المنشور

مستقبل التيار الديمقراطي الرهانات والآفاق




 
 
مستقبل التيار الديمقراطي الرهانات والآفاق




الحلقة الثامنة – الجزء الثاني
علي الحداد 

  


 

 
رفيقنا الكاتب  جاسم الحلفي يكمل معنا تصوراته حول مستقبل التيار العراقي الرهانات و الآفاق  التي  بدونها لا تكتمل الديمقراطية ولا يكتمل التيار الديمقراطي ومن ضمنها الضمان الإجتماعي وحرية التعبير وتوفير المعلومة للمواطن بالإضافة الى التحديات الأخرى مثل التحديات الهيكلية  


الضمان الأجتماعي:-

لا يمكن تجزئة الديمقراطية أو حصرها في الحقوق السياسية والمدنية، فالحقوق الأخرى كالاقتصادية والإجتماعية هي جزء أساسي مكمل  للديمقراطية.

فالدفاع عن المطالب الأجتماعية ووضع حماية لها مثل الفقر وعدم توفير الحد الأدنى من الوسائل المادية، وغياب قانون يكفل حق المواطن في الضمان الاجتماعي وتوفر للأسرة  العيش الكريم في حال الشيخوخة والمرض والعجز عن العمل والتشرد كلها مطالب مرتبطة  بالديمقراطية الاجتماعية المكملة للديمقراطية السياسية.

وغياب التشريعات المنظمة في هذا الجانب تعتبر تحدياً يواجهه التيار الديمقراطي في بناء الديمقراطية.


حرية التعبير وإتاحة المعلومة للمواطنة:-

من حق المواطن أن تتوفر له المعلومات وعلى الدولة المسؤولية الكاملة في توفيرها . و من حق المواطن أيضا  أن يبوح بما يراه مناسباً ولذا من الضرورة وجود ميثاق عمل اعلامي يؤمن ممارسة حرية الرأي والفكر والنشر والحق وممارسة الرقابة الشعبية في اطار الدستور، واحترام عمل المؤسسات الثقافية واستقلاليتها وحصولها على المعلومات بدون معوقات، ما دامت ضمن الاطر القانونية المسموح بها بينما لا زالت السلطة بأجهزتها تمارس موروث السرية والكتمان، وربما التذرع بحجة الوضع الأمني، مما يضعف الثقة وتصبح من المعوقات والتحديات ضمن التحول الديمقراطي . 
  
تحديات هيكلية:-

ازدادت قوى التيار الديمقراطي التي تبنى برنامجه من قوى سياسية وشخصيات مستقلة وشخصيات وطنية ليبرالية لها رؤية فكرية مشتركة فلا بد من وضع هيكلية تتناسب مع العدد المتضاعف من  المنتمين لهذا التيار ومن أجل نهضة هذا التيار لا بد من ذكر التحديات المرتبطة بالهيكلية.


أ)  اشكالية التعامل بين الاحزاب والمستقلين في اطار التيار:-


وجود التيار الديمقراطي مرتبط بالأحزاب، والأحزاب مرتبطة بقانون ينظمها والقانون مرتبط بوجود الديمقراطية فكل هذه العناصر ببعضها البعض هي أساس لبناء التيار الديمقراطي ، وبينت التجارب بأن التيار الديمقراطي لا يمكن أن يأخذ مداه وينشط ويكون جاذبا للشخصيات المستقلة، دون أن تمثل هذه الشخصيات في أطر وهيئات التيار  وقيادته ، إذ يعد عضوا في التيار كل حزب أو منظمة أو شخص مستقل ، يوافق بإشعار منه على برنامج التيار ونظامه الداخلي ، مع إيجاد صيغ تؤمن وجود الشخصيات المستقلة في قيادة التيار وأطره التنظيمية، فقد جاءت في المادة الخامسة من النظام الداخلي في البند ثالثا (المكتب التنفيذي )  في نصه
(يضم المكتب التنفيذي، منسق اللجنة العليا، وممثلي الأحزاب والإتحادات وعدد مساو من الشخصيات المستقلة، يتم إنتخابهم من قبل أعضاء اللجنة العليا للتجمع، على أن لا يقل عدد أعضاء المكتب عن  سبعة أعضاء ).
 
ب)  نخبوية التيار وجماهيريته :

لا يمكن أن يكون للتيار الديمقراطي مستقبل، دون أن يكون له وجود جماهيري مؤثر، وهذا لا يمكن أن يكون بشكل مفاجيء أو نعمة منزلة من السماء على طبق من فضة دون أن يكون لهذا التيار نشاطه الملموس والمحسوس من قبل الجماهير والتي بدورها تتبنى هذه البرامج وتحوله إلى واقع عملي تجسده الجماهير في الشارغ العراقي، ولهذا نقول لا يمكن تكوين مستقبل للتيار الديمقراطي بدون جماهير تلتف حوله،.
 
ت)  إستثمار دور الشباب في إطار التيار :

إنحسار الشباب عن العمل السياسي وخاصة بعد سقوط النظام لأسباب عدة منها تشويه الحياة الحزبية والتي أنحصر مفهومها لدي العديد من الشباب في باب الحصول على الوظيفة العامة، وفرصة العمل، والتقرب من أصحاب النفوذ بينما كانت قبل التغيير تعني  الإنضمام الإجباري حيث فقدت عنصر التطوع والرغبة الشخصية، وفي الظرف الحالي مع غياب قانون تنظيم الأحزاب، والتكتل السياسي على أساس المحاصصة الطائفية أبعدت الشباب عن العمل الحزبي بالإضافة إلى أسباب أخرى مرتبطة بالتيار الديمقراطي لعدم خلق أجواء للعمل الشبابي ، وعدم إجتذاب الشباب .
 
ث)  وضع المرأة في إطار التيار :

المشاركة الفعلية للمرأة في التيار الديمقراطي ضعيفا مقارنة بعدد النساء ونسبة تمثيلهم السياسي، والسبب هو ضعف المبادرة وقلة الإهتمام بالمرأة، وعدم الإكتراث بدورها، علما بأن مشاركتها السياسية أصبحت دستورية. لذا لا بد من أخذ المبادرة من التيار الديمقراطي في تشجيع المرأة وتمثيلها في القيادة العليا للتيار وتطبيق الكوتا النسائية كنسبة تضمن وصول المرأة إلى المناصب العليا، وأن دل على شيئ فهو إيماننا المطلق في التيار الديمقراطي  بدور المرأة في الحياة التنموية .
 
ج)  تنوع الأساليب التنظيمية وتجديدها :

لا زال التيار الديقراطي يمارس أساليب العمل التقليدبة والتي عفى عليها الزمن بالرغم من فاعلية هذه الأساليب ولكن ضرورة التجديد المستمر المرتبط بالزمان والمكان، مع روح العصر الجديد وأهمية التنوع في الأساليب التنظيمية ، وأساليب الحشد التنظيمي، وتطوير النشاط الجماهيري، وتعزيز العلاقات بالناس صاحبة المصلحة في التحول الديمقراطي، وتبني مطالب الجماهير اليومية ورفع مستواها الإجتماعي ، من خلال وسائل إعلام التيار الديمقراطي وإمكانيات القوى والشخصيات التي تعمل في إطاره، والعمل في الإشتراك في المنظمات والإتحادات والقيام بالمبادرات والحملات وفق الدستور، مع التأكد على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للمنظمات والإتحادت والنقابات.
 
ح)  مواصلة توحيد قوى وشخصيات التيار الديمقراطي في إطار تنظيمي مرن:

إذا كان الظرف الموضوعي ساهم في ضعف التيار الديمقراطي، فالظرف الذاتي أيضا أثر في إضعافه من حيث التشتيت والإنقسام وحب التزعم والتحسس من الآخر، ويبقى الرهان على الشخصيات من داخل التيار لتوفير أجواء صحية للعمل المشترك بشرط عدم التحسس من عنصر جديد سواء كان حزبي أو شخصيلت مستقلة بكونه ملتحق إلى  التيار وليس مساهم في وضع إطاره .
 
خ)  التيار بين الوحدة والتنوع :

وجود أحزاب وتيارات متعددة ضمن التيار الديمقراطي تلتقي ببرنامج عمل مشترك لا يلغي التنوع الفكري والسياسي والتنظيمي للتيار،فكل هذه التيارات تحتفظ بكياناتها وتخدم إستقلاليتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، إلا فيما يخل بالتزاماتها بموجب برنامج التيار ونظامه الداخلي . 
  
 د)  شبكة المعلومات والتواصل :

الإعتماد على البيروقرطية التظيمية تمثل الجمود، كما قالها إبن الشعب البلغاري العظيم ديمتروف  من يعتقد  أنه بلغ المعرفة حدها الأقصى، فليعلم بأنه واقف والحياة تسير، فلا يمكن للتيار أن ينشط ويتواصل ما لم بكن متفاعل ومشارك ضمن التواصلات الإجتماعية الحديثة التي ساهمت  وسهلت  التواصل ما بين الجماهير العربية في آبان الربيع العربي عبر الإنترنت والواتسب والفيس بوك والتويتر وغيرها من التقنيات التي لا بد من عناصر التيار وقيادته التفاعل معها وهذا ما يشهده العالم الحديث من تحولات في عالم الإتصالات .

أعتقد من قراءة  هذه الحلقات التي تم تقديمها من قبل رفيقنا جاسم الحلفي  تعطينا تصور عام عن كيفية بناء التيار الديمقراطي في البحرين من حيث الهيكل التنظيمي والنظام الاساسي واللوائح الداخلية مع الإستفادة من تجربة رفاقنا العراقيين والتحديات التي واجهتهم . 
  
  
  
    

اقرأ المزيد

” جتوب ” ستون عاماً


في عشية إحتفالات المنبر التقدمي بالذكرى الستون لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية والتي تصادف 15 فبراير عبّر الشاعر عبدالصمد الليث عن إعتزازه بهذه الذكرى المجيدة في تغريداته الابداعية على مراكز التواصل الاجتماعي هنا نصها:


 


 


 



” جتوب ” ستون عاماً

سـلامٌ على عشقِ أرضِ الخـلـودِ
             سـلامٌ على سربِ صدقِ النشيـدِ

سـلامُ على شمسِ ليـلِ الـدجى
            ” جـتـوب ” النضالِ بحفظِ العهودِ

“جتوب” الشعب جذَّرها النضالُ
            وصاغت إسمَ بـنيـتِـها “أوالُ”

يـؤطِّرُها من الـعـمـّالِ فـكرٌ
            وتـجلوها الحرائرُ و الرجالُ

مضت سـتّـون و الدنـيـا سجالٌ
            ونـقـضُ الـنـقضِ زاولـه نزالُ

تموضعت الجراحُ ففي المنـافي
            وفي قيـدِ النـجـومِ لهـا مثـالُ

‏وضـجَّ العشقُ بالرايـات حمراً
            ومن خفـقِ القـلوبِ رنـا مآلُ

ورنـّاتُ المطـارقِ في حـياةٍ
            بها تزهو المطالـبُ إذ تُـنـالُ

‏يـعود العيـدُ في نورِ الـثريـّا
            بـوحدةِ ما ابتدى عملاً مقـالُ

رفـيـقـاتٌ يشاطرهُـنَّ عزمـاً
            رفـاقٌ مـنهـُمُ طابـت خصـالُ 


الشاعر عبد الصمد الليث
 
 

 

logo-60-BNF2.png

 


اقرأ المزيد

كلمة الأمين العام في الحلقة الحوارية “مستقبل اليسار في البحرين والخليج العربي”


 
ضمن احتفالات المنبر التقدمي بالذكرى الستين لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية أقام التقدمي حلقة حوارية لاعضاءه حول مستقبل اليسار في البحرين والخليج العربي.
كان المتحدثين فيها الأمين العام السابق للتقدمي الدكتور حسن مدن ونائب الأمين العام عبدالجليل النعيمي وعضو التيار التقدمي الكويتي أحمد الديين.
تناولت الحلقة النقاشية تحليل لليسار في الوضع الراهن بالنسبة للبحرين والوطن العربي والتحديات التي يواجهها ثم تطرقت الحوارية إلى الآفاق المنظورة لإعادة الحيوية إلى اليسار وتعزيز تواجده.
 
 
وفيما يلي كلمة الامين العام “للتقدمي” الرفيق عبدالنبي سلمان في إفتتاح الحلقة الحوارية:

 
الرفيق المناضل أحمد  الشملان
 الرئيس الفخري لمنبرنا التقدمي  

 ضيوفنا الكرام
الرفيقات والرفاق،،
 اسعدتم صباحا،،

نشكر لكم حضوركم  في هذه الحلقة الحوارية الفكرية التي ارتأينا أن نفتتح بها  سلسلة فعاليات احتفالات حزبنا بالذكرى الستين، والتي تنعقد تحت عنوان ( مستقبل اليسار في البحرين والخليج العربي)، بمشاركة مجموعة متميزة من رفيقاتنا ورفاقنا من البحرين والكويت متفهمين اعتذارات وظروف بعض رفاقنا من المملكة العربية السعودية.  

 الرفيقات والرفاق ،،

تنعقد هذه الحلقة الحوارية الفكرية والحراك المطلبي في البحرين يدخل  اليوم عامه الرابع ولا زالت مطالب شعبنا التي ناضلت من أجلها أجيال متعاقبة مطروحة بكل قوة،  وفيما يستمر حراكنا الوطني وتزداد تعقيداته محليا واقليميا، تستمر قوى اليسار في طرح معالجاتها ورؤاها وسط ظروف اقل ما يقال عنها انها بائسة واستثنائية، ووسط تراجعات مخيفة على مختلف المستويات والصعد تشهدها الساحة السياسية، وانقسامات مجتمعية فئوية ومذهبية وطائفية حادة تعصف بنا، تغذيها نزعات التطرف والاستبداد وسطوة قوى التخلف المدعومة من قبل جهات وشرائح لها مصالح في جر بلداننا الى الوراء والانقضاض على ما تحقق من مكتسبات محدودة ناضلت لأجلها أجيال متعاقبة من رجال ونساء هذه المنطقة الحيوية من العالم التي تشهد راهنا تدخلات اقليمية ودولية غير مسبوقة.  لهذا تأتي أهمية توقيت عقد حلقتنا الفكرية هذه حول مستقبل اليسار في المنطقة، والتي نرى انها بالفعل تكتسي اهمية قصوى تستدعي استنهاض دور قوى اليسار في منطقتنا والعالم والبدء في عمل المراجعات المطلوبة لمكامن قوتنا وضعفنا وتجديد وتقويم أدوات ووسائل نضالنا نحو عالم خال من التخلف والاستبداد والدكتاتورية ونحو تعزيز دور طبقتنا العاملة لبناء مجتمعات منفتحة على روح العصر ومضامينه الانسانية والحضارية.

انها مسؤليتنا جميعا في التفكير بمسؤلية وطنية في كيفية استنهاض عوامل القوة في مجتمعاتنا وأوطاننا وسط كل هذا الدمار والتخلف الحضاري والاستبداد، للاسهام بالفكر التقدمي النير والعمل الدؤوب بدلا من الشعارات وحدها، ولتكن هذه الحلقة الحوارية الفكرية بداية لمشوار طويل ينتظرنا جميعا نحو الاسهام بفاعلية اكبر في بناء مجتمعاتنا التي حتما تحتاج لفكرنا  العلمي التقدمي العابر للطوائف وهي تخوض في مستنقعات الكراهية والتشاحن والجهل وسطوة الاعلام البائس الذي بات يعبث في هويتنا وموقعنا الحضاري. 

 تمنياتي لكم بحلقة حوارية تشحذ العقل والفكر وترسي ديمومة واستمرار اعمال الفكر وتقويم الطريق الوعر الذي ارتضينا جميعا ان نمشيه مهتدين بفكرنا التقدمي لمساعدة اوطاننا وشعوبنا في امتلاك ارادتها وقراراتها والاسهام في صناعة الحضارة الانسانية التي ننتمي اليها جميعا. 

 عاشت الذكرى الستون لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحراني
المجد والخلود لشهداء شعبنا،،
 وشكر لكم جميعا. 
 


عبد النبي سلمان
 الأمين العام
 
 
 
 

اقرأ المزيد

مستقبل اليسار في البحرين والخليج العربي


 ضمن احتفالات المنبر التقدمي بالذكرى الستين لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية أقام التقدمي حلقة حوارية لاعضاءه حول مستقبل اليسار في البحرين والخليج العربي. كان المتحدثين فيها الأمين العام السابق للتقدمي الدكتور حسن مدن ونائب الأمين العام عبدالجليل النعيمي وعضو التيار التقدمي الكويتي أحمد الديين.
تناولت الحلقة النقاشية تحليل لليسار في الوضع الراهن بالنسبة للبحرين والوطن العربي والتحديات التي يواجهها ثم تطرقت الحوارية إلى الآفاق المنظورة لإعادة الحيوية إلى اليسار وتعزيز تواجده.
 
 
وفيما يلي ورقة الرفيق أحمد الديين عضو التيار التقدمي الكويتي المقدمة في الحلقة الحوارية:
 
 
 
المنبر التقدمي – البحرين
الطاولة المستديرة
14 فبراير 2015
——————————————


 
محور: مستقبل اليسار في البحرين والخليج العربي
أحمد الديين


 


 
لا يمكن الحديث عن مستقبل القوى والعناصر اليسارية في البحرين والخليج العربي أو محاولة استشراف آفاق نضال هذه القوى والعناصر بمعزل عما تواجهه هذه القوى والعناصر اليوم من تحديات سياسية واقتصادية – اجتماعية ووطنية ونضالية وتنظيمية ليست بالهينة، وهي تحديات قد تؤدي إن لم يتم مواجهتها بنضال مستمر وعمل دءوب إلى تراجع هذه القوى والعناصر سياسياً وانحسار ثقة الجماهير عنها.
 
فما هي هذه التحديات؟
 
أولاً: التحديات الاقتصادية – الاجتماعية :

  • يكمن التحدي الاقتصادي أمام القوى اليسارية في النضال ضد التوجهات النيوليبرالية التي تدعو إلى إلغاء الدور الاقتصادي للدولة، وتصفية المكتسبات والضمانات الاجتماعية، وتحلل الرأسمال من مسؤوليته الاجتماعية في تمويل الميزانية وتوفير فرص العمل .
  • المشاركة في قيادة النضال المطلبي من أجل تحسين مستوى المعيشة وظروف العمل وزيادة الأجور، إلا أنه يجدر التوضيح بأن القوى والعناصر اليسارية ليست نقابات عمالية تعبر عن المصالح الآنية الاقتصادية، إنما تمثل المصالح الكلية للطبقة العاملة والفئات الشعبية وذوي الدخول المتدنية والمهمشين.
  • كما يكمن التحدي الاقتصادي في دور القوى والعناصر اليسارية في كشف المحتوى الطبقي للسياسات الاقتصادية للسلطة وحلفها الطبقي والتصدي لتوجهاتها في الانقضاض على المكتسبات العمالية والشعبية (الخصخصة وتصفية القطاع العام، خصخصة التعاونيات، المساس بالحقوق التأمينية، وعدم تحميل القطاع الخاص مسؤولياته الاجتماعية، فرض ضرائب غير عادلة مثل ضريبة القيمة المضافة بدلاً من الضريبة التصاعدية على الدخول الكبيرة)
  • فضح المحتوى الطبقي للتشريعات والقرارات المنحازة لمصالح الرأسماليين (قانون العمل، قانون الإيجارات، قانون الميزانية)

  •  



ثانياً: التحديات السياسية:

  • يكمن التحدي السياسي في دور القوى والعناصر اليسارية في النضال ضد السلطة وحلفها الطبقي المسيطر التي هي العائق أمام التطور الديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودفاعاً عن المكتسبات الديمقراطية وإقامة نظام برلماني ديمقراطي.
  • التصدي للهجمة الواسعة للسلطة على الحريات والنضال من أجل إطلاق الحريات الشخصية والعامة والدفاع عن الحقوق والمكتسبات الديمقراطية.
  • التصدي للفساد الذي أصبح جزءً من بنية الرأسمالية وكشف رعاية السلطة له.
  • النضال من اجل الإصلاح الدستوري الديمقراطي المستحق للانتقال إلى نظام برلماني ديمقراطي كامل.

  •  



ثالثاً: التحديات الوطنية:

أن تكون القوى والعناصر اليسارية في تمثيلها للفئات الشعبية عابرة بحق للطوائف والقبائل والفئات والمناطق، وأن ترفض النعرات الطائفية والقبلية والمناطقية والفئوية، مع التأكيد على أن الانقسام الحقيقي في المجتمع هو الانقسام الطبقي.
 أن تتمثّل القوى والعناصر اليسارية قيم الدولة المدنية مع الرفض الواضح للدولة  الدينية أو ما يسمى الدولة المدنية بمرجعية دينية، من دون تنكر للهوية الحضارية ومن دون مساس بالعقيدة الدينية.


رابعاً: التحدي النضالي:

أن تندمج القوى والعناصر اليسارية في المجتمع فهي ليست نخبة مثقفة معزولة عن المجتمع وعن حركته، ولن يعترف المجتمع بها كطليعة نضالية إلا بمقدار عملها وسط الجماهير الشعبية وتحسسها مطالبها وتلمسها همومها ورفعها مستوى وعيها وتعبئتها وتنظيم صفوفها، فاليساريون ليسوا بديلاً عن حركة الناس، وإنما هم جزء لا يتجزأ منها بعيداً عن التعالي والفوقية.


خامساً: التحدي التنظيمي:


أن ينظم اليساريون أنفسهم ويوسعوا صفوفهم.
وعندما ننتقل من هذه التحديات الراهنة إلى محاولة استشراف الآفاق المستقبلية للقوى والعناصر اليسارية في البحرين والخليج فسنجد أنها مرتبطة على المستويات الموضوعية بما يلي:

– احتدام الأزمة العامة للنظام الرأسمالي العالمي واشتداد تناقضاته البنيوية.
– المد الثوري في المنطقة العربية، مع الأخذ بعين الاعتبار تناقضاته وتعقيداته.
– تغير موازين القوى في العالم والمنطقة والبلد.
– تفاقم التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلدان المنطقة (البطالة، التضخم، التهميش، انسداد الأفق التنموي، الفساد، التبعية، الانفراد بالسلطة، تقليص الحريات).
– تبلور الأوضاع الطبقية في المجتمعات الخليجية (اتساع حجم الطبقة العاملة عبر اتساع قاعدة العاملين بأجر – تردي أوضاع الطبقات المتوسطة جراء المزاحمة غير المتكافئة مع الرأسمال الكبير – اتساع قاعدة المتضررين من السياسات الاقتصادية النيوليبرالية- اشتداد الميل نحو تمركز الانتاج وتركز رأس المال).
 
وهي آفاق مرتبطة على المستويات الذاتية بما يلي:

– إجراء مراجعات تحليلية نقدية عميقة وجريئة، لماذا تراجعنا؟ هل فقط بسبب قمع السلطة وهجومها؟ أم جراء أوضاعنا العامة الاقتصادية والاجتماعية؟ أم بسبب الطبيعة الطبقية لقيادات اليسار وتغلغل التوجهات الليبرالية داخلها؟
– التخلي عن النهج التصفوي وإعادة الاعتبار للتنظيم المستقل، ما حدث في السعودية والكويت وعمان، وإلى حد ما حدث في البحرين.
– إعادة الاعتبار إلى النظرية الماركسية مع التخلي عن الجمود العقائدي والتصدي للنزعات المتياسرة الفوضوية والمغامرة من جهة وكذلك للتوجهات اليمينية المستسلمة وتمييز أنفسنا عن الليبراليين.
– الاستناد إلى التحليل الطبقي والموقف الطبقي في تفسير الأزمات والمشكلات وعند تحديد التوجهات والمواقف.
– انتهاج سياسة صائبة تستند إلى استراتيجية واضحة لمهام التغيير الوطني الديمقراطي بأفق اشتراكي وتأكيد دور الطبقة العاملة والفئات الشعبية في قيادته، بدلاً من الاستسلام لدعوات الدور القيادي للبرجوزاية في هذه المرحلة.
– النضال من أجل تغيير الواقع وعدم حصره في النضال ضد الأفكار… النضال ضد السلطة وحلفها الطبقي وليس النضال ضد الموروث.
– الصلة الحيّة مع الناس، وإعادة الاعتبار الى الدور النضالي للتقدميين وعدم الانعزال عن الحراك، مع الحفاظ على الاستقلالية والموقف النقدي المميز.
– الإبداع في أساليب العمل وفي الشعارات وفي أشكال التنظيم (مثلاً حملات الضغط).
– فهم جدلي لدور العوامل غير الاقتصادية (الطائفة والقبلية والمناطقية والفئوية) في تحريك الجماهير وتعبئتها، وخطأ تجاهلها أو اعتمادها أساساً للنضال السياسي.
– وحدة القوى والعناصر اليسارية والتعاون مع القوى الوطنية والديمقراطية، وخلق القطب الوطني الديمقراطي.
 
 

اقرأ المزيد

مسببات انحسار نفوذ اليسار


ضمن احتفالات المنبر التقدمي بالذكرى الستين لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية أقام التقدمي حلقة حوارية لاعضاءه حول مستقبل اليسار في البحرين والخليج العربي. كان المتحدثين فيها الأمين العام السابق للتقدمي الدكتور حسن مدن ونائب الأمين العام عبدالجليل النعيمي وعضو التيار التقدمي الكويتي أحمد الديين.
تناولت الحلقة النقاشية تحليل لليسار في الوضع الراهن بالنسبة للبحرين والوطن العربي والتحديات التي يواجهها ثم تطرقت الحوارية إلى الآفاق المنظورة لإعادة الحيوية إلى اليسار وتعزيز تواجده. 
  
  وفيما يلي ورقة الرفيق د. حسن مدن الأمين العام السابق “للتقدمي” المقدمة في الحلقة الحوارية:
 
 



مسببات انحسار نفوذ اليسار
( أفكار للتفكر)


حسن مدن
 

 



انحسار اليسار .. عودة الماركسية

 
صحيح أن دور اليسار ينحسر بالقياس لمراحل زمنية سابقة، سواء على الصعيد العالمي أو على صعيد منطقتنا، لكن المفارقة هو أن النظرية الماركسية ذاتها تعود بقوة رغم الكلام الكثير الذي قيل عن نهايتها.
 
من يتحدث عن هذه العودة لماركس ليس اليساريين ولا “بقاياهم” كما يصفهم خصومهم، وإنما عتاة الرأسماليين، والأكاديميون المستقلون الرصينون الذين لم يكونوا يوماً أعضاء في أحزاب يسارية، بل لعلهم على خصومة مع هذه الأحزاب.
 
وفيما يتبارى بعض الماركسيين السابقين الذين شقت أصواتهم عنان السماء وهم يهتفون بها في أزمنة صعودها، في إظهار براءتهم منها، وسخريتهم من ماضيهم، وندمهم على ما أنفقوه من سنوات في قناعاتهم السابقة، متبارزين في خلع الجلد القديم، تارةً بارتداء القبعة الليبرالية الأنيقة، وتارةً أخرى بارتداء العمامة الاسلاموية، فان الأذكياء من الرأسماليين ومن أهل اليمين يعرفون حق المعرفة ما الذي تعنيه أفكار ماركس في عالم اليوم.
 
 في استطلاع للرأي موّلته شركة التلفزيون “زيد دي اف” لمعرفة أهم الشخصيات الألمانية في التاريخ، صوت أكثر من خمسمائة ألف مشاهد لماركس؛ فحل ثالثاً في التصنيف العام وأولاً في فئة “الأهميات الحالية”، فيما صوّت مستمعو برنامج “في وقتنا” على إذاعة “بي بي سي٤” لماركس بوصفه فيلسوفهم الأعظم. المفكّر جاك اتالي قال: “الرأسماليون وللمفارقة هم من يعيدون اكتشاف ماركس أكثر من غيرهم”. وتحدث عن دهشته عندما قال له رجل الأعمال والسياسي الليبرالي جورج سوروس “كنت اقرأ ماركس للتو وهناك أشياء باهرة كثيرة يقولها”.
 
المؤرخ الأمريكي هوارد زن كتب نصاً مسرحياً إسمه “ماركس في أمريكا”. الكاتب اللبناني الراحل عصام محفوظ نقل هذا النص الجميل من ترجمته الفرنسية إلى اللغة العربية، وهوارد زن، هو الآخر، لم يكن ماركسياً، واللافت أيضاً أن عصام محفوظ يُشير في مقدمة الترجمة العربية إلى أن الناشر الفرنسي قال: إن كون النص تُرجم ونُشر في فرنسا على يد غير الماركسيين يؤكد أن المسرحية تُخاطب وجدان غالبية المواطنين الذين هُم في طريق الاستعباد الكامل للتوحش الرأسمالي. أما هوارد زن نفسه فيقول: انه بهذا العمل المسرحي أراد أن يُنقذ ماركس من التشويه الذي لحق به من قبل المحللين والمنظرين الذين شاءوا توحيد الماركسية بالأنظمة القمعية، وأن يجعل ماركس يُبدي غضبه إزاء الذين استغلوا فكره لغير الغاية منه. تتخيل المسرحية أن ماركس قد بُعث اليوم من قبره وذهب إلى أمريكا بالذات، موقع الرأسمالية المعاصرة الأول، ليجد أن الصحف الصادرة تؤكد أن أفكاره قد ماتت، مُلاحظاً أن هذا الأمر يتكرر منذ أكثر من مائة سنة، قائلا: “ألا تتساءلون معي لماذا يضطر هؤلاء المهرجون لتكرار إعلان موتي، طالما كُنت قد مت بالنسبة لهم؟!”.
 
 في المسرحية يُخاطب ماركس الجمهور قائلاً: “صُحفكم تقول إن أفكاري قد ماتت، لكن اسمعوا معي هذا الخبر المنشور في صحيفة اليوم: أقل من خمسمائة شخص يتداولون حوالي مليارين من الدولارات كأسهمٍ تجارية، هل هؤلاء أفضل من الآخرين أو أكثر نبلاً، أم لأنهم يكدون في العمل أكثر من غيرهم؟ هل هم أكثر نفعاً للمجتمع من أم لثلاثة أطفال لا تقوى على دفع فاتورة التدفئة في الشتاء؟ ألم أقل لكم قبل قرن ونصف القرن، أن الرأسمالية سوف تُضاعف الثروة العامة، لكنها ستحصر هذه الثروة أكثر فأكثر بأيدٍ أقل فأقل”.
 
خصم الماركسية اللدود جاك دريدا أيقن في نهاية حياته أن لا مناص من التصالح مع أفكار ماركس، ففاجأ الجميع بكتابه الشهير: “أطياف ماركس”، مؤكدا أن العودة لماركس ضرورية لمواجهة التوحش الرأسمالي. المنصفون من المحللين يدركون أن ما قاله ماركس في القرن التاسع عشر، وهو يحلل الرأسمالية، تتبدى صحته بسطوع في الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي تحولت إلى انهيار اقتصادي، مؤكدة فشل أيديولوجيا السوق الحرة العالمية غير المنضبطة، وتجبر حتى حكومة الولايات المتحدة على اتخاذ إجراءات عامة منسية منذ الثلاثينيات. الضغوط السياسية تُضعف من الآن التزام حكومات الاقتصاد الليبرالي الجديد نحو عولمة غير مراقبة، غير محدودة وغير منظمة.
لا
بأس من “بحرنة” الموضوع، الكاتب حافظ الشيخ الذي لا يجمعه كبير ود مع الماركسية، كتب منذ سنوات قليلة قائلاً: “بالتأكيد أنّ كارل ماركس هو أدق مَنْ قدّم نقداً منهجيا للرأسمالية وأصولها وآثارها، وأيضاً لا شكّ أن الماركسيّة، على جُملة مناهجها واتجاهاتها ومذاهبها، هي في العصر الحديث أدقّ نقدٍ قد ظهر للرأسمالية”. وحافظ الشيخ إذ انتقد التطبيقات العملية للماركسية في الاتحاد السوفيتي وسواه قال: “أنّ فاشلاً في الحياة وبالغ الحُمق هو فقط مَنْ يقول أن الماركسية قد اندثرت، فهي فكرة خصيبة، شديدة الخصوبة، لا تزال تتوالد وتتناسل، لا في المستوى الأكاديمي وحسبُ والنظري، ولكنْ أيضاً في المستوى الآدمي البَشَري الحيّ، وهي فوق ذلك لا تزال في عديد من دول العالم الثالث تقارع الأنظمة الرأسمالية الوكالية، وتُنازلها في شجاعة تاريخية فريدة”.
 
في وصف وقع الأفكار الاشتراكية تقول الجملة الأولى لـ “المانفيستو” الصادر في منتصف القرن التاسع عشر، وبالعبارات البليغة لماركس: “شبح يطوف في أوروبا اتحدت في وجهه قوى أوروبا القديمة كلها: البابا والقيصر، المحافظون الفرنسيون والبوليس الألماني”. وبعد نحو مائة وسبعين عاماً، فان شبح هذه الأفكار، وهي تخرج من تحت الرماد نافضةً عنها غبار الجمود، ما انفك يُقلق كل القوى التي تستحوذ على السلطات والثروات.
 
أكاديمي غربي بارز يقول: بالنسبة إلى أي شخص مهتم في الأفكار، أكان طالباً جامعياً أم لا، من الواضح تماماً أن ماركس سيظل واحداً من أعظم العقول الفلسفية والمحللين الاقتصاديين في القرن التاسع عشر. من المهم أيضاً قراءة ماركس لأنه لا يمكن فهم العالم الذي نعيش فيه اليوم من دون أثر كتاباته في عالم اليوم. وأخيراً، يجب أن نقرأه لأنّ العالم، كما كتب بنفسه، لا يمكن أن يتغير بشكل فعّال إلا إذا فُهم. ما فعله الفلاسفة حتى الآن، يقول ماركس في إحدى أطروحاته عن فيورباخ، هو تفسير العالم، فيما المطلوب هو تغييره.
 
إذا كانت الماركسية كفكرة تحيا وتحضر بهذه القوة، لماذا يدور الحديث عن انحسار اليسار، وهو انحسار حقيقي لا سبيل لنكرانه.
 
يمكن تقسيم الأسباب المؤدية لهذا الانحسار في خانتين، واحدة موضوعية، عملية، وأخرى فكرية – نظرية تتصل بتجديد الفكر الماركسي ليوائم المستجدات.
 
نجد في خانة العوامل الموضوعية تجليها التاريخي الصاعق في تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار الأنظمة الاشتراكية في شرق أوروبا، والانتصار الذي حققته الرأسمالية العالمية بفرض سياسة القطب الأوحد في العالم، وما أدى اليه ذلك من انحسار السياسات المستقلة للعديد من الدول النامية، وتراجع دور القوى التقدمية في مناطق مختلفة في العالم أبرزها منطقتنا، لأن التعميم عادة منبوذة، فالتطورات السياسية في العقدين الماضيين في أمريكا اللاتينية تظهر العكس.
 
وإذا كان صحيحاً أن الحرب الباردة التي فرضتها الامبريالية على الاتحاد السوفيتي ومحاصرته اقتصادياً واستنزافه في سباق تسلح مضن، كان لها دور كبير، وربما حاسم، في المالآت التي شهدناها منذ ربع قرن، ألا أن ذلك لا يعفينا من البحث في أوجه الخلل في الفكر والممارسة التي كانت، بدورها، أحد أسباب ذلك.
 
ولو تحدثنا عن الخانة النظرية – الفكرية فان المتتبع لخطاب التيارات السياسية المختلفة في العالم العربي، بما فيها تيارنا اليساري، سيواجه بحقيقة انعدام الحيوية الفكرية وغياب روح الجدل والنقاش والتساؤل، والميل للركون إلى البديهيات والمسلمات واجترار ما هو ما معروف، وإعادة إثبات ما سبق أن أثبت، وليس السعي لطرح فرضيات جديدة واحتمالات جديدة وأفكار جديدة.  بل أن الخطاب السائد هو خطاب السياسة اليومية التي تلهث هذه التيارات وراء تفاصيلها وتجير الخطاب الفكري للعارض اليومي، وليس العكس أي أن توظف هذا الخطاب في فهم السياسة اليومية وإدارتها.
 
قليلة هي المراجعات الشجاعة الصريحة للسياسات والتكتيكات السابقة، ونادر هو الحوار الفكري الذي يثير الأسئلة ويجادل ويطرح على بساط البحث الأمور برغبة فهمها وتحليلها. نحن ما زلنا بعيدين عن نتاجات ماركس وسواه من رموز الفكر اليساري. بمعنى كم عدد الذين قرأوا “رأس المال” لكارل ماركس، وإذا كانوا قد قرأوه إلى أي مدى فهموه، وهو العمل الذي قال عنه لينين انه لا يمكن قراءته دون قراءة هيغل أولاً. وما يقال عن ماركس يقال عن أعمال لينين وروزا لوكسمبورغ وسجالاتها مع لينين وغرامشي الذي يعاد له الاعتبار على نطاق واسع اليوم، هو الذي نقل النقاش الى القضايا الواقعة في مجال البنية الفوقية حسب التقسيم الماركسي بين بنيتين تحتية وفوقية الغلبة فيها للبنية المادية. صحيح أن الاحتفاء يتم بأطروحاته حول المجتمع المدني وفي الدراسات الثقافية، لكن هناك الجانب النضالي والتكتيكي في الممارسة الثورية، وبخاصة أطروحته حول حرب المواقع.
 
يضاف إلى هذا كله، علينا إدراك انه لم يكن بوسع نظرية ماركس في الظرف التاريخي الذي عاش فيه أن  تحيط بكافة الظواهر، وتقدم الأجوبة على كل الأسئلة. الباحث سعد محمد رحيم قال في كتابه “استعادة ماركس”، “ان ماركس ترك نظرية ناقصة لا لأنه لم يستطع اكمالها، بل لأنه كان محكوما بشرطه البيولوجي، حتمية الموت، ان حياة فرد واحد قصيرة جدا اذا ما كان يضطلع بمهمة فكرية ضخمة كما كان شأن ماركس”.
 
في هذا المجال علينا أن نطرح بعض الأسئلة التي كانت موضع نقاش في الأوساط الماركسية في السنوات الأخيرة، وبينها العلاقة بين النظرية الماركسية والمنهج الماركسي، بالمناسبة فان ماركس نفسه كان من استشهد بإعجاب بمقولة غوتا: النظرية رمادية، أما شجرة الحياة فخضراء، وفي هذا ما يشير أن النظرية بحاجة لأن تغتني بتطورات الحياة وبالاكتشافات العلمية، لا أن تنغلق على نفسها فتتحول إلى مذهب جامد، لا يختلف عن المذاهب الدينية.
 
تطور العلوم والاكتشافات العلمية تقتضي إغناء النظرية بهذا الجديد، ومراجعة الأحكام التي تكون قد شاخت. علينا تذكر أن أنجلز في مقدمته للطبعات المتأخرة من البيان الشيوعي قد تحدث أن بعض أحكامه شاخت، وعلينا هنا تذكر كتاب لينين “المادية ومذهب النقد التجريبي”، الذي  سعى فيه للبرهنة على حيوية الماركسية وقابليتها للتطورعلى ضوء الاكتشافات العلمية في مجال الفيزياء.هذا يظل صحيحاً في الماضي وفي الحاضر، فلولا “نسبية” اينشتاين ما كانت ستكون فيزياء نيوتن. وفي عصرنا الراهن نواجه قضايا العلاقة بين تدمير البيئة واستنزاف ثروات الطبيعة وعلاقتها باقتصاد السوق، ولم يكن الأمر بهذه الحدة في زمن ماركس، الذي ركز على تحليل استغلال الانسان لأخيه الانسان، دون ان يتمكن من الالتفاف إلى استغلال الراسمالية للطبيعة وثرواتها.
 
ومن القضايا المستجدة مسالة تعديل النظام الوراثي بإعداد حبوب محسنة، والتدخل في قوانين الطبيعة بمعرفة “دي. إن . إيه” ما يعني نفاذ البشرية إلى عمق حركة المادة وبلوغ ما يطلق عليه “التحوير الوراثي”،  تأثير كل ذلك على تقسيم العمل .
 
من الأسئلة المهمة أيضاً، خاصة في بلداننا النامية والعربية، هو كيف نفهم العلاقة بين البنيتين التحتية والفوقية، بعيداً عن الفهم السطحي وربما المبتذل للأمر، بالقول أن كل ما يدور في البنية الفوقية، إنما هو انعكاس للبنية التحتية، دون رؤية العلاقة التفاعلية بين ما يجري في البنيتين، وكيف يمكن لما يدور في البنية الفوقية أن يلعب في بعض المراحل. دوراً حاسماً علينا هنا تذكر عبارة انجلز: “لا ماركس ولا أنا قلنا أن العامل الاقتصادي وحده من يحدد مسار التطور التاريخي، فالعوامل الأخرى لها تأثير لا يقل، جتى لو كان العامل الاقتصادي هو ما  يحدد، في نهاية المطاف، التطور المادي.
 
من الأمثلة أيضاً دور الدولة والموقف منها، أخذا بعين الاعتبار أن العمر لم يتح لا لماركس ولا لانجلز تقديم نظرية متكاملة حول الدولة، ربما لأن الفكرة كانت في أن الدولة مرحلة تاريخية عابرة سيجري تحطيمها عبر ديكتاتورية البروليتاريا، لكن ماذا نقول عن بلدان لم تنشا فيها الدولة واذا نشأت، فان ذلك جرى، بصورة مشوهة، كما هو الحال في منطقتنا.
 
أخيراً علينا الوقوف أمام مفهوم البروليتاريا أو الطبقة العاملة، ففي ظل مجتمع ما بعد الصناعة وتحول قطاع الخدمات الى قطاع فاعل ومؤثر وربما اكثر حضورا من القطاعات الاخرى وفي ظل تزاوج الجوانب الانتاجية وغير الانتاجية في قطاع الخدمات لابد من التفكير بمفهوم جديد او تحديد طبقات جديدة ويطرح البعض. من أمثلة ذلك ما يطرحه بعض الماركسيين حول مفهوم العاملين بأجر دون تحديد ما اذا كان هؤلاء العاملون صناعيين أم غير ذلك. ماركس تحدث عن أن الاشتراكية ستحل التناقض بين المدينة والريف من جهة، ومن جهة اخرى ستحل التناقض بين بين العمل اليدوي والعمل الذهني، ولكن شيئاً من هذا يتحقق أو هو في طريقه للحل في بعض القطاعات الإنتاجية  في ظل الراسمالية نفسها.
 
ومن القضايا المستجدة مسألة الملكية الفكرية، فمن يسيطر عليها يسيطر على الإنتاج، وهذه السيطرة معيقة لتعميم الثورة العلمية – التكنولوجية، فحسب ماركس قيمة البضاعة هي قيمة العمل المبذول فيها، لكن للعمل الفكري مقاييس خاصة به.
 
يضاف إلى ذلك اليوم أن السوسيولوجيا السياسية الجديدة تتحدث عن شيء آخر اسمه: الحركات الاجتماعية الجديدة التي تتخطى التأطير “الطبقي” الضيق لتشمل فئات الشباب والنساء وأنصار البيئة ومعارضي التسلح والعسكرة والنفايات النووية، أي عن طيفٍ واسع متنوع من القوى التي تريد للحياة على هذا الكوكب أن تكون أكثر إنسانية وتسامحاً ونبلاً، بديلاً لما لحق به من عنف وعسف وخراب.
 
وإحدى المفارقات في عصرنا هو أنه رغم احتدام التناقضات الاجتماعية والطبقية في المجتمعات الراسمالية المتقدمة ألا أن البرجوازية، بما تراكم لديها من خبرة وحنكة، ما زالت تنجح في استيعاب الكثير من هذه التناقضات، أو لعلها بالأحرى استطاعت أن تكسوها مظهراً جديداً مموهاً، لعله أقرب إلى ما دعاه “هربرت ماركيوز”: “إضفاء الطابع العقلاني على لا عقلانية الرأسمالية” حين جعل من عالم الشيء امتداد لعقل الإنسان وجسده، وتفنن في امتصاص أشكال الاحتجاج وتفريغ المشاعر المكبوتة عبر السماح لبعض مظاهرها بأن تفصح عن نفسها طالما كانت الراسمالية قادرة على السيطرة والتحكم فيها، لا بل تقديمها كدلالة على الليبرالية والتسامح.
 
عودة للعوامل الموضوعية من الأزمة، من التحديات الكبرى التي تواجه اليسار العربي اليوم، ونحن جزء منه، هو انفجار الهويات الفرعية، ومخاطر تشظي ما تعرف بالدولة القطرية العربية إلى مجموعات عرقية ومذهبية وطائفية، بعد أن كان مشروع هذه الدولة القطرية بعد الاستقلال هو بناء الدولة الوطنية التي تدمج في نسيجها الواحد مجموعة هويات تتنازل عن بعض صور تضامنها لتغليب الانتماء الوطني العام الذي يوحد الكل في بوتقة أو نسيج الوطن الواحد، وبطبيعة الحال فان اليسار كتيار وطني أولاً وأممي ثانياً كان يتوجه نحو الطبقات الاجتماعية التي تضمها كيانات – دول، حتى لو تعددت مكوناتها، بل بالعكس كان هذا اليسار هو الأكثر قدرة على إستيعاب هذا التنوع بحكم هويته الأممية، بالقياس للتيارات القومية مثلاً التي غلبت على سلوكها في فترات معينة ميول شوفينية، وبالقياس للتيارت الاسلاموية المعبرة في ظروف الانقسامات الطائفية والمذهبية عن طوائف ومذاهب لا عن شعوب.
 
 بعض ما يجري حاليا تعود مسؤوليته إلى هذه الدولة القطرية ذاتها التي لم تسعَ لإقامة التوازن بين الهويات الفرعية داخلها على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، وبلورة هوية وطنية واحدة تكون بمثابة المظلة التي ينضوي تحتها الجميع، على العكس من ذلك فإن هذه الدولة كثيراً ما سعت إلى تغليب منظومات من التضامن الفرعي، كبديل للتضامن الكلي أو الجمعي، مؤسسة على الولاءات.
 
وما أن تضعف السلطة المركزية تحت ضغط الاحتلال الخارجي واستنفاذ شرعيتها الداخلية بعد أن تآكلت بالتدريج، حتى يعود المجتمع إلى صور التضامن الأولية السابقة لقيام الدولة، ولم يعد الحديث يدور عن إعادة بناء الوطن الذي يتساوى أبناؤه في كل شيء، وإنما عن توزيع حصص التمثيل الطائفي والسياسي، وتأمين طموحات كل فئة وطائفة على حدة، حتى لو تعارضت مع الطموحات الوطنية العامة أو المشتركة .
 
ويمكن أن نتفهم بعض بواعث انبعاث الهويات الفرعية، خاصة في نطاقها الثقافي وفي نطاق المطالبات السياسية المشروعة، لكن هذه البواعث ما لم تعالج بحكمة وتبصر وروية وبعد نظر يمكن أن تقود إلى مهالك للأوطان مجتمعة ولأهل هذه الهويات أنفسهم، خاصة إذا جرى الركون في هذا السياق على وعود أو تلميحات من الخارج بتبني أو دعم بعض المطالبات.
 
ووطننا البحرين هو بين الدول العربية غير المتجانسة من حيث التركيبة المذهبية للسكان، وهو يدخل اليوم في نطاق من التوترات النابعة من داخل والمتأثرة بما يجري في المحيط، وإذا لم يجر حصر الأزمة في نطاقها، فن مخاطر السيناريوهات الأسوأ تظل خطراً ماثلاً.
 
في الدراسات المعمقة التي كتبت عن الطائفية في بلدان عانت منها مثلنا، نقع على تشخيص لها بوصفها وظيفة سياسية تُؤدى، لذا فإنه بدلاً من أن يجري اعتماد تدابير للتغلب عليها والحد من آثارها ومظاهرها وصولاً لإنهائها، نرى أنه يعاد إنتاجها لتواصل أداء هذه الوظائف السياسية، فلا تعود الطائفية والحال كذلك رديفاً للتعددية المذهبية، وإنما هي أداة من أدوات تقسيم النفوذ، ولأن بعض هذا النفوذ غير قابل للقسمة فإنه من الطبيعي أن ينشأ التمييز والتفريق لأسباب مذهبية في الظاهر، ولكنها مع الوقت أسست وتؤسس لتراتبية اجتماعية وإدارية بموجبها تبدو بعض الطوائف في مرتبة أدنى وبحقوق أقل، وفي هذا بالذات خرق لقاعدة المواطنة التي تعني في أبسط تعبيراتها مساواة الجميع أمام القانون وتساوي الفرص أمامهم، والاحتكام إلى معيار الكفاءة لا إلى المعايير المذهبية أو ما يشابهها.
 
   محنة اليسار، لا بل كل القوى المدنية العربية هي أنها اليوم أمام استقطاب جديد غير الذي اعتادته في عقود سابقة، يوم كانت تتصدر النضال في مواجهة الاستبداد ومن أجل بناء مجتمعات ديمقراطية خالية من الفساد، فإذا بها تجد نفسها قليلة الحيلة أمام استبداد يمسك بمفاصل السلطة ويذود عن بقائه فيها بكل ما له من مخالب، وأمام معارضات لن تكون أقل استبداداً منه فيما لو قيض لها النصر. بل إن التجربة الحية خلال السنوات الماضية أظهرت، بالملموس، أن الأمر، عند هذه المعارضات، لا يقف عند حدود قمع الخصوم وحدهم وإنما مصادرة منجزات المجتمعات العربية من الانفتاح والتطور الاجتماعيين، وهما حصيلة تطور تاريخي مديد أنفقت أجيال من التنويريين العرب أعمارها في سبيل بلوغه.
 
المشكلة تزداد تعقيداً بسبب أن هذه البدائل باتت تستحوذ على القاعدة الشعبية الكادحة، المسحوقة والمعدمة، التي كان لليسار نفوذ في صفوفها، وكان القائد والمنظم لها تاريخياً بما في ذلك الطبقة العاملة ونقاباتها، ففي ظروف الانقسامات الطائفية والمذهبية واستفحالها تعود  الجماهير الى قواعدها الخلفية، وتتخلى عن مشتركاتها مع بقية المكونات المجتمعية، وتجد ملاذها في الخطاب الذي يخاطب عواطفها الطائفية، لا في الخطاب التقدمي.
 
 

اقرأ المزيد

ثقافة الفزعة العمياء !

 
     ما أن أطلق حكم المباراة صافرته معلنا نهايتها حتى وجد نفسه محاطا بمجموعة غاضبة من اللاعبين أوحت ملامح وجوههم بما يمكن أن يتطور الى ما هو أكثر من الصراخ في وجهه. حكم المباراة هو الموريشي (من موريشيوس) راجيندرابارساد سيتشورن الذي أدار المباراة المؤهلة للدور قبل النهائي التي جمعت المنتخب التونسي بمنتخب البلد المضيف للدورة، منتخب غينيا الاستوائية مساء السبت 31 يناير/كانون ثاني 2015، والتي انتهت بفوز منتخب غينيا الاستوائية بهدفين مقابل هدف واحد. حيث اتهم لاعبو تونس حكم المباراة بمجاملة أصحاب الأرض بعد احتسابه ركلة جزاء مثيرة للجدل في اللحظات الأخيرة من الوقت الأصلي، أدركت غينيا الاستوائية التعادل عن طريقها قبل فوزها بفضل ركلة حرة بالقرب من حافة منطقة الجزاء في الوقت الاضافي.

     وسرعان ما ارتفعت الحَمِية الوطنية التونسية، فبعد أن نَفَر وانضم أعضاء الطاقم الفني للمنتخب التونسي الى لاعبي المنتخب في “انتفاضتهم” الغاضبة ضد الحكم، التحق بهم على الفور، تضامنا،  الاتحاد التونسي لكرة القدم الذي سحب ممثليه من مؤسسات الاتحاد الافريقي لكرة القدم، حيث قدم وديع الجريء رئيس الاتحاد التونسي لكرة القدم استقالته من الهيئة التنظيمية لاتحاد الكرة الأفريقي وأعلن التونسي الآخر شهاب بلخيرية (العضو في اللجنة المالية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم “كاف”) عن استقالته أيضا احتجاجا على ما اعتبراه “مظلمة تحكيمية” ضد تونس. وذلك بمعية الاعلام التونسي الذي لم يشأ أن يتأخر عن المشاركة في النَّفرة والفزعة الوطنية، ثم، ومن بعد، ليُتوَّج كل ذلك بدخول رئيس البلاد على الخط مطالبا الاتحاد التونسي لكرة القدم بالدفاع عن حقوق تونس الكروية.

      تزداد الأمور سوءا وتعقيدا حين يداهم الاتحاد الإفريقي لكرة القدم الأشقاء التونسيين بموقفه  الصارم  – والصادم بلاشك – من ردة فعلهم الانفعالية الغاضبة، والمتمثل في قرار اللجنة المنظمة لكأس الأمم الافريقية التابعة للاتحاد الأفريقي لكرة القدم الذي قضى بفرض غرامة مالية على الاتحاد التونسي قدرها 50 ألف دولار وبمعاقبة وديع الجريء رئيس الاتحاد التونسي لكرة القدم بالايقاف عن كل الانشطة المتعلقة باللعبة حتى تقدم بلاده اعتذارا عن اتهام الاتحاد الأفريقي بـ “الانحياز والافتقار للمسؤولية الأخلاقية، أو تقديم أدلة قاطعة على الاتهامات التي سيقت على وجود تحيز تسبب في خروجها من النهائيات التي أُقيمت في غينيا الاستوائية”. ومنحت اللجنة المنظمة لكأس الأمم الافريقية التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، الاتحاد التونسي مهلة حتى 31 مارس المقبل للامتثال لتوصيات لجنة التأديب ولجنة تنظيم كأس الأمم الافريقية أو حرمان المنتخب التونسي من المشاركة في كأس الأمم الافريقية التي ستقام في 2017. وشملت العقوبات أيضا إلزام الاتحاد التونسي بدفع تعويضات عن الأضرار التي أحدثها لاعبو تونس بغرفة تبديل الملابس ومحتوياتها. إضافة الى ذلك فإن الـ”كاف” أكد في بيان له بشأن هذه القضية بأن “اللاعبين التونسيين والبدلاء اقتحموا الملعب بعد صافرة النهاية وأهانوا حكم المباراة وحاولوا الاعتداء الجسدي عليه”، وإنه سيفرض عقوبات ضد لاعبي المنتخب التونسي الذين حاولوا الاعتداء على الحكم بعد نهاية المباراة. في ذات الوقت الذي أوقف فيه الاتحاد الأفريقي لكرة القدم حكم اللقاء ستة أشهر بسبب “أدائه السيء”.

     هي حادثة تجمع، كما سيلاحظ المراقب، بين الطرافة وبواعث الحزن والأسى، كما هي الكوميديا السوداء، للأسف الشديد. وهي إنما تختزل إيقاع تمظهر بعض جوانب شخصيتنا نحن هنا في هذا الشرق الحائر والباحث منذ أمد بعيد عن ناموس استقرار حياته المجتمعية وميزان سيرورته التطورية المتمتعة بقدر معقول من الاستدامة.

     ليس في ما أظهره التونسيون، لاعبو كرة قدم ومسؤولون رياضيون وإعلاميون وشارع رياضي ومسؤولون حكوميون، من ردة فعل ضد ما اعتبروه وافترضوه ظلما وحيفا وقع عليهم من جانب الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، شيئا ما استثنائيا أو غير عادي. فردات الفعل الاحتجاجية على قرارات التحكيم، مثل تلك التي أظهرها لاعبو المنتخب التونسي، يتكرر حدوثها باستمرار في الملاعب الأمريكية الجنوبية والآسيوية والإفريقية، بل، والى حد ما، حتى في الملاعب الأوروبية المجبول جمهورها، وجمهور مجتمعاتها بصفة عامة،عادة، على الاستكانة والمسايرة، بفعل عقود مديدة من جهود ثقافية “ترويضية” متشعبة ومعقدة، أضحت بتراكمها تقاليد متوارثة ومترسخة في الوعي الجمعي لهذه المجتمعات. مع الفارق أن ردة الفعل التونسية تداعت عاطفيا الى حد غير معقول، وذلك بوحي من ثقافة الفزعة التي لازالت تستوطن لاوعينا، والتي لم تستطع كل عواصف التحولات الحضارية الكونية المتعاقبة حقبا على إزاحتها أو حتى إبطال وتحييد مفعولها.

     بهذا المعنى يصبح من نافلة القول أن هنالك بوناً شاسعا بين شخصيتنا المتشكلة عبر ملابسات تاريخية موضوعية وذاتية، والتي لازالت مجبولة على سرعة الانفعال الذي يجُبُّ سرعة ذوبان المساحيق في الماء، والخضوع الكلي لثقافة الفزعة باعتبارها مكونا أصيلا من مكونات هويتنا للأسف الشديد – نقول أن هنالك بونا شاسعا بين شخصيتنا والشخصية الأوروبية. الثانية أقل عاطفية وأكثر عقلانية بينما الأولى أكثر عاطفية وأقل عقلانية. الثانية لا ينتمي فيها الفرد الى قبيلة أو عشيرة أو طائفة أو عرقية يفزع اليها كلما ألم بهما خطب أو كرب، بينما يُجيّر الفرد في الأولى ولاءاته لصالح عرقيته أو طائفته أو قبيلته أو عشيرته، وفقا لسلم أولويات توزيع الولاء الذي يختزله الإطار العام لثقافة الفزعة المتمثل في المقولة القِيَمِيّة القائلة “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” وتفريعها الخاص “أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب”!

     قد يقول قائل بأن الفزعة التونسية في الحادثة إياها هي فزعة وطنية خالصة. نعم هي كذلك، لولا انها تستبطن في طياتها تلك النزعات الفرعية المتحفزة دوما للحضور كلما صادفتنا ملمة من الملمات، مهما صغر شأنها. ولعل هذا أدعى لإعادة فتح النقاش النقدي البنّاء، المرة تلو الأخرى، حول جوانب عديدة من موروثنا الثقافي لازالت تشكل عوائق صلدة أمام كل محاولات النهوض التي تصدت لها مجتمعاتنا العربية الحديثة على مدى تاريخها المعاصر. 

اقرأ المزيد

بمناسبة مرور ستون عاماً على تأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية


 
حقيقةً هنا لا اريد ان اخوض في تفاصيل عديدة لفترة  النضال التي عايشناها و نحن نعمل في صفوف جبهة التحرير الوطني البحرانية, و التي كانت فيها الانشطة الحزبية  تدار فى غاية من السرية و بطموح ثوري,  وبكثير من الاحتراف فى مسالة القيام بالانشطة الجماهيرية و المهام  التنظيمية و الثقافية,  لكن هنا  سوف اكتفي بالاشارة لمآثر الرفاق ابان نضالاتهم  في صفوف الجماهير, و حجم التضحيات الجسيمة التي قدموها في سبيل ان يتحرر شعب البحرين من قبضة الاستعمار البريطاني, و ايضا من اجل الحرية و الديمقراطية و ان ينعم شعب البحرين بحياة كريمة فى ظل المساواة و العدالة الاجتماعية, و تلبية الحقوق و المطالب, و في المقدمة ان تحصل الطبقة العاملة البحرانية وسائر الشغيلة في البحرين على حقها فى تأسيس النقابات و الاتحادات العمالية و المهنية, و ان تصبح الانشطة في  اطار ممارسة الحق النقابي بشكل علني كحق من حقوق العمال. 

نعم كان  فى تلك الحقبة من الزمن  اكثر رفاقنا و رفيقاتنا فى صفوف الجبهة يمتلكون العزيمة التي لا تستطيع ان تفنيها عوامل الزمن و قسوة الحياة, بل كان الرفاق ينظرون للمستقبل بتفائل شديد و بعزم حديدي لا يلين وكانت الشعارات و الاهداف هي ان نصل لمستوى ان نرى فيها بأن  التغيير لابد و ان يحصل من خلال النضال الثوري, ثم كنا ندرك ان التغيير لا يأتي بالصدفة بل يحتاج لعمل دؤوب, وكان الهدف الرئيسي ان يتحقق شعارنا فى وطن حر وشعب سعيد.

 من  المعروف انه اصبحت جبهة التحرير الوطني البحرانية منذ تأسيسها في الخامس عشر من فبراير عام 1955 هي البديل  لقيادة النضال الوطني فى البحرين, ذلك بعد  ان تعرضت هيئة الاتحاد الوطني فى عام 1956 الى الانتكاسة لظروف موضوعية و ذاتية خصوصاً في عدم و جود الفكر الرابط بين القيادة  و جماهير هيئة  الاتحاد الوطني, و في خضم النضال العسير في صفوف جبهة التحرير الوطني البحرانية وهي الفصيل الثوري الماركسي  العظيم الذي سطر فيه رفاقنا اجل البطولات فى كل مناحي العمل والانشطة الوطنية,  السياسية,  الفكرية,  الاجتماعية, و العمالية على مستوى الداخل و الخارج, ذلك  في سبيل تحقيق   الانتصارات في صفوف الجماهير و مع الجماهير, و العمل مع القوى الوطنية الاخرى التي كانت فى الساحة مثل  الجبهة الشعبية, و القوى القومية  الناصريين و البعثيين.  

حقيقةً  كان النضال الوطني فى اوج التحدي مع الاستعمار و السلطة و القوى الرجعية,  ذلك من اجل تحقيق الاهداف, و فى ظل تلك الانشطة السياسية و العمالية, قد عان رفاقنا و في المقدمة الكوادر الميدانية  الكثير من الظلم و التشرد و عذاب  السجون و المنافي و قدموا التضحيات الجسام, لكنهم  في نفس الوقت كانت  تحفزهم هذه المعاناة للاستبسال فى طريق النضال, و قد سطر الرفاق ملاحم بطولية و في المقدمة الرفيق الراحل المناضل و الموسيقار مجيد مرهون, الذي عانق السجون و كتب  اجمل المقطوعات الموسيقية ثم بقى فى  السجون خمسة وعشرون عاماً, و الرفيق الشهيد المناضل الشاعر سعيد العويناتي, و الرفيق الشهيد المناضل الدكتور هاشم العلوي, و هناك  كوكبة  من المؤسسون و القيادات و الكوادر الحزبية الذين  كانت  لهم ادوار مؤثرة  في الساحة الوطنية على مستوى الداخل و الخارج دفاعا عن قضايا  الوطن, و ضرورة نيل الاستقلال  الوطني, و من اجل تلبية مطالب الشعب بشكل عام و القضايا العمالية و النقابية بشكل خاص, بحيث كانت الميزة في تلك المرحلة من نضال رفاقنا في وسط جبهة التحرير الوطني البحرانية  هى مسألة التسابق بين الرفاق و الرفيقات لتنفيذ المهام الحزبية المنوطة بهم بدقة و اتقان وعناية و شجاعة فائقة النظير, على المستويين الفردي او الجماعي, و في مثل هذه النضالات لرفاقنا  التي قد حفزت مشاعر  الجماهير الشعبية  بحيث مكنت الجماهير بأن تؤمن و تلتف حول الجبهة, و منهم الذين اختاروا ان يكونوا اعضاء  فى صفوف الجبهة و اخرون انصار و اصدقاء, و من ثم استطاعت الجبهة من خلال الانشطة الجماهيرية ان تؤثر بأفكارها الوطنية و الاجتماعية و مبادئها الماركسية كي تتقبلها الجماهير,  بحيث ان الجبهة كسبت رضا  كل فئات  المجتمع و قومياتهم  من عمال و مثقفون وطلبة ونساء و شباب, و ايضاً العديد من البرجوازية الوطنية الصغيرة التي حاربت الاستعمار البريطاني,  و قد استقطبت الجبهة العديد من الذين كانوا في صفوف القوميين   العرب خصوصاً بعد رحيل الرمز القومي جمال عبد الناصر مع  بداية السبعينات من القرن الماضي.
 
مسألة النضال فى وسط الطبقة العاملة البحرانية في تلك المرحلة

كان كوادر الجبهة آنذاك العمالية و النقابية قد عززوا نضالاتهم فى صفوف العمال  من خلال  وجودهم فى صفوف جماهير الطبقة العاملة,  ذلك من خلال المعايشة عن قرب و من خلال التقارب و توطيد العلاقات الوثيقة, و التي من خلالها استطاع رفاقنا  غرز  الوعي الاجتماعي, و السياسي, و الطبقي, و المهني, و الفكري  فى صفوف العمال, وقد تمكن الرفاق من متابعة و قيادة الانشطة العمالية  من خلال المتابعة لكل المسيرات و الاحتجاجات و الاضرابات و مسألة التفاوض بين العمال و ارباب العمل او الجهات الحكومية, و كانت هناك مطالب عديدة و منها مسألة رفع الاجور المتدنية   و تحسين ظروف العمل و السلامة المهنية, و مسألة الضمان الاجتماعي  و المطالب بضرورة السماح بتشكيل النقابات العمالية و المهنية.

كل ذلك من خلال عملية الاعداد و الصقل و التثقيف و التعليم للكوادر خصوصاً فى مسألة الربط بين الانشطة التنظيمية  و العمالية و الجماهيرية  من خلال دراسة  المفاهيم العمالية و النقابية في صفوف النشطاء من الكوادر النقابية, بحيث كان الاعداد يحصل في الداخل و الخارج لصقل الكوادر, ذلك من اجل ان يتمكنوا من تشخيص الامور و مسايرة الاوضاع و تخطي الصعاب و تفادي المخاطر.

لقد قادت الجبهة النضال في صفوف العمال وبرزت جلياً في سنوات 1965 و 1968   مروراً بمحطة 1970  و 71 و 72 و 73 و عام 1974,  و التي تشكل فيها المفهوم الحقيقي للعمل  العلني لأربع النقابات التاريخية في حياة الحركة العمالية البحرانية,  مع تأسيس نقابة البا, و نقابة  العاملين فى الصحة, و نقابة الكهرباء, و نقابة  الانشاء و التعمير.  وها نحن نحتفل الان بمرور أربعين عاماً على هذا الانجاز التاريخي للحركة العمالية البحرانية بقيادة رفاقنا فى جبهة التحرير و العديد من النشطاء فى وسط القوى الوطنية فى تلك الحقبة من الزمن.
 
و بما  ان المنبر التقدمي هو  الامتداد التاريخي لجبهة التحرير الوطني البحرانية,  فنحن سائرون في مهمة النضال الوطني  و  مدافعين بقوة عن قضايا جماهير شعبنا فى نيل الحرية و مؤازرة القوى الوطنية و الشعبية من اجل تغيير الاوضاع السياسية الانية شديدة التعقيد حتى  تحقيق العدالة الاجتماعية, و تحقيق الديمقراطية التي من خلالها نشعر بالامان نشعر باالمساواة, نشعر بالمواطنة بعيداً عن مشاعر التمييز و الفتن الطائفية المبنية على الفصل الطائفي,  و بدلاً من  الاعتماد على الامم المجنسة التي يراد بها ارغام المعارضة وجماهير الشعب  البحراني القبول بالواقع المؤلم, و في الجانب العمالي  لدينا  المحاولة بأن نكون شركاء في تطوير الحركة العمالية و النقابية وان نكون عونا للطبقة العاملة البحرانية وسائر الكادحين في البحرين, ذلك بالرغم  مما هو حاصل من خلافات  في وسط الحركة النقابية,  و ايضاً هذا هو انعكاس لما نحن فيه من اوضاع سياسية  و ايضا نتيجة لظروفنا الاقتصادية و الاجتماعية المؤثرة فى الحراك العمالي و النقابي.

عاشت الذكرى  الستين العطرة لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية,  و الى الامام في سير النضال الذي لا يتوقف  و يداً بيد مع جماهير شعبنا و قواها الوطنية من اجل الحرية و نيل الحقوق, و بناء الوطن الديمقراطي الحر,  و ان نرى شعبنا فيه سعيد.


  
 
جواد المرخي
  المنبر التقدمي /  البحرين
 

اقرأ المزيد

الجديد في الاقتصادات الخليجية


 
عرضنا في مقالنا السابق “التقليدي والجديد في الاقتصادات الخليجية”  للمسار الذي تشكلت وتبلورت فيه هياكل الاقتصادات الخليجية على مدار نحو أربعة عقود ونيف . وخلصنا إلى أن حصيلة هذا الحصاد التنموي التموجي (المتداعي على شكل موجات متعاقبة توازياً مع قفزات أسعار النفط وإيراداته)، أفضت إلى تعزيز- أكثر منه إعادة تموضع – للقطاعات المفتاحية، ما أنتج مستوى خفيضاً من التنويع الاقتصادي خارج إطار قطاع الهيدروكربون (النفط والغاز تحديداً) الذي استمر في لعب دوره المحوري في قيادة دفة النمو من خلال حصته الكاسحة في تمويل الموازنات العامة ومن خلالها تأمين سخاء الإنفاق الحكومي المحرك الأساس للدورة الاقتصادية الخليجية . ولكن مع التأكيد على حقيقة أن هذا لا يعني ان قطاعات الاقتصاد التقليدي، بما تتمتع به من ركائز قوية، قد أبقت الاقتصادات الخليجية بعيداً عن متناول ما يسمى بالاقتصاد الجديد(New economy) على الإطلاق، فقد كانت دول التعاون مواكبة منذ البدء للاقتصادات الصاعدة في تبني وإنشاء قواعد فروع هذا الاقتصاد، خصوصاً قطاع الاتصالات وقطاع تكنولوجيا المعلومات . 
 
ولكن مع جدارة الملاحظة ها هنا بأن هذا “الفتح” الاقتصادي إن جاز التعبير بالقياس طبعاً لخط الأساس للاقتصادات الخليجية المتمثل في القطاعات التقليدية، قد تحقق أساساً عبر نافذة قطاع تقليدي عريق هو قطاع التجارة الخارجية، وليس نتيجة لاجتماع أصول المعرفة والتقنية مع المورد البشري والرأسمال الوطنيين . كما أن الشواغر الوظيفية الجديدة التي أنشأها هذان القطاعان المحسوبان على الاقتصاد الجديد، ومعهما الأنشطة المتفرعة عنهما، قد جرى اشغالها أساساً من قبل قوة العمل الأجنبية الماهرة في الاختصاصات الجديدة لاقتصاد المعرفة والتكنولوجيا وبقية أفرع قطاعات الاقتصاد الجديد .
 
فما هي دلالة هذا التقرير، المبدئي (الأوّلي) لوقائع المسار التطوري للمضامين الهيكلية للاقتصادات الخليجية؟ وما الذي نبغيه من إضاءته؟ 
 
على الشطر الأول من السؤال نقول بأن دول مجلس التعاون، ورغم النجاحات المعقولة والمتفاوتة مستوىً وعمقاً في سياسية التنويع الاقتصادي (Economic diversification)، إلا اننا ما زلنا محكومين ليس فقط بعطاء وطبيعة أداء القطاعات التقليدية في اقتصاداتنا، وإنما معتمدين، وإن بدرجة أقل من عقدي السبعينات والثمانينات، على ريوع قطاع الهيدروكربون .
 
على أن الاستثناء الجدير بالملاحظة والتنويه في هذا الجانب، هي تجربة دولة الإمارات التي تميزت بصورة جدية وصريحة في فتح مسارات جديدة في اقتصادها الوطني شملت قطاعات تكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا الوسائط الإعلامية وقطاع الطاقة الجديدة(New energy) متمثلاً في الطاقة النووية التي سيتم تدشين أُولى محطاتها لإنتاج الكهرباء بحلول عام ،2017 لتتبعها بثلاثة مفاعلات نووية أخرى سيتم تشغيلها في عام 2020 لتنتج طاقة كهربائية إجمالية تعادل 5600 ميغاوات، وكذلك الطاقات المتجددة (Renewable Energy Sources)، حيث وضعت إمارة أبوظبي لنفسها هدف تأمين 7% من حاجاتها من الكهرباء بواسطة الطاقات المتجددة بحلول العام 2020 . فيما تستهدف إمارة دبي بلوغ نسبة 5% من الطاقات المتجددة بحلول عام 2030 .
 
كما أنشأت دولة الإمارات عدداً من مشاريع ومحطات الطاقة المتجددة أبرزها مدينة مصدر التي تعمل منشآتها بالطاقة الشمسية ومشروع محطة شمس 1 للطاقة الشمسيّة المركزة الذي دشنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في شهر مارس من العام الماضي لإنتاج 100 ميغاواط من الطاقة الكهربائية النظيفة، بما يكفي لإمداد 20 ألف منزل في دولة الإمارات .
 
أيضاً فقد قررت الحكومة الإماراتية اقتحام عالم الفضاء ببرنامج واضح ومحدد الأهداف، حيث أعلنت وكالة أنباء الإمارات في السادس عشر من يوليو الماضي إنشاء وكالة الإمارات للفضاء ومشروع إرسال أول مسبار عربي للمريخ من المقرر أن يصل في عام ،2021 وذلك بالتزامن مع الذكرى الخمسين لتأسيس دولة الإمارات في العام 1971 . جرت العادة في التاريخ التنموي المعاصر بأن تتكفل متطلبات الاقتصاد التقليدية بتوليد فرص العمل الجديدة لمقابلة الزيادة السنوية في معروض قوة العمل النشطة اقتصادياً، وإن كان معدل نمو الطلب على الوظائف ينحو، في العادة، نحو تجاوز معدل نمو إجمالي الناتج . هذا في الوضع الطبيعي .
 
اليوم وأمام ازدياد أعداد المتدفقين سنوياً على أسواق العمل فإن هذه المقاربة التقليدية لم تعد قادرة على مجاراة هذا النمو المستمر والمتصاعد للطلب على فرص العمل . فلا بد من فتح خطوط ومسارات جديدة في دواليب الاقتصادات الخليجية مثل قطاع الطاقة المتجددة وقطاع الخدمات اللوجستية المتكاملة والخطوط الجديدة في قطاع السياحة، مثل واحات المتقاعدين وسياحة الترفيه والمهرجانات وقطاع الفنون بأنواعها وغيرها .
 
هنا يأتي دور الإدارة الاقتصادية الكلية الابتكارية، كما فعلت على سبيل المثال لا الحصر سنغافورة قبل نحو عقد حين أنشأت قطاع التكنولوجيا الحيوية مستعينة في ذلك بقمم العقول العالمية المتميزة في هذا المجال وعلى رأسها عالم استنساخ النعجة دوللي، وكما فعلت أيضاً كوريا الجنوبية التي لم تكن قبل منتصف الثمانينات معروفة بأي منتَج من منتجاتها الثقافية والفنية، فإذا هي اليوم إحدى الدول المنافِسة في مجالات الإنتاج السمعي والبصري والثقافي بوجه عام . فالفلبينيون باتوا مولعون بالدراما الكورية الجنوبية، والفرنسيون صاروا يعشقون أغاني البوب والأفلام السينمائية الكورية، وفي العام الماضي بلغ إجمالي قيمة الصادرات الكورية الجنوبية من منتجات ثقافة البوب الكورية 5 مليارات دولار، وتخطط حكومتها لمضاعفة هذا الرقم بحلول عام 2017 . على مقلب آخر سنجد أن العقول الابتكارية في أجهزة الدولة الكورية، بمبادراتها الخلاقة، من قبيل تقديم تسهيلات ضريبية ودعم مالي عبر الصناديق الحكومية لأصحاب المبادرة الخاصة (Entrepreneurs) وأصحاب المشاريع المبتدئين (Start-ups) في مجال صناعة ألعاب الفيديو، قد أنتجت صناعة تدر إيراداً وطنياً يفوق 12 مرة دخل صناعة منتجات أغاني البوب الكورية التي حظيت بدورها في عام 2005 بصندوق دعم حكومي قوامه مليار دولار .
 
هذه إذاً هي الخلطة المطلوبة خليجياً في الزمن الراهن لتحقيق اختراق نوعي في الهياكل التقليدية للاقتصادات الخليجية . .فرق عمل ابتكارية عالية الكفاءة والمهارة مع صناديق دعم مالية متخصصة ومكرسة حصراً لهذا التوجه الاستثماري طويل الأجل .
 
 

اقرأ المزيد

إضرام النيران في الكتب


 

 

  
 
داعش” تقيم محرقة للكتب في الموصل، مشهد تكرر مراراً عبر التاريخ . قبلهم بقرون، وليس بعيداً عن الموصل، في عاصمة الدولة الإسلامية بغداد حرق جنود هولاكو خزائن الكتب النفيسة التي تعج بها مكتبات بغداد أو ألقوها في النهر .


مثلهم فعل الفرنجة في غرناطة حين سقطت بأيديهم . لعلنا نتذكر كيف وصف الباكستاني طارق علي في روايته: “تحت ظلال الرمان” ذلك المشهد المرعب، حين جمع الجنود الكتب من مكتبات غرناطة وبيوتها، وأقاموا لها محرقة في الساحة العامة وسط ذهول الحاضرين
.


قيل إنها محاولة لمحو ذاكرة المهزوم، حيث أتت النار على نحو مليوني مخطوط أخذت من مكتبات 12 قصراً و195 مكتبة عامة في غرناطة، ولكن بضع مئات من الكتب نجت من المحرقة بحيلة من جنود، شعروا بفداحة المهمة التي أوكلت إليهم بحرق الكتب، فقاموا بإلقاء المخطوطات الأثقل وزناً، ظناً منهم أن ما بين دفتيها من معارف أكثر ثراء، على عتبات أبواب بيوت العرب المغلقة ليلتقطها الأهالي، ويهربوها فيما بعد إلى فاس بالمغرب
.


مثل إفرنجة الأندلس فعل نازيو ألمانيا بتوجيهات هتلر، فأحرقوا كنوز الثقافة الألمانية في الساحات، ومثلهم فعل أيضاً رجال بيونشيت في شوارع سنتياغو عاصمة تشيلي، حين أطاحوا بالحكومة الديمقراطية المنتخبة برئاسة سلفادور الليندي
.


السيناريو نفسه تم في الموصل: اقتحم إرهابيو تنظيم “داعش” مكتبات جامعة المدينة، وعدداً من المكتبات الخاصة، ومكتبات المساجد والكنائس، وجمعوا مئات المخطوطات والكتب التي لا تقدر بثمن وحرقوها
.


جرى استهداف محفوظات إحدى المكتبات الإسلامية ومكتبة الكنيسة اللاتينية البالغ عمرها 265 سنة، وفي دير الآباء الدومينيكان، ومكتبة متحف الموصل التي تضم مقتنيات يعود تاريخها إلى 5000 سنة قبل الميلاد


لدى الظلامية بكافة أوجهها، وبينها الوجه الداعشي، رعب من المعرفة، لأنها صنو الحضارة، فيما الظلامية صنو الهمجية، لذلك تصبح الكتب، من حيث هي أوعية للمعرفة، وحافظة للذاكرة الإنسانية هدفاً لها
.


يروي فيلم فرانسو تروفو “فرنهايت451” قصة مدينة محكومة بإرهاب النار، مهمة الإطفائيين فيها أن يضرموا النار لا أن يطفئوها، وشغلهم الشاغل هو حرق الكتب والمكتبات
.


لكن المثقفين، حرصاً منهم على الثقافة، يفرون إلى الغابة وقد حفظ كل واحد منهم مضمون كتاب عن ظهر قلب، وفي الغابة لا يفعلون شيئاً سوى تلاوة ما حفظوه، حتى لا ينسوه، ليلقنوه لأبنائهم من بعدهم
.


من سوء حظنا أننا في زمن إضرام النيران
.

 

 
 

اقرأ المزيد

لماذا كوبا الآن ؟



 
في استدارة كاملة ودرامية، فاجأت الولايات المتحدة المجتمع الدولي، ومن تلقاء نفسها، “بإصدار عفو رئاسي” عن كوبا، بعد أن أودعتها السجن لمدة 54 سنة عقاباً لها على إسقاط رجلها القوي الدكتاتور فولجينسيو باتيستا زالديفار الذي حكم البلاد عملياً (سواء عبر رؤساء دمى أو عبر انقلاب عسكري) لمدة ربع قرن كان الفقر والقمع عنوانها . . وجزاءً لها على خروجها على صراط النظام الاقتصادي الأمريكي واتخاذها وجهة تنموية مستقلة . 

في بحر أسبوع واحد تقريباً شهدت العاصمة الكوبية هافانا “هجوماً دبلوماسياً”، حيث تقاطر عليها أعضاء من الكونغرس سرعان ما تبعهم وزير الخارجية جون كيري، أرادت واشنطن من خلالها توجيه رسائل بأن كوبا قد تحولت من دولة عدوة إلى دولة صديقة، وربما قريبة إلى القلب عما قريب!

فما الذي غير فجأة الوجهة العدائية الأمريكية تجاه كوبا؟

نزعم أن عاملين مستجدين رئيسيين هما اللذان حفزا واشنطن على تغيير سياستها تجاه كوبا من النقيض إلى النقيض . هذان العاملان هما على النحو التالي:
1-   الانهيار المفاجىء في أسعار النفط الذي سوف يجرد بطبيعة الحال فنزويلا من جاذبيتها لكوبا، من حيث تزويد الأولى الثانية بالنفط بأسعار مخفضة عندما كانت أسعار النفط محلقة فوق مئة دولار للبرميل . فالأزمة المالية التي وجدت فنزويلا نفسها فيها بسبب انهيار أسعار النفط، ستقيد حركتها الخارجية وبضمنها تقديم المساعدات لكوبا . هنا تسارع واشنطن لالتقاط اللحظة وتقديم نفسها صديقاً بديلاً . ومن الواضح أن الأمر لن يقتصر على فتح خطوط السياحة والتجارة أمام الجزيرة وتمكينها من النفاذ إلى الأسواق الأمريكية، وإنما سيشمل “الهجوم” الأمريكي الناعم عليها بإغداق المساعدات عليها، إلى أن تتسبب هذه المساعدات في بدء تسلل الفساد إلى مؤسسات ودهاليز السلطة لتأدية دور سوسة النخر المفضية للانهيار . وإذا ما سارت الأمور كما خططت لها واشنطن، فلن تمر بضعة أعوام إلا وتلتحق كوبا ب”النادي المعولم”، لتفقد استقلالها واستقلال سياساتها الاقتصادية ذات التوجهات الاجتماعية، لتبتعد رويداً رويداً عن فنزويلا وتقترب شيئاً فشيئاً من النماذج الإلحاقية مثل الهندوراس وغيرها في أمريكا اللاتينية . والجزيرة التي لا تزيد أعداد اليهود فيها في الوقت الحاضر على 2000 يهودي، ستتحول إلى قبلة للسائحين “الإسرائيليين” الذين سيشكلون لاحقاً ورقة ضغط معنوية “ناعمة” على السلطات الكوبية لافتتاح متحف لتخليد “الهولوكوست” . ومن يدري فلربما يُسفر “حصار الحب” الجديد عن نجاح العصابة الصهيونية العالمية فيما بعد في وضع أحد أفراد الأقلية اليهودية على رأس البنك المركزي الكوبي .

2-   المعركة الشرسة التي أطلقتها واشنطن للتمدد العسكري في شرق القارة الأوروبية وشمالها لإحكام الطوق حول روسيا والتي تجاوزت بولندا وجمهوريات البلطيق السوفييتية السابقة الثلاث، (لاتفيا، وليتوانيا وإيستونيا)، إلى العمل بكل قوة لإسقاط النظام القائم في أوكرانيا برئاسة فيكتور ياناكوفيتش، وإحلال نظام موال لواشنطن في كييف يفتح الطريق نحو إلحاق الأراضي الأوكرانية بمواطىء الأقدام الجديدة لحلف شمال الأطلسي الواقعة مباشرة على الحدود الروسية . وقطعاً للطريق على روسيا التي أحيا رئيسها فلاديمير بوتين علاقات الصداقة والتعاون التاريخية التحالفية التي كانت قائمة بين الاتحاد السوفييتي السابق وكوبا، والحيلولة دون مسارعة موسكو لإعادة تركيب ما فككه انهيار الاتحاد السوفييتي من وشائج وروابط عسكرية بين البلدين، بما يشمل ذلك إعادة تنشيط القواعد العسكرية الروسية في الجزيرة ونشر قوات ردع تقليدية واستراتيجية صاروخية بمواجهة الأراضي الأمريكية المجاورة مباشرة، وذلك رداً على التوغل العسكري الأمريكي في الجوار الروسي فقد آثرت واشنطن ابتلاع 54 عاماً من العداء الفاجر والحقد المتراكم على كوبا، والإسراع “لضمها إلى حضنها” بقوة كي لا تفلت منها، وكي تُشعرها بدفء حنانها الذي حل عليها فجأة والذي سيعوضها عن حرمان السنين الخمسين ونيف الغابرة . ولسوف يشمل ذلك رفع كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب والسماح للمؤسسات المالية الدولية لفتح خطوط ائتمان لتمويل المشاريع والاحتياجات التنموية للجزيرة، وكذلك السماح للمواطنين الأمريكيين بالسفر إلى كوبا . وحتى في غياب رفع الكونغرس الحظر على سفر الأمريكيين إلى كوبا الذي فرضه في عام 1996 بموجب قانون هيلمز – بيرتون، فقد زار كوبا العام الماضي 400 ألف أمريكي .

جدير بالذكر أن كوبا، رغم الحصار المفروض عليها، ظلت ضمن صدارة قائمة مؤشر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بسبب إنجازاتها في مجالات التعليم والصحة، بل إن كوبا قادت الجهود الدولية لمكافحة مرض إيبولا، كما شاركت في كفاح الأفارقة لهزيمة الاستعمار والأبارتيد في أنغولا وجنوب إفريقيا .

 

اقرأ المزيد