بين جميع الاطراف يعيد الاستقرار ويحافظ على السلم الاهلي ويمنع انزلاق البلد نحو الفتنة.
*هل من المنطقي والمقبول والمعقول ان نقول اننا مسلمون وندرك ان الاسلام دين التسامح والمحبة والالفة والحوار، ولانعرف من الاسلام الا مايفرق ويؤجج ويباعد بين المؤمنين به. وهل يجرؤ احد الزاعقين باسم الدين بان يقول لنا: بان الكثير مما يجري لايمت الى الدين وسماحة الدين بصلة وان ما يحدث هو استغلال ومتاجرة بالدين؟ وان التحدي هو كيف يتحول الالتزام بالدين الى نقد مستمر للسلوكيات اليومية والى يقظة تجعل الدين طاقة تنويرية وشحنة تخدم الوطن والناس.
* الى متى يظل هؤلاء الذين يظنون بان الوطنية حصرا عليهم، او بانهم اكثر وطنية من غيرهم، يوزعون صكوك الوطنية على هواهم وكيفما شاؤوا مثلما كانت «صكوك الغفران» في اوروبا في العصور الوسطى، فيما هم لايعرفون من الوطنية الا بانها منافع ومكاسب ومناصب معروضة في «بازار الوطنية»»..!!
*أليس غريبا وباعثا على الحيرة ان نجد ان كثر ممن يدعون الى الوفاق والتوافق الوطني هم انفسهم وقبل غيرهم الذين يجعلون النفوس معبأة، وهم الذين يعزفون على لحن الانشطار والانقسام والخلاف، وان من يطالبون بالديمقراطية هم اول من يخرقون مبادئها ويطلقون قذائف حممهم عليها، والذين يدعون الى العقلانية هم الذين اذا لم يجدوا مشكلة اخترعوها، ولايرون ان كل مشكلة لها حل بل ان كل حل فيه مشكلة،ـ ولايجدون بان اي حل صعب لكنه ممكن، بل ان كل حل ممكن لكنه صعب، ونجد بعض الذين يدعون حب الوطن والحرص على مصلحة الوطن هم ذاتهم الذين يتاجرون بالظرف والوضع، ومن يدعون الى الوحدة الوطنية ويملؤون واقعنا ضجيجا وحماسا لها هم الذين يقوضون كل اساس لها ويجعلون حب الوطن حالة نفعية انتهازية، ومن يزعمون انهم ينبذون الطائفية ويتنكرون لها في الخطب والتصريحات، ويرجموها في خطبة جمعة او محاضرة او ندوة او يشتمونها بمقالة او بحث او دراسة او قصيدة ويشنون عليها حملة هجاء، هم الذين جعلوا من الطائفية سوقا سوداء للتكسب والتربح الشخصي، وهم الذين نجدهم هذه الايام يكمنون لافراحنا عند اول مفترق ويتسابقون لوضع العصي في وجه كل بارقة امل نحو تنقية الاجواء وتجاوز المحنة، وكأن جل همهم اعادة انتاج الازمات، ازمة تلو ازمة..
*متى يعي الجميع بان هؤلاء الذين يتكرر ذكرهم كل يوم بالصوت والصورة عبر تصريحات وبيانات ومواقف تستغل الدين والطائفة والمذهب، والمعروفة مافيها من صدق غائب وكذب وفير، وعرضوا الفكر والبصيرة للبلبلة، ومنهم من قفز الى الواجهة صال وجال كالابطال، هم الذين لامكانة لهم، ولاهيبة، ولاقيمة، ولاسطوة اذا عادت احوال البلد والناس الى طبيعتها.
*هل من المعقول ان تأتي شعبية بعض السياسيين ومن هم محسوبون على رجال الدين على حساب جراحات الوطن وجعله عرضة للنيات الخفية التي تطلق العنان للخطير من العواقب والافكار المربكة والملتبسة والمتناقضة حول الحقوق والحريات والديمقراطية والوطن والوطنية والقيم والمصالح والرهانات والاولويات والثوابت وكل شيء.
* لماذا يستمر البعض في المطالبة والالحاح باستخدام القانون حين يشاؤون ويضربون به عرض الحائط حين يشاؤون، ويفترون ويجتازون طريقهم مخترقين القانون ولا يريدون ان يعيد القانون الحق منهم للآخرين لانهم جعلوا من القانون كلمة حق يراد بها باطل، ولماذا لايدرك هذا البعض ان الذي نحتاجه هو تطبيق القانون بحسم دون ابطاء، ومباشرة دون التفاف وعلى الجميع دون تفرقة او استثناء وعلى الكبير قبل الصغير.
*هل يعي من نعنيهم وهم كثر في وزارات ومؤسسات وهيئات وشركات وبنوك ومؤسسات مجتمع مدني بان الكذب هو صورة من صور الفساد، لابل هو منبع الفساد، فالذين اعطوا لانفسهم الحق في تشويه او تزوير الوقائع او البيانات او المعلومات او الارقام في اي عمل او نشاط او تحرك سياسي او اقتصادي او اجتماعي، وقدموا البيانات والتقارير والتصريحات والمعلومات المنقوصة او المغلوطة او المحرفة، الا يدركون بانهم يمارسون فسادا مهما تحدثوا او حاولوا ان يظهروا لنا بمظهر الاستقامة والعفة والنزاهة والشرف؟!
 
حرر في 8 يناير 2013

اقرأ المزيد

انحراف الحقوق الاقتصادية والسياسية سبب ثورات الربيع العربي

أصدر البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية أمس (الثلثاء)، تقريراً يتحدث عن الربيع العربي، الأسباب والدوافع تحت إطار «المقايضة المغلوطة» بين الحقوق الاقتصادية والسياسية التي كانت سبباً في اندلاع ثورات واحتجاجات الربيع العربي، ودعا إلى ضرورة سير الإصلاحات الاقتصادية مع الإصلاحات السياسية؛ لأن غياب ذلك معناه انحراف كلي بين الحقوق الاقتصادية عن الحقوق السياسية، أي انحراف في التطور والتنمية وتكافؤ الفرص التي خرج الشباب العربي من أجلها.

ويأتي صدور التقرير- بحسب تقارير صحافية – بعد أكثر من عامين على اندلاع الربيع العربي، إذ أشار إلى أن الأسباب الكامنة وراء الربيع العربي تتضمن انحراف نموذج التنمية، وتفكك العقد الاجتماعي اللذين قام بموجبهما المواطنون العرب بمقايضة الحريات السياسية مقابل الحصول على الوظائف، والإعانات المتنوعة والتي تسمى بالمكرمات في بعض الدول أو بالاستراتيجيات المؤقتة، وتدني الضرائب والحصول على مساعدات من الدولة.

وهو ما أدى – بحسب تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة – إلى ضعف هيكليات الحوكمة الديمقراطية والاقتصادية وانحراف المحفزات الاقتصادية عن مسارها، بل وممانعة أنماط التحول الهيكلي لاستحداث فرص العمل اللائق، وهو ما يعني أن التحولات المستمرة في المنطقة العربية تبرز «المقايضة المغلوطة بين الحقوق الاقتصادية والحقوق السياسية، فعلى الإصلاحات الاقتصادية أن تتماشى جنباً إلى جنب مع الإصلاحات السياسية».

الحقوق الاقتصادية والسياسية هي جزءٌ لا يتجزأ من مطالب الشباب في الشوارع العربية، ولعل فضاء الانترنت يعكس هذه المطالب وينقل صراخها على مواقع شبكات التواصل الاجتماعي حتى اليوم، وهي بلا شك ساعدت على عرض وطرح مطالب لا يسمح بالكتابة أو التحدث عنها. فـ «تويتر» وحاليّاً «انستغرام» (صور ناطقة)، أصبحا فضاءً مناسباً إلى التعبير، بل وساعدا الناس على التواصل بين بعضهم بعضاً، وخصوصاً في أوساط الشباب والفئة التي تتمتع بوعي سياسي، بينما الأنظمة السياسية استخدمته في القذف والتشهير وملاحقة كل من يختلف معها في الرأي.

لم تكتفِ الحكومات بمقاومة مطالب الشباب بالشتم في مواقع التواصل الاجتماعي مثل «تويتر»، بل أيضاً ذهبت تقاومه بمنع المسيرات والمظاهرات من خلال اطلاق الغاز المسيل للدموع والمفرقعات الصوتية والرصاص بشتى أنواعه حتى التعرية والضرب لدرجة الموت وغيره. كل ذلك من أجل الحد من صراخ الشباب الذي ما من أحد في موقع السلطة يريد أن يسمعه أو حتى يحسن من أوضاعه المتردية في ظل استمرار سياسة تسلب المواطنة والحقوق.

إن أدوات الشباب اليوم تعد أدواتٍ ثورية للاتصال، تجلب بدورها العديد من الأصوات الجديدة والمقنعة، ولأن الشباب العربي يبحث عن مكان له في مجتمعه؛ تجده منذ حلول موجة الربيع العربي وهو ينظِّر وينظِّم ويحتج ويتظاهر، بل ويتصرف بكل شجاعة من دون خوف، لكنه لايزال متهوراً في تحديد الصورة التي يريد أن يحقق بها مطالبه الحقيقة، ولهذا نجد الثورة السياسية لا تكفي، بل يجب أن تصاحبها ثورة اجتماعية وثقافية حتى تكتمل الصورة على غرار ما حدث مثلاً في فرنسا.

لقد حذَّر هذا التقرير من أن المنطقة العربية قد تسجل أدنى معدلات النمو الاقتصادي حتى العام 2015 بالمقارنة مع جميع مناطق العالم بعد دول أميركا اللاتينية، وأشار إلى أن النسبة المتوقعة تبلغ 3.8 في المئة في شمال افريقيا و4.5 في المئة في الشرق الاوسط. ونظراً إلى استمرار النمو السكاني في المنطقة؛ لن تحدث هذه المعدلات إلا أثراً طفيفاً على الدخل الحقيقي للفرد. وارتفع عدد السكان في المنطقة من 224 مليون نسمة العام 1991 الى 343 مليون نسمة في العام 2010، أي بزيادة 53 في المئة. ولأجل بناء مسار أكثر شمولية واستدامة نحو النمو الاقتصادي؛ دعا التقرير الى تعزيز سياسات الاقتصاد الكلي لتحسين الأرباح الإنتاجية وزيادة الأجور والى التواصل والحوار الاجتماعي وإلى تعزيز الحماية الاجتماعية التي تضمن الأمن على مستوى الدخل والتوظيف. كما دعا أيضا الى تحسين الوصول الى تعليم ذي نوعية عالية واحترام الحرية النقابية وتعزيز الحكم الرشيد.

لهذا؛ فإن الشباب الذي يصرخ كل يوم في الشوارع بحاجة إلى أن يسمع من قبل الأنظمة إن كانت تريد الاستمرار؛ لأن القدرة على الاستماع قد تحدُّ من هدر المال والوقت والجهد، هذا قبل فوات الأوان، وقبل أن تتبدل الأوضاع ويخرج لنا بوضع إما أسوأ أو أفضل، فالمصارحة والتنازل أفضل أدوات المرحلة الحالية بالمنطقة العربية، والمقاومة تقتصر في عرقلة المطالب، لكن تلك المطالب لن تموت؛ لأن نبض الشارع والشباب مازال مستمرّاً إلى أن يحقق ما يطالب به، وهذا قد يكلف الكثير بعدما انحرفت الحقوق الاقتصادية والسياسية بشكل فاقم المشاكل داخل مجتمعات المنطقة، بحسب طبيعية وظروف كل مجتمع.


ريم خليفة
صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد

مسيرة بدأت ولابد أن تستمر

المدير التنفيذي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» كينيث روث كتب مقالاً قبل يومين عن الصعاب التي تمر بها البلدان العربية بعد انطلاق احتجاجات وثورات ما سُمي بـ «الربيع العربي»، وحاول الرد على القائلين إن الوضع تحول إلى الأسوأ بدلاً من الانتقال لبيئة ديمقراطية تحترم الإنسان وتفسح المجال لتنمية تليق بالإمكانات والثروات المتوافرة لبلدان المنطقة.

ولعل نظرة شاملة على مختلف البلدان تشير إلى إما انتشار أعمال الشغب والاضطرابات وانعدام الاستقرار، أو إلى انتشار ميليشيات تسيطر على مناطق واسعة كما في ليبيا، أو استمرار المذابح بلا هوادة في سورية، وبروز دور التيارات الرجعية وانتهاج الكثير من المساكين بزمام الأمور النهج الطائفي المعتمد على بث الكراهية بين الناس وتأزيم الأوضاع كوسيلة لتفريق المجتمعات ومن ثم السيطرة عليها.

المقال يشير إلى أن ما حدث ويحدث ليس مختلفاً عمّا حدث في مناطق أخرى، مثل أميركا الجنوبية، عندما بدأت تنتفض على الاستبداد وتنتقل إلى الديمقراطية، وهذا يؤكد أنه ليس من السهل إقامة النظم الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان، ولكن ينبغي أن نتذكر أن المنطقة كانت تحت فترات قاتمة من الحكم الاستبدادي الذي كان يبدو وكأنه استحكم في رقاب الناس إلى ما لا نهاية. أما الآن وقد خاطر الناس بحياتهم من أجل تحقيق الانعتاق من الخوف، ومن أجل مستقبل يختلف عن الماضي البائس، فإن المسيرة التي انطلقت من أجل تثبيت كرامة الإنسان كأساس للحياة العامة لابد أن تستمر نحو مضاعفة الجهود الإيجابية لترشيد الحراك التاريخي الذي فتح المستقبل على خيارات تختلف عن الماضي.

الجماعات التي وصلت إلى مواقع السلطة بسبب حركات الربيع العربي، كما في تونس ومصر، بدأت تدرك أن الأغلبية التي حصلت عليها في الانتخابات لا تمنحها يداً مطلقة لتفعل ما تشاء، إذ إن القانون الدولي لحقوق الإنسان (المتمثل في الإعلان العالمي والعهدين الدوليين والاتفاقيات الحقوقية الدولية) يمثل إطاراً غير قابل للتنازل عنه، وهذا يتطلب تثبيت مبادئ وقيم أساسية، مثل: أن كرامة الإنسان يجب أن تكون غير منتقصة، والتعذيب محرم، والتمييز العنصري والطائفي محرم، والمساواة أمام القانون واجبة، والحق السياسي له حدود دنيا يجب الالتزام بها، والثروات الوطنية ليست متاعاً خاصاً، والشعوب ليست قطعاناً من الغنم. المسيرة نحو تحقيق الديمقراطية بدأت، ولابد لها أن تستمر.


منصور الجمري
صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد

ناظم حكمت يعود


حين وقف الشاعر ناظم حكمت أمام المحكمة قال مدافعاً عن نفسه: “الدولة تخاف من الشعر” . عبارة صحيحة في المعنيين المباشر والمجازي . الشاعر أراد القول: لست إلا شاعراً، فلمَ تحاكمونني؟ لكن هذه العبارة ستؤسس لتوجيه تهمة إضافية إليه ب”تحقير الدولة” .

المراقبون والنقاد لاحظوا أن قراراً دورياً تجدده المحاكم تلقائياً بمنع عدد من المنشورات وآلاف الكتب من التداول في تركيا قد خلا، أخيراً، من أشعار ناظم حكمت التي ظلت ممنوعة رغم تعاقب الحكومات، العسكرية منها والمدنية .

هذا يعيد إلى الأذهان أن ناظم حكمت الذي حين يرد اسم تركيا يرد اسمه، وغالباً ما نسبق اسمه بالوصف الآتي: الشاعر التركي، لم يصبح تركياً إلا منذ سنوات قليلة، فقبل ذاك لم يكن الشاعر الذي مات في صقيع المنفى بعد سبعة عشر عاماً قضاها في سجون تركيا يحمل جنسية بلاده، حيث كانت السلطات أسقطتها عنه منذ أكثر من نصف قرن .

من يتجرأ على سجن الشاعر أو نفيه عن وطنه؟ ولكنهم يفعلون . . في شغب الشاعر وجماله أمر مقلق، ورغم أن الشاعر يسكن عادة في المخيلة، لكن مخيلة الشاعر مقلقة لأنها تنشأ على ضفاف الحلم . والحلم، كما الشعر، ممنوع حين يعم الظلام .

في شهادة لزوجته، قالت إن ناظم حكمت كان يصحو كل صباح ليذهب راجلاً إلى مبنى البريد تسقطاً للرسائل المقبلة من الوطن البعيد تحمل أخباره . وكانت تلك الأخبار زاداً وملهماً وباعثاً على الدفء في برد الروح الذي يجتاح المنفى . وفي صباح أحد أيام صيف عام 1963 خرج إلى مشواره اليومي نحو البريد، لكنه لم يعد . لقد سقط ميتاً في الشارع وهو في طريقه متلهفاً إلى رسائل الوطن .

بين الشعراء وصندوق البريد علاقة قدرية . أذكر تلك المشاهد المعبّرة في فيلم “ساعي البريد” الذي يروي جانباً من حياة الشاعر التشيلي بابلو نيرودا في المنفى بإيطاليا، عندما أدرك ساعي البريد أن من يحمل إليه الرسائل يومياً هو شاعر كبير، قال له: “أحب فتاة جميلة، وأريد أن أكتب لها شعراً”، وكان رد نيرودا بسيطاً ومكثفاً: الحب هو قصيدة شعر .

ما بال الأوطان العاقة، الجاحدة، التي تتنكر لأجمل وأعذب أبنائها، فتقذف بهم في منافي الصقيع البعيدة وتنساهم هناك على آخر وأبعد الثرى يموتون ويُدفنون؟

اقرأ المزيد

حوار سياسي.. من يحاور من؟

في المقال السابق ذكرنا أنه لا شيء أفضل من الحوار السياسي لحل المشاكل السياسية، وتطرقنا إلى متطلبات أو شروط الحوار السياسي الناجح، ولم نكن نعرف وقتها أن هناك “محاولات” أو “اتصالات” تجري بالفعل لترتيب “حوار سياسي” بين السلطة من جهة وقوى المعارضة من جهة أخرى، وهو ما تناقلته مؤخراً وبشكل خجول بعض وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.




على أي حال فإنه من الضرورة بمكان التأكيد مرة أخرى أنه لا معنى لأي حوار سياسي ما دامت آثار الأزمة السياسية سارية، ونعني سجن الشباب والسياسيين والملاحقات الأمنية ذات الطابع السياسي، وقمع الاحتجاجات السلمية، وهو الأمر الذي يتطلب الإعلان الفوري عن إنهاء ما ترتب على الأزمة من ملاحقات سياسية، وتوقف استخدام العنف المفرط لقمع التحركات الشعبية حتى تكون الأرضية السياسية والشعبية مهيأة لإنجاح أي حوار وطني جاد للخروج من الأزمة السياسية المحتدمة.


والآن لنفترض جدلا أن حواراً سياسياً بين أطراف متكافئة سينطلق قريباً، وأنه من السهولة بمكان معرفة من سيمثل السلطة فمن يا ترى سيمثل المعارضة؟


لا أحد بإمكانه الادعاء بتمثيل المعارضة السياسية بكل أطيافها، فإذا ما استثنينا محاولة إنشاء “الجبهة الوطنية” التي لم نعد نسمع صوتها لأنها على ما يبدو واجهت مشاكل تنظيمية متعلقة بظروفها وطبيعة تشكيلها، فإنه من الواضح أن المعارضة التي تضم أطرافاً سياسية مختلفة غير موحدة حتى الآن تحت مظلة سياسية واحدة رغم الدعوات الصادقة التي أطلقت لتوحيد صفوفها، وكان آخرها دعوة الشباب المدونين في الرابع عشر من الشهر المنقضي لتشكيل ما أسموه “ائتلاف المعارضة” من أجل أن “يقوم برسم خارطة الطريق وانتشال الحراك بعيداً عن فوضى الفعاليات وعشوائية الأهداف”، كما ورد نصاً في البيان.


ولكن من الواضح أن دعوة الشباب المدونين لم تلق التجاوب المطلوب من بعض قوى المعارضة، فتم تجاهلها وشوهت إعلامياً، ما أدى إلى إجهاضها في مهدها.


وحيث إن ادعاء أي طرف سياسي تمثيله للمعارضة ككل سيكون ادعاءً فارغاً ومضراً بالحراك الوطني المطالب بالإصلاح السياسي والديمقراطي، فإننا نكرر ما ذكرناه هنا أكثر من مرة بأن على قوى المعارضة كافة تحمل مسؤوليتها الوطنية في هذه المرحلة السياسية الحرجة، وتوحيد صفوفها مع عدم استثناء أي طرف من أطرافها والإعلان عن قيادتها، ثم التقدم بمشروعها السياسي المتكامل والمتوافق عليه ضمن إطار الدستور، والذي من المفترض أن يتضمن خارطة طريق الحراك الشعبي ورؤيتها الموحّدة لكيفية الخروج من الأزمة السياسية الخانقة، وتحقيق الإصلاح السياسي والديمقراطي.

 

اقرأ المزيد