المنشور

سيرة المناضل علي دويغر

فقدت البحرين صبيحة الجمعة 6 سبتمبر/أيلول 2013 أحد مناضليها
العنيدين الأشداء “علي عبدالله دويغر”  عن 74 عاما، وهو يعد احد ابرز
القامات الوطنية التي عرفت بتاريخها النضالي الحافل  ضد الاستعمار ومن اجل
العدالة والحرية والتقدم، وممن عرفوا بجسارة وصلابة مواقفهم  واسهاماتهم
المؤثرة في الحركة الوطنية  البحرانية ولم يعرفوا الإنهزام والأنكسار في
سبيل حقوق شعب أوال العظيم. 


ولد علي عبدالله دويغر وأحد أبرز مؤسسي جبهة التحرير الوطني
البحرانية “جتوب” في رأس رمان في العام 1938، توفي والده وهو لم يتجاوز
الخامسة من عمره ما اجبر والدته على الأعتناء به وإخوته ورعاية عمه محمد
علي دويغر. 


درس المرحلة الأبتدائية في المدرسة الشرقية وانهاها في العام
1950 بعدها انهى دراسته الثانوية في  مدرسة المنامة الثانوية في العام
1955، ابان ذلك تأثر المناضل الراحل بالحركات الثورية التحررية ضد
الأستعمار والأمبريالية في العديد من البلدان وعلى وجه الخصوص العالم
العربي وثورة الضباط الأحرار بمصر في العام 1952 بقيادة الزعيم الراحل جمال
عبدالناصر. 


ألهمت تلك الأنتصارات والثورات المناضل الراحل كالعديد من
شباب جيله الذين تأثروا بالأفكار الماركسية الثورية، ليحذوا هو ومجموعة من
رفاقه لتأسيس أول تنظيم سياسي سري في البحرين والخليج بتاريخ 15 فبراير
1955 تحت مسمى جبهة التحرير الوطني البحرانية “جتوب” متبنين النظرية
الثورية العلمية كمنهج لهم. 


أخذ المناضل الراحل على عاتقه ورفاقه مهام كبيرة في نشر أفكار
الجبهة ، وفضح دسائس الاستعمار البريطاني وأعوانه من السلطات الرجعية،
وعلى أثر نشاطه اعتقل هو ورفاقه في العديد من الأوقات والمراحل اولها في
العام 1964 لثمانية أشهر وتكرر ذلك ابان انتفاضة مارس 1965 المجيدة حتي تم
نفيه في العام 1968 إلى الكويت منها سافر الى السويد لأستكمال دراسته
العليا فيها. أثناء إعتقاله مكث في سجنه الأنفرادي وهو مقيد بالسلاسل
والأصفاد الحديدية لفترة طويلة . 


تم انتخابه في العام 1958 سكرتير اول للجبة داخل البحرين في
مؤتمر سري وانتخب المناضل الراحل أحمد الذوادي سكرتيراً ثانيا خارج
البحرين، وأوكلت له مهمة كتابة برنامج الجبهة وأول وثيقة تنظيم سياسي سري
في البحرين والذي صدر في العام 1961 تحت عنوان الحرية والإستقلال الوطني
والمساواة والعدل والتقدم الإجتماعي. 


شارك في العديد من المؤتمرات الخارجية لايصال معاناة الشعب
البحريني من السلطة الرجعية والأحتلال منها مهرجان الشبيبة والطلبة العالمي
الثامن في فيينا أو هلسنكي في عام 1959م كان المناضل الراحل علي دويغر
لوحده من يمثل البحرين في ذلك المهرجان وتوقيع اتفاقية مع جامعة الصداقة
بموسكو لأرسال الطلبة البحرينيين للدراسة فيها. 


عاد في العام 1973 الى البحرين ليشارك في صياغة برنامج كتلة
الشعب في برلمان 1973 ما دعى السلطات البحرينية لأجباره على مغادرة البلاد
قبل الإنتخابات بثلاث أشهر وكان قد انتهى في حينه مع زملائه من إعداد خطة
عمل ل «كتلة الشعب». 


قدم العديد من الدراسات المهمة؛ منها: 


-          الرأسمال الأجنبي والنمو السكاني. 
-          العمل في الزراعة (سياسات الاصلاح الزراعي) 
-          البيروقراطية في المرحلة الانتقالية 
-          دراسات مقارنة في الإدارة العامة في البحرين
اقرأ المزيد

بصراحة: الحرب هي الكارثة

 
الحرب هي جزء من الفكر الإمبريالي الاستعماري ، منذ صعود الرأسمالية العالمية منذ أكثر من قرنين ، وإحتلال العديد من البلدان في العالم .  بعد بروز الاتحاد السوفياتي وبعد الإنتصار العظيم على  النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية في عام 1945م، تغيرت المعادلة الدولية ،  وذلك بتصاعد دور الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى في العالم ، الذي حافظ على التوازن الدولي لعقود من السنيين،  حيث لا تستطيع الإمبريالية العالمية ، وتحديداً الإمبريالية الامريكية المتوحشة  التحكم بمصائر الشعوب والبلدان في العالم ، في ظل وجود الاتحاد السوفياتي حليفاً وصديقاً للشعوب والبلدان المناضلة ضد الاستعمار والإمبريالية ، والتواقة  للحرية  والإستقلال الوطني والعدالة الإجتماعية من نير الإحتلال والهيمنة الأستعمارية .
 بانتهاء الحرب العالمية الثانية نالت العديد من الشعوب والبلدان إستقلالها الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، وبرز دور حركة التحرر الوطني في العالم ضد الإستعمار والرجعية والدكتاتورية العسكرية والإمبريالية العالمية ، ولم تعد الإمبريالية قادرة على السيطرة  أو فرض شروطها و إملاءاتها على الدول  والشعوب المستقلة ، بل خسرت العديد من مواقعها الاستراتيجية في أكثر من دولة ، وأصبح شعار الحرية والإستقلال الوطني ، مرادفاً لشعار السلام العالمي الذي رفع ضد الحرب  بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945م، وأصبح ذلك الشعار جزء من الوعي الثقافي  والإنساني في إعلام الدول الاشتراكية ، والأحزاب الشيوعية والعمالية ، ومنظمات العمال والنساء والشباب والطلاب ، وفي مهرجانات الشبيبة والطلبة العالمية المناهضة للحرب والعدوان الإمبريالي على  أي دولة من الدول الوطنية المستقلة، في الوقت الذي كانت تدق طبول الحرب والعدوان العسكري من قبل الإمبريالية الامريكية على كوبا الاشتراكية في عام 1961م، ولكن تلك المحاولة فشلت قبل أن تبدأ ، بعد التحذير السوفياتي الصارم و القوي ، الذي أوقف المغامرة العسكرية للإمبريالية الامريكية على كوبا، وجنب العالم حرب عالمية ثالثة مدمرة .
فيما بعد عرف العالم ، الحرب الباردة ما بين المعسكرين الاشتراكي والإمبريالي ، ولكن بفضل وجود التوازن الدولي ( العسكري ) ، لم تحدث حرب نووية ، بالرغم من التهديدات الصادرة من  الطرفين بين الفينة والأخرى .          

  في ظل وجود الحرب الباردة ما بين المعسكرين الاشتراكي والإمبريالي ، حدثت العديد من الحروب الأهلية والأقليمية في أكثر من بقعة من بقاع العالم وسقط فيها الآلاف والملايين من الضحايا والجرحى ( واحدة من تلك الحروب المدمرة ، الحرب العراقية الإيرانية من 1980م إلى عام 1988م ) أسباب تلك الحروب العدوانية والعبثية مغامرات ذلك الرئيس أو القائد العسكري من هذه الدولة أو تلك ، والشعوب هي الضحية ، بعض تلك الحروب  بتأييد و بدعم من الإمبريالية الامريكية .

بأنهيار الاتحاد السوفياتي  و دول المنظمومة الاشتراكية في بداية تسعينات القرن الماضي ، أصبح العالم يتحكم فيه قطباً واحداً ( الإمبريالية الامريكية ) ، تعربد وتفرض شروطها على الدول التي لا تروق لها و لا تسير في الفلك الامريكي ، الشعوب تكون هي الضحية .               

مبدأ السلام العالمي  لا يعني للإمبريالية الامريكية شيئ ، هي تريد فرض هيمنتها وإرادتها على الشعوب والبلدان المستقلة ، والحفاظ على مصالحها ونفوذها  في المنطقة بأي ثمن كان ، كما لا تريد أن تخسر شركات صناعة الأسلحة والكارتيلات المالية والاقتصادية الامريكية . تريد أنقاذ شركات المجمع المالي والصناعي من أزمتهم المالية من خلال تشغيل المصانع الحربية وتدفق الأموال للخزينة الامريكية وأجبار الحلفاء في منطقة الخليج بعقد مزيد من الصفقات لشراء الأسلحة الامريكية والبريطانية والفرنسية المتطورة بمليارات الدولارات ، بدريعة  الدفاع عنها ، وإسقاط النظام السوري ، من خلال العدوان العسكري على سوريا ، وإضعاف حلفاء سوريا في المنطقة ( ايران ، حزب الله ) ، لا يهم الأمريكان ماذا سيحدث بعد الضربة العسكرية على سوريا في المنطقة ، من المهم بالنسبة لهم أن تبدأ الحرب ، بغض النظر عن سقوط الضحايا  من الأبرياء من أبناء شعوب المنطقة والدمار الشامل الذي ستخلفه ، يريدون تجربة أسلحتهم الجديدة في الحرب القادمة ، هم يعرفون جيداً بأن الحرب لن تحقق الحرية أو الديمقراطية أو العدالة الإجتماعية ، الحرب يعني تدمير ما تبقى من البنية  التحتية  لسوريا ( الحرب يعني الدمار والخراب ) أنها الكارثة على الشعوب والبلدان في المنطقة ، الحرب تزيد من معاناة الشعب السوري الشقيق ، المستفيد هي الإمبريالية الامريكية وحلفاءها وتحديداً اسرائيل .

من يؤيد قرار شن الحرب على سوريا لأسباب مختلفة اليوم ، سوف يندم على ذلك الموقف ، عندما تصل شرارتها لبلدانهم ، الحرب هي الكارثة .  
اقرأ المزيد

الاستبداد الشرقي



لا أحد من رواد فكر النهضة شخص العلة العربية الرئيسية بالدقة والتحديد التي شخصها بهما عبدالرحمن الكواكبي . حقاً إن في أفكار مجايليه وسابقيه ولاحقيه من هؤلاء الرواد إشارات إلى علة الاستبداد، ولكن لم يبلغ أحد آخر سواه منهم ما بلغه هو من تحديد لها، وعناية بتقصيها وبحث جذورها وأسبابها ومظاهرها، لا بل وسبل مواجهتها، للدرجة التي جعلته يضع عنها كتاباً، لن يكون بالإمكان الكتابة عن فكر الطغيان في التاريخ وفي الراهن العربيين من دون العودة إليه .


الاستبداد علة العلل، وهو، في حياتنا العربية الراهنة، مسألة حيوية حاضرة كما كان في زمن الكواكبي قبل أكثر من قرن، بل لعلها أكثر حضوراً من يومذاك . 


يقول عبدالرحمن الكواكبي “إن الاستبداد لغة هو غرور المرء برأيه والأنفة من قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة” . وبهذا التعريف فإن الكواكبي لا يشخص الاستبداد بوصفه ظاهرة سياسية فحسب، وإنما بوصفه ظاهرة عامة واسعة تغطي مساحة بمساحة المجتمع كله، عوضاً عن الفكر نفسه بوصفه الفضاء الأوسع والأكثر تعقيداً في الآن ذاته لتجلي القناعات .  لكن مركز الثقل في تصدي الكواكبي للاستبداد يبقى في دائرة السياسة، ليس جرياً وراء تحديد جزئي قاصر وإنما لإدراك منه بأن الاستبداد السياسي هو الأشد ضرراً والأكثر تأثيراً في العامة .


“المستبد – يقول الكواكبي – يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم .  ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته” .  والمستبد أيضاً “يتجاوز الحد لأنه لا يرى حاجزاً، فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم” .


ومن أكثر الإشارات إشراقاً عند الكواكبي هو ذلك التفريق النابه بين الاستبدادين الشرقي والغربي، حيث لاحظ أن المستبدين الغربيين لا يمنعون العلم إجمالاً، وإنما يحرصون على عدم إدراك الناس أن الحرية أفضل من الحياة، فهم يحاربون تعليم الناس حقوقهم حتى لا ينقلبوا على ملوكهم مطالبين بها، لكن المستبدين الشرقيين يحاربون العلم جملة وتفصيلاً، “”كأن العلم نار وأجسامهم بارود” .  ويضيف أن “الاستبداد الغربي وإن كان طويل الأمد إلا أنه يتصف باللين، أما الشرقي فإنه سريع الزوال، لكنه أكثر إزعاجاً وأشد وطأة على الرعية، وهو إذا زال يخلفه استبداد أشد وبالاً وأقوى سطوة وتعسفاً” .
اقرأ المزيد

التغيير هو الثابت الوحيد



ما الثابت الباقي وما المتغير المتحول في دنيا السياسة؟


سؤال مثل هذا يخطر على الذهن حين يجد المرء متسعاً من الوقت للتفكير في أحوال هذه الدنيا، كيف تدور وتمور، أو حين نقرأ أو نسمع عن خبر من قبيل ذاك الذي  يقول إن ألمانيا صنفت بقايا جدار برلين كآثار تاريخية، وأن الجهات المختصة ترى في هذه البقايا، باعتراف الجميع، شهادة مهمة عن التاريخ الألماني الحديث، وينبغي بالتالي الحفاظ عليها . وتوجد البقايا في الشارع المعروف باسم “برناور شتراس”، حيث تم الاحتفاظ بقطعة من الجدار بين لوحين معدنيين . 


قبل ذلك كانت السلطات قد اعتبرت أنه ينبغي التخلص تماماً وبأسرع ما يمكن من هذا الجدار الموروث عن زمن انقسام البلد، قبل أن تفطن إلى حقيقة أن التاريخ لا يلغى بازالة آثاره .


كنت قد زرت برلين في زمن انقسامها، وجلت حول هذا السور من جانبيه .  وإن كنت أنسى فإني لا أنسى تلك الساعة التي قضيتها وأصدقاء في المطعم البانورامي الذي يطوق برج التلفزيون في الشطر الشرقي من العاصمة التي كانت قد قسمت بقرار من الحلفاء الذين تقدموا إلى ألمانيا من محاور مختلفة في نهايات الحرب العالمية الثانية للإجهاز على النازية وعلى هتلر شخصياً في عقر الدار . 


من هذا المطعم بإمكانك أن ترى هذا السور، وهو يدور، الجزء الغربي من العاصمة من الجهات الكاملة، ويقطع الشارع الرئيس المؤدي إلى مبنى الرايخسناغ  البرلمان الذي لابد وأن يكون هتلر قد ألقى فيه خطبه النارية مرة أو مرات .


 كان السور يبدو حقيقة ثابتة، مطلقة لن تزول، وإذا كانت ستزول فإن ذلك لن يتم قريباً . نحن إزاء عالمين، ثقافتين، معسكرين وأمة واحد انشطرت إلى شطرين شأنها في ذلك شأن كل أوروبا التي انقسمت بفعل نتائج الحرب .


كان الجدار قد شيد على عجل في الثالث عشر من أغسطس/آب عام ،1961 حيث أفاق الألمان ذات صباح على دعائمه التي أقيمت في الليل وجعلت منه أمراً واقعاً، كان مصير من يتخطاه الهلاك، والهلاك وحده، والجدار الذي قدر من أشاده أنه سيصبح سداً منيعاً لا ينهار، انهار في صبيحة مشابهة في نوفمبر من عام ،1989 حتى قبل أن يتم عقود عمره الأربعة .


لا ثابت في هذه الدنيا . الثابت الوحيد فيها هو التغيير .
اقرأ المزيد

وأد الدولة المدنية

مهما كان الغطاء، ومهما كانت الأساليب سواءً كانت بشكل قسري كما حدث
أيام السلامة الوطنية من فصل أكثر من ثلاثة آلاف موظف من القطاعين العام
والخاص، أو بشكل شبه قانوني كما حدث في تزوير إرادة المؤسسات الأهلية، أو
حتى بشكل قانوني لا يمسه الباطل من خلال التعيينات في المناصب الرسمية
المهمة، فإن ما يجري الآن هو وأدٌ للدولة المدنية التي خلقها المواطن
البحريني عبر عطائه وإصراره وتضحياته، وخلق دولة جديدة تقوم على أسس قبلية
وطائفية، يكون الولاء فيها قبل كل شيء.

إن ما تم تحقيقه من تطور في
طريق الدولة المدنية الديمقراطية، حتى إن كان ناقصاً ولا يرضي الطموح، يتم
القضاء عليه بشكل متعمد خلال هذه المرحلة المظلمة من تاريخ البحرين.

ليس
هناك دولةٌ ديمقراطيةٌ في العالم الآن تتعمد إبعاد وتهميش المعارضين
للحكومة، فما بالك بإبعاد وتهميش طائفة بأكملها، تمثل على أقل تقدير نصف
مواطنيها، باستثناء مجموعةٍ صغيرةٍ ارتضت أن تلغي هويتها لتكون مجرد تابع،
وليس له من المؤهلات إلا الطاعة العمياء.

لا يمكن بناء الأوطان
وتطويرها وتنميتها في هذا العصر المتقدم من خلال الطاعة وحدها، وإنّما يتم
ذلك من خلال تمكين القدرات والكوادر الخلاقة والمبدعة، مهما كانت توجهاتها
السياسية أو الأيدلوجية.

ما نراه الآن من تحطيم للبنى التحتية
للمجتمع ليس فقط على مستوى المؤسسات الأهلية ولكن حتى على مستوى المؤسسات
والهيئات الحكومية، لأسباب لا يجهلها أحد، كما يحدث لمعهد البحرين للتدريب،
ينبئ عن مستقبل أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه سيكون رديئاً للأجيال المقبلة
بشكل خاص وللبحرين بشكل عام.

لا يمكن لأية دولة، أن تبنى عن طريق
الإقصاء والتمييز والتهميش، مهما كانت الظروف التي تمر بها، وإنما من خلال
احتضان جميع أبنائها بغضّ النظر عن دينهم أو طائفتهم أو موالاتهم أو
معارضتهم للحكومات القائمة، فإن الأوطان لا تختصر بحكومة أو فئة أو شخصيات
معينة.

في السابق كان إبعاد طائفة معينة عن أهم وأكبر المؤسسات
الحكومية كوزارتي الدفاع والداخلية، واللتين كان من المفترض أن تستوعبا
أغلبية المواطنين وخصوصاً المتسربين من التعليم، إلى الاتجاه بشكل معاكس،
وكان ذلك خطأ استراتيجياً مازالت الدولة تدفع ثمنه غالياً، لذلك اضطر
أغلبية هذه الفئة إلى التركيز على التعليم الجامعي أكثر فأكثر، ومن لم
يحالفه الحظ في التعليم، سعى لفتح مشروعه الخاص، ومن لم يمكنه ذلك عمل في
مختلف الوظائف المتدنية، التي لا يقبلها الشباب من الطائفة الأخرى، والذي
فتحت له الأبواب دون شروطٍ للدخول في السلك العسكري، وفي النتيجة كانت
المحصلة في صالح من تم استبعادهم حيث اضطروا للولوج في مختلف القطاعات
الاقتصادية وشغل مختلف الوظائف سواءً العليا منها أو الدنيا، ولهذا وجدت
الدولة نفسها في مشكل كبير عندما بدأت التحركات الشعبية في العام 2011
وأضرب الكثيرون عن العمل، ما هدّد بإصابة الدولة بالشلل الكامل.

وكما
أخطأت الدولة حينها في استبعاد طرف معين عن السلك العسكري، فإنها تعيد
الخطأ نفسه مرةً أخرى في الوقت الراهن، من خلال استبعادهم عن الوظائف
العليا وتهميشهم، وذلك خطأٌ فادحٌ لن تظهر نتائجه إلا في المستقبل، وربما
في المستقبل القريب جداً.

اقرأ المزيد

الأصولية بين الإرهاب والتكفير.. مرتضى القزويني مثالاً


المشكلة
الأساسية كانت ولاتزال ان الاصولية الدينية سنية كانت ام شيعية تكفيرية
اقصائية ولا تختلف في منهج التعامل مع الدين فهي تحاول استعماله كأداة لفرض
سيطرتها لاقامة سلطة دينية!






او
بالاحرى كما يقول الباحث المغربي عبدالله الحريف في بحثه «في مسألة تعامل
اليسار مع الأصوليين» تستعمل المقدس كأداة لفرض مشروع ماضوي رجعي مناهض
للديمقراطية وحقوق الانسان وخاصة حقوق المرأة ويقول ايضاً: ان الجذور
التاريخية للحركات الاصولية الدينية التي أُنشئت او استعملت عن وعي من طرف
الامبريالية وخاصة الامريكية والرجعية ضد القوى الديمقراطية والتقدمية
والاشتراكية لازالت في اغلبيتها الساحقة تعتبر أن التناقض الاساسي مع
القوى العلمانية وفي مقدمتها القوى الاشتراكية وليس مع الانظمة والطبقات
السائدة المسؤولة عن المآسي والتخلف المريع والتدهور المخيف الذي ترزح في
ظله الشعوب في البلدان العربية والاسلامية!






ورغم بعض التناقضات بين
الاصوليتين السنية الجهادية التي تطالب بالحاكمية التي تعتقد ان السلطة
ينبغي ان تستمد مصدرها من الشريعة وليس من الشعب ــ الاخوان المسلمين في
مصر وتونس مثالاً ــ والشيعية الولائية التي تتبع ولي الفقيه فإن
الاصوليتين تشتركان في تكفيرالرأي الآخر والاستقطاب الطائفي والتعصب!


ونحن حين نتحدث عن الاصوليتين أو السلفيتين
نتحدث عن الجماعات الدينية المتشددة التي تنفي الآخر.


والمقصود من هذه
المقدمة ان المتتبع لخطاب الاصوليتين يجد أنه يدعو الى التكفير وقتل
المخالفين عبر فتاوى عنيفة تؤكد على دموية الفكر لدى الطرفين!


وسط هذه
الفتاوى المحرضة على القتل او الاغتيال السياسي الارهابي اهدر دم المفكر
حسين مروة في الضاحية الجنوبية في لبنان وكذلك المفكر مهدي عامل وفي مصر
اعتدي على الأديب نجيب محفوظ وكفر الكثير من المثقفين والادباء ورجال الفكر
مثلما حدث للروائي حيدر حيدر بالنسبة لروايته «وليمة لأعشاب البحر»
والدكتور سيد القمني لكتابه «رب الزمان» وخليل
عبدالكريم لكتابه «شدو الربابة في احوال الصحابة» وليلى العثمان ود. عالية
شعيب من الكويت وكذلك كفر الكثير من نجوم السينما وفي مقدمتهم الهام شاهين
وعادل امام وغيرهم!


ويفهم من ذلك ان الحريات مصادرة باسم الدين او كما
يقول د. احمد البغدادي: ان الدول العربية بشكل عام وبسبب ارهاب الجماعات
الاصولية تشهد حرية التعبير والرأي فيها تردياً واضحاً وان المؤسسة الدينية
تمارس دوراً رقابياً متنامياً يهدد الفكر والثقافة».


ويجدر ايضاً
الاشارة هنا الى الاغتيالات السياسية والتصفيات الجسدية التي اقدمت عليها
الثورة الخمينية ابان اندلاعها 1979 حيث
طالت تلك التصفيات حلفاء الثورة من ديمقراطيين ويساريين وتقدميين وشيوعيين
وكل مخالف لفتاوى محاكم التفتيش الايرانية ولا يختلف الامر بالنسبة
للاخوان المسلمين الذين قاموا بأكبر واخطر جرائم القتل بحق الشعب المصري.


وفي
اطار الفتاوى التكفيرية يردد اليوم في العراق وعلى لسان رجل الدين العراقي
الطائفي مرتضي القزويني ــ عبر قناة الانوار الطائفية ــ دعوة تحريض على
قتل الشيوعيين في العراق وفي كل بقاع الارض!! ومرجعية هذه الفتوى المعادية
للتعددية السياسية والحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان المرجع «محسن
الحكيم» المعروف بعدائه ضد
الشيوعية والتي قال عنها اثناء حكم عبدالكريم قاسم «الشيوعية كفر والحاد»
فكيف ندهش من داعية عرف الفشل منذ بدء حياته!


كيف تدهش من رجل دين لم يتردد يوماً في بث الكراهية وسموم الطائفية بين ابناء الشعب العراقي الواحد!!


كيف ندهش من اصولي متشدد موالٍ لطهران لا لبغداد؟


كيف
ندهش من داعية عدواني او كما كتب عنه الكاتب المستنير «سلام ابراهيم عطوف
كبه» في مقال نشر في موقع الحوار المتمدن عنوانه «مرتضى القزويني يكافح
الارهاب عبر قتل الشيوعيين والنفس المطمئنة» السيد مرتضى القزويني رجل دين
وخطيب حسيني وعدواني زمرت وتزمر له القنوات
الفضائية الطائفية الشيعية ومنها قناة الأنوار القذرة! وهو الذي فشل في
دراسته بجامعة الازهر في مصر خمسينيات القرن المنصرم فاضطر للعودة الى
كربلاء ــ مسقط رأسه ليلتحق بالحوزة العلمية فيها واستهل نشاطه السياسي
بالتطبيل واذاعة فتوى المرجع محسن الحكيم المعروفة ضد الشيوعية!


اعتقله
الزعيم الوطني عبدالكريم قاسم في بغداد بتهمه التخريب ومناهضة الجمهورية
العراقية الفتية! ومنذ عام 1971 حتى عام 1980 اقام في الكويت لينتقل بعدها
حاله حال زبانيته الى ايران الا انه هاجر الى امريكا عام 1985 وتجنس فيها
ويؤسس هناك مشاريع تلو المشاريع!».


ويضيف
«عطوف»: ينبغي ان تقوم القوى الديمقراطية العراقية ومؤسسات المجتمع المدني
في بلادنا هذه الايام بحملة ادانة لتصريحات القزويني والمطالبة بمحاكمته
وغلق قناة الانوار الفضائية الطائفية».


وهذا ما يجب ان تقوم به القوى
الديمقراطية واليسارية والشيوعية وكل الاقلام الشريفة تجاه الارهاب الأصولي
التكفيري الذي يدعو الى قتل المخالف سواء كان هذا الارهاب منبعه طهران او
القاعدة او الاخوان او اي نظام عربي مستبد


اقرأ المزيد

لماذا تمثيل الحكم في الحوار؟

بغض النظر عن أصل الحكم، إن ترقى من الشعب، أو جاءنا خبيراً.

أولاً
ليكن واضحاً مدلول الحكم وطرفه، وليكن واضحاً مدلول مفردة نظام الحكم،
ومفردة الدولة ومفردة الشعب، كما وردت في الدستور (1973 و2002 وآخرها
تعديلاته 2012) بالنص التالي:

المادة 1: «…، حكم مملكة البحرين
ملكي دستوري وراثي، وقد تم انتقاله من المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل
خليفة الى ابنه الأكبر الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد.».

«تنظم سائر أحكام التوارث بمرسوم ملكي خاص تكون له صفة دستورية، فلا يجوز تعديله إلا وفقاً لأحكام المادة 120 من الدستور.

نظام الحكم في مملكة البحرين ديمقراطي السيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور».

المادة
4: «العدل أساس الحكم…، والحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والعلم
والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها
الدولة».

فالفقرة الأولى من المادة 1، شخصت الحكم بالوصف الملكي
الدستوري الوراثي، وشخصت طرفه في انتقاله من (الأمير، بحكم كونه أمير دولة
البحرين) الشيخ عيسى بن سلمان إلى ابنه الأكبر (الأمير، بحكم كونه أيضاً
أمير دولة البحرين) الشيخ حمد بن عيسى، وهو ذاته ملك البلاد من بعد الميثاق
في تحوّل دولة البحرين من إمارة الى مملكة.

وحكمت الفقرة الثانية،
أحكام توارث الحكم الملكي، بمرسوم ملكي خاص، (وهو وثيقة دستورية ليست واردة
في الدستور، فنصها قائم بذاته في نصها، ولها إشارة في الدستور، والقرار
فيها وفي صياغة أحكامها، حق خالص للملك الممثل للحكم ورئيسه كما ورد في
الفقرة الأولى، ومن بعد إكساب هذه الوثيقة الصفة الدستورية، ولكن بمعزل عن
نص الدستور أو هي إضافة إليه، أحال نص الدستور جواز تعديل هذه الوثيقة بناء
على نفس الآلية المتبعة لتعديل الدستور.

ثم تأتي المادة 4، في
جملتها الأولى، لتشترط العدل أساساً للحكم، بمعني أن هذا الطرف وهو الحكم،
يتوجب اتصافه بصفة العدل الأساسية، أو بمعنى محتمل آخر، أن الحكم متوجب
عليه في نظام حكمه، بلا إعفاء من ذلك، أن يحكم بالعدل بين الأطراف، وهذا
يتوجب نشاطه بالعمل بذلك، وليس أن يترك الأطراف تتقاتل، في إهمال لحقيقة
وصفه ودوره فيما بين الأطراف الأخرى، والمشروط بتوفير الحرية والمساواة
والأمن والطمأنينة والعلم والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين،
كل ذلك باعتبارها دعامات للمجتمع، الموصوفة مكوناته بالمواطنين التي هي صفة
لكامل أفراد الشعب، دون تفرقة. لتنتهي المادة 4 بالإشارة إلى مكوّن من
مكوّنات المجتمع، وهو الدولة، ودورها في كفالة كل ما أورته المادة من أحكام
وشروط.

وللعلم، فإن لمفردة الدولة معنيين، الأول سياسي وهو الحكومة
أو القائمون على إدارة شئون الدولة، وفي معناها الاجتماعي المتضمن معناها
الجغرافي أيضاً، وهو الأرض وما يحيطها من مساحات مائية وما يطويها من
أجواء، وما ومن على سطحها وفي باطنها من بشر وثروات.

والفقرة الثالثة
من المادة 1، تقرّر نصاً، أن «نظام الحكم، (وفيها ورد نظام الحكم وليس
الحكم، وهناك فارق مهم بينهما)، في مملكة البحرين ديمقراطي السيادة فيه
للشعب مصدر السلطات جميعاً…»، وهنا واضح أن الحكم أو الحاكم هو طرف غيره
الشعب، وغيره الأطراف الأخرى التي تنبثق من الشعب في السلطات من السلطة
التنفيذية (الحكومة) والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، وهو غيرها
التوليفات الأخرى المنبثقة بدورها من الشعب، في الجمعيات السياسية ومؤسسات
المجتمع المدني، الممثلة لأطياف شعبية مختلفة الفكر والرؤى، وهو أي الحكم،
غيره الطوائف الشعبية العقيدية، في الأديان والمذاهب. ما يجعله، أي الحكم
أو الحاكم، بغض النظر عن اقترابه أو ابتعاده عن أي طرف شعبي كان، يتوجب أن
يكون متوسطاً بين هذه الأطراف بالمعيار الأساس وهو العدل، المشروط اتصافه
بتحقيق الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص… إلخ، بما ورد في الفقرة.

فمن
يختلف في قراءة نصوص الدستور المعنية، ليختلف حول ضرورة ووجوب الدور
المحوري للحكم المتمثل في المؤسسة الملكية، في فعالية الحوار الوطني
القائم؟ ومن يختلف حول وهمية أو حقيقة جزئية التمثيل الشعبي في الحوار، كما
هو موكول إلى أطراف غير كاملة التمثيل الشعبي، لا في تعداد أطرافها ولا في
جمعها؟ ومن يختلف في أنه طالما تم تمثيل الحكومة (السلطة التنفيذية) وفي
تمثيل مجلسي الشورى والنواب (السلطة التشريعية) فلِم لَم تُمثل السلطة
القضائية، ليكتمل تمثيل السلطات؟ وطالما تم تمثيل الجمعيات السياسية، في
تعارضها واختلافاتها، فلِم لَم تُمثل مؤسسات المجتمع المدني الاقتصادية
والاجتماعية والإدارية والنسوية والشبابية؟ ولِم لَم تمثل جهات القطاع
التجاري والعمال؟ ولِم لَم تمثل القطاعات الأخرى من الأطباء والممرضين
والمهندسين والمدرسين… إلخ؟

لنخلص إلى، إما تحقيق وصف الحوار
بالوطني البحريني، بتمثيله لكافة الأطراف الوطنية وأولها تمثيل الحكم، وإما
تصحيح تسميته إلى الحوار السياسي البحريني، مع أن تسمية السياسي، ماسّة
بالوجوب لكل أفراد المواطنين، ولكن عبر ممثليه السياسيين، المتوجب انتخاب
الشعب لهم.

اقرأ المزيد

علاقة الأميركان بالإخوان – عبدالله النيباري

كان مثيراً للدهشة وقوف الولايات المتحدة الأميركية
وحلفائها، من الدول الغربية، ضد ثورة الشعب المصري التصحيحية في 30 يونيو
2013، وانحيازهم للإخوان، بدعوى انحياز الجيش للحركة الشعبية المطالبة
بتنحية الرئيس مرسي وإسقاط حُكم الإخوان ومشروعهم في أخونة الدولة، بعد
خروجها عن الأصول الديموقراطية.

وقد تذرَّعت أميركا وحلفاؤها بعدم جواز تدخل الجيش
لإسقاط رئيس جمهورية جاء عن طريق الانتخاب، من دون الأخذ بعين الاعتبار
مخاوف المصريين من أن استمرار مرسي في الحُكم ومضي الإخوان في أخونة الدولة
سيؤديان إلى اغتيال الديموقراطية، تطبيقاً لمقولة «ديموقراطية مرة واحدة»،
كما تعكسه تجارب الأنظمة التي استولت على السلطة بستار الدين.

فقد طالبت أميركا بإطلاق سراح مرسي وزعماء الإخوان
المحتجزين، تحت طائلة دعاوى قضائية ضدهم، وما لم تعبّر الإدارة الأميركية
عنه صراحة، قامت بتلك المهمة وسائل الإعلام الغربي.

تفسير

ما هو إذن تفسير هذا الموقف؟ هل يمكن أن نصدق أن أميركا وحلفاءها أصبحوا أنصاراً للديموقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط؟

لم يكن معهوداً من المعسكر الغربي حرصه على التطور
الديموقراطي في الدول النامية، وموقفه في هذا الشأن معروف، والتجارب
التاريخية مفجعة، مع استثناءات قليلة، فحلفاء أميركا في الدول النامية
تجمعهم صفة الاستبداد والانفراد بالسلطة والاعتماد على قوى الأمن لخنق
الحريات وحقوق الإنسان، وصد أي خطوة للتطوُّر الديموقراطي.

فأميركا ومخابراتها هي مَن هندس إسقاط حكم «ايندي»
رئيس تشيلي، الذي جاء عبر الانتخابات عام 1973، ومن الصدف أن تكشف أوراق
المخابرات المركزية الأميركية (CIA) عن دورها في إسقاط حكومة مصدق في إيران
عام 1953، والتعاون مع الجنرال زاهدي لعودة شاه إيران.

وأميركا تحالفت وتعاونت وسكتت عن الأنظمة السياسية في
المنطقة العربية التي صادرت حقوق الإنسان، وخنقت الحريات، حتى في حدودها
الدنيا، ودع عنك تأييد التطوُّر الديموقراطي.

جذور العلاقة

فما سر موقف أميركا وحلفائها وهذه البكائية على ديموقراطية الإخوان وصندوق الانتخابات الذي أوصل مرسي إلى الرئاسة؟

تفسير ذلك يكشفه تطوُّر علاقة الأميركان بالإخوان،
فجذور هذه العلاقة تمتد، تاريخياً، إلى عقد الخمسينات من القرن الماضي،
عندما اتجهت المخابرات الأميركية للبحث عن حلفاء لاستخدام راية الدين
الإسلامي ضد المد الشيوعي، ووجدت ضالتها، آنذاك، في شخص «سعيد رمضان»، الذي
تولت أميركا تمويل مشروعه، بإنشاء الرابطة الإسلامية العالمية في ميونخ
(في ما فرف بمسجد ميونخ)، ورتبت له مقابلة الرئيس آيزنهاور، عبر دعوته
لمؤتمر نظّمته في جامعة برنستون العريقة حول الإحياء الإسلامي الذي تم
تمويله عن طريق شركة نفط عاملة في دولة خليجية، ورتبت المخابرات لسعيد
رمضان وبعض الحاضرين في المؤتمر زيارة إلى البيت الأبيض لمقابلة آيزنهاور،
وشجّع هذا اللقاء إدارة الرئيس الأميركي ووزير خارجيته جون فوستر دالاس على
الموافقة على دعم الإخوان ضد النفوذ السوفيتي في مصر بزعامة الرئيس
عبدالناصر.

تجدد التعاون

كان ذلك في عقود ماضية، وفي مطلع القرن الحالي، عادت
الجهود لإحياء تلك العلاقة، التي كان من مؤشراتها توافر معلومات عام 2005
عن تطور اتصالات بين الإخوان والأميركان، كان يقوم بها خيرت الشاطر وعصام
العريان، والتي كانت تدور حول تحديد موقف جماعة الإخوان من القضايا
الراهنة، آنذاك، وقد حققت نجاحاً في التزام الإخوان بالأمور التالية:

1 – التعهد بعدم تغيير خارطة المنطقة سياسياً.

2 – التعهد بالحفاظ على كل المعاهدات والاتفاقيات (كامب ديفيد).

3 – تقبل وجود إسرائيل بالمنطقة.

4 – تعهدهم بالحفاط على النظام الحاكم (نظام حسني
مبارك)، وعدم خلخلته، دستورياً أو شعبياً، وتدعيم الحوار مع الحزب الوطني،
والتنسيق معه في القضايا الكلية، ولا مانع من الاختلاف في الفرعيات.

5 – أن يقوم الأميركان بدعم الديموقراطية في المنطقة.

كان مناخ الحوار بين الإخوان والأميركان يتجه نحو
مساعدة الإخوان للوصول إلى الحُكم عبر الانتخابات، باعتبار أنهم التنظيم
السياسي الأكبر الذي يملك تأييداً شعبياً واسعاً وانضباطاً حزبياً منظماً.

ومن جانبهم، برر الإخوان هذا الموقف بأنهم يملكون
فكراً، ولكن هذا الفكر يظل نظرياً، ولكي يصبح واقعاً، فلا بد أن تسانده
قوة، وأفتوا بأنه يجوز الاستعانة بـ«كافر»، في سبيل الوصول إلى الحق.

لقاء القاهرة

في أبريل 2007، جرى لقاء بين زعيم الأغلبية في مجلس
النواب الأميركي ستيني هوير بالإخوان المسلمين في القاهرة، وكان اللقاء
الأول مع محمد سعد الكتاتني، بصفته زعيم كتلة نواب الإخوان في البرلمان
المصري، بعد حصولهم على 80 مقعداً في انتخابات 2005، ثم تبع ذلك مقابلة
أخرى في منزل السفير الأميركي في مصر فرانسيس ريتشاردون، ولما أثارت هذه
المقابلة تساؤلات وانتقادات في الكونغرس الأميركي، صرَّح مسؤول في سفارة
أميركا بالقاهرة بأن مقابلة السيد هوير مع الكتاتني لا تعبّر عن تغيير في
السياسة الأميركية تجاه جماعة الإخوان، وأن اللقاء تم بصفتهم أعضاء في
البرلمان المصري، وهو أمر لا يتعارض مع سياسة الحكومة الأميركية.

عهد أوباما

بعد نجاح الرئيس أوباما عام 2008، بدأ مد حبال العلاقات
الودية مع العالم الإسلامي، وتمثل ذلك في خطابه بالقاهرة، ومد يد الصداقة
للبلدان الإسلامية، وانعكس ذلك في تطوير علاقة الإدارة الأميركية مع
الجمعية الإسلامية في أميركا الشمالية، وهي امتداد لنشاط مسجد ميونخ في
ألمانيا، الذي أنشئ في الخمسينات، وازدهر نشاط الجمعية بتعدد فروعها. ومن
مظاهر تطوير العلاقة، دعوة رئيسها إلى حفل تنصيب الرئيس أوباما عام 2007،
وإرسال مندوب مهم من البيت الأبيض لحضور مؤتمر الجمعية عام 2009.

وفي فبراير 2011، قدّم السيد جيمس كلابر شهادة أمام
لجنة المخابرات في الكونغرس، أشاد فيها بموقف جماعة الإخوان المسلمين
المعتدل، الذي يدين العنف ويستنكر أعمال القاعدة. ولما ثارت ردود أفعال
سلبية تجاه هذا التصريح، تولت السيدة هيلاري كلينتون إعطاء مزيد من
التوضيح، قائلة إن إدارة الرئيس أوباما استمرت في اتصالات مع جماعة الإخوان
المسلمين التي كانت موجودة من قبل لأكثر من خمس سنوات، وأنه من مصلحة
الولايات المتحدة أن تكون لها علاقات مع كل القوى السياسية التي تلتزم
العمل السلمي وتنبذ العنف، وأشارت كلينتون إلى البحث الذي نشرته مجلة
الشؤون الخارجية الفصلية.

وكانت هذه المجلة نشرت بحثاً ضمنته نتيجة اتصالات قامت
بها مع جماعة الإخوان المسلمين وفروعها في البلاد العربية وفي أميركا
والولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا.

واستنتجت من هذا البحث أن جماعة الإخوان المسلمين هي
أكبر جماعة إسلامية وأوسعها انتشاراً وأقواها تأثيراً، وأنها منظمة تميل
إلى الاعتدال، وعنونت البحث المنشور في عدد مارس/ أبريل 2007، بــ «الإخوان
المسلمون المعتدلون».

بناء على ذلك، يمكن الاستنتاج أن هذا المشوار الطويل
من العلاقات أدَّى إلى تبلور موقف السياسة الأميركية في المراهنة على
الإخوان المسلمين، كقوة سياسية لها انتشار واسع في البلاد العربية
والإسلامية، وعلى مستوى العالم، وأن التحالف معها قد يكون الطريق الأسلم،
لمواجهة المنظمات الإسلامية التي تتبنى العنف وسيلة للتغيير.

لذلك، كان موقف الإعلام الأميركي بعد تسلم مرسي الرئاسة
هو الضغط على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، برئاسة محمد حسين طنطاوي،
بضرورة الاستعجال في تسليم السلطة للرئيس المدني المنتخب ديموقراطياً.

عبدالله النيباري 

اقرأ المزيد