المنشور

كلمة الأمين العام للمنبر التقدمي في المهرجان الخطابي ضمن احتفالات الذكرى ال 60 لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية

 



 
ضمن احتفالات المنبر التقدمي بالذكرى الستين لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية أقام التقدمي مهرجان خطابي في نادي العروبة وذلك مساء الاربعاء 25 فبراير 2015.
وقد ألقى ألأمين العام للمنبر التقدمي الرفيق عبدالنبي سلمان كلمة جاء فيها:

 


 الرفيق المناضل أحمد الشملان .. الرئيس الفخري للمنبر التقدمي
 ضيوفنا الكرام من داخل البحرين وخارجها
الأخوات والاخوة الحضور،، قيادات الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني
الرفيقات والرفاق
اسعدتم مساءأ،،



 نشكر لكم جميعا حضوركم ومشاركتكم معنا في هذا العرس الوطني الكبير، كما نشكر جميع الأصدقاء والرفاق والضيوف المشاركين معنا من خارج البحرين الذين ابوا رغم مشاغلهم وارتباطاتهم المتعددة الا أن يشاركوننا احتفالاتنا بالذكرى الستين لتأسيس حزب الطبقة العاملة جبهة التحرير الوطني البحرانية، التي يمثل منبرنا التقدمي امتدادا تاريخيا وسياسيا وفكريا لنضالاتها، ونعتذر للرفاق الضيوف الذين تم منعهم من دخول البلاد لمشاركتنا احتفالاتنا لأسباب لا نفهمها، كما نشكر القائمين على نادي العروبة الذين سهلوا مهمتنا في استضافة هذه الفعالية، وكل الشكر والتقدير للجنة المنظمة لاحتفاليات ذكرى تأسيس جتوب على ما قامت به من جهود استثنائية ومساهمات ستبقى محل تقدير الجميع.


 الحضور الكرام،،

تتواصل احتفالاتنا بالذكرى الستين ببزوغ طليعة النضال الوطني التقدمي  في بلادنا ومنطقة الخليج العربي، عبر سلسلة من الفعاليات الفكرية والخطابية والفنية والاجتماعية التي اردنا من خلالها ابراز هذه المناسبة التاريخية الغالية على قلوبنا جميعا شكلا ومضمونا وبما يليق برمزيتها ومراميها ودلالاتها بالنسبة لنا بالدرجة الأولى كتنظيم وكذلك بالنسبة لحركتنا الوطنية البحرانية التي نخوض معها منذ عقود نضالا دؤوبا على طريق تحقيق طموحات شعبنا المتطلع للحرية والسلم والتقدم الاجتماعي وإرساء الديمقراطية.  
 
وفي هذا السياق فان ذاكرة النضال الوطني في البحرين لا زالت تختزن الكثير من التجارب والدروس والعبر لحضور طاغ بقي متوهجا على الدوام  في سماء بلادنا عبر أكثر من ستة عقود مضت تمرس فيها مناضلوا ومناضلات حزبنا عبر التجربة والعمل  الميداني والفكري وفي ساحات العمل اليومي حيث العمال والنقابات والكادحين وفي احياء الفقراء والمهمشين وفي نشر أفكار التنوير والوعي الاجتماعي والثقافة والفن والأدب والدفاع المسؤول عن حقوق المرأة وحقوق الانسان، وفي اجواء العمل الطلابي داخل وخارج الوطن رافعين بفخر رايات الحرية والتقدم في طليعة مسيرة النضال الوطني متطلعين لعالم خال من الفقر والاضطهاد والدكتاتورية والاستبداد والقهر بكل أشكاله وصوره.
 
ولا غرابة أن  يقدم ابناء شعبنا وفي القلب منهم مناضلوا ومناضلات جبهة التحرير الوطني البحرانية المثل والقدوة ليكونوا في طليعة من غصت بهم السجون والمعتقلات وسمعت أناتهم المنافي الباردة المشحونة بالشجن والغربة، وقدم مناضلوها الشجعان المثل في التضحية والعطاء والبذل في سبيل وطن يتسع للجميع دون تمييز ليرحل شهداء حزبنا الأبرار ومعهم كوكبة من مناضلي ومناضلات حركتنا الوطنية بجميع تلاوينها قرابين على مذبح الحرية وليسقوا بدمائهم الزكية ارض اوال العطشى للحرية والعدالة.

 واذ نحتفل اليوم بمرور ستة عقود مضيئة من النضال الوطني الذي سطره مناضلوا  ومناضلات حزبنا عبر مراحل ومفاصل مهمة من تاريخ بلادنا ومنطقتنا التي بذرت فيها جبهة التحرير الوطني البحرانية اولى بذرات الفكر التقدمي القائم على منهجية التحليل العلمي الثوري وفق الفهم الجدلي المادي والتاريخي في ادراك وفهم الواقع المحلي وتشخيص  العوامل الفاعلة والمؤثرة في تطوره، الذي سرعان ما استوعبته ورفدته مجاميع وشرائح واسعة من ابناء بلادنا ومنطقتنا سعيا منها للخروج من أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية البائسة حيث سطوة الاستبداد والقهر والحرمان والجهل والتخلف الاجتماعي، التي لا زالت انظمة المنطقة تراهن على استمرارها واحياءها من جديد عبر سياسات الاقصاء والتهميش الممنهجة لعزل قوى التقدم وتغليب ممارسات الجهل والتخلف التي اضحت تفرز بوضوح ظواهر وممارسات مقلقة ومعيقة لمسار التطور الانساني والحضاري في منطقتنا والعالم، فها نحن نعايش واقعا سياسيا واجتماعيا تتصدره تيارات وظواهر التكفير والارهاب ونشر ممارسات الكراهية القائمة على  الفرز المذهبي واحياء العصبيات القبلية والعشائرية والطائفية، التي تجد لها صورا شتى في مجتمعاتنا العربية والخليجية عبر بروز افكار التطرف والارهاب المتلحفة برداء الدين لتتجلى في ابرز صورها في ما تعيثه “داعش” بتلاوينها المختلفة من فكر رجعي متحجر واستئصالي يتناقض كليا مع طموحات الشعوب المشروعة في التقدم والازدهار، بما يفضح بجلاء حالة الضياع والتمزق التي أوصلتنا اليها ممارسات وسياسات انظمة الاستبداد المسنودة بقوة من  قبل الدول المهيمنة على العالم والحاضرة على الدوام بكل أسف في هذه المنطقة الحيوية من العالم عبر اساطيلها وجيوشها ومراكز استخباراتها وشركاتها العابرة للقارات، وتلك لعمري احدى افرازات وقيح الامبريالية العالمية التي تعيش بلا شك مراحل حرجة لتأزماتها المتعاظمة وسقوطها الحتمي على أكثر من صعيد.


الأخوات والأخوة  الحضور
 الرفيقات والرفاق،،

 ما احوجنا ونحن نحتفل بالذكرى الستين لتأسيس جبهة التحريرالوطني البحرانية ان نستذكر شيئا من دروس وتاريخ نضال شعبنا نحو الحرية والتحول الديمقراطي منذ عشرينيات القرن الماضي وعبر مراحل مختلفة، حيث لم يخلوا عقد زمني واحد من هبات وانتفاضات لم تهدأ معها المطالب الشعبية ابدا، متخذة من مشروعيتها زادا لتوهجها ومن كونها وطنية بامتياز زخما موحدا للجماهير عبر مسيرة حافلة دللت بوضوح على ما يختزنه شعبنا من جلد وصبر وعزيمة، فبعد ضرب هيئة الاتحاد الوطني في العام 1956 ونفي أبرز قادتها، فان تأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية في منتصف فبراير 1955 المنخرطة أصلا في النضال الوطني بمختلف أساليبه يعني استمرارا لديمومة وحيوة النضال الوطني مع القوى الوطنية والقومية والعروبية المتواجدة على الساحة آنذاك، في مفصل تاريخي هام علي طريق استمرار زخم المطالب  العادلة والمشروعة واستنهاض جماهير شعبنا بما امتلكته من نفس وطني وثوري.  ويعلمنا التاريخ بتجاربه المريرة  أن التحديات التي خاضتها الحركة الوطنية زادت من صلابة عودها ومن ايمان الناس بمشروعيتها، وهي التي احتضنت الجميع في بوتقة النضال الوطني وأفقدت دعاة الفتنة والفرقة والمستعمرين وأعوانهم صوابهم بتماسكها وعدم انجرارها نحو مشاريع او شعارات ربما كانت كفيلة بالاجهاز عليها، وهنا يتجلى الوعي الطبقي لفئات واسعة من شعبنا والذي لم يكن ممكنا  ابدا من دون وجود قوى وطنية تعرف ماذا تريد وتتعامل بموضوعية وحنكة سياسية يقودها فكر ثوري مجرب لتحدد مسار بوصلتها بعزيمة ووطنية ودون مغامرات غير محسوبة.  هنا  بالضبط كانت جبهة التحرير الوطني البحرانية ومعها القوى الوطنية الأخرى متحسبة بوعي ومسؤلية  لمهماتها النضالية رغم حجم التحديات من حولها.
 
من هنا فاننا نجزم بأن ما يحيط ببلادنا التي دخلت منذ الرابع عشر من فبراير 2011 وحتى اليوم في تحديات جمة وعلى أكثر من صعيد، مهددة وحدتنا ومكتسباتنا الوطنية بفعل عوامل ذاتية وموضوعية عديدة من بينها غياب ارادة الاصلاح الحقيقي المؤدي لقيام دولة مدنية ديمقراطية ناهضة بقيت على الدوام مطلبا شعبيا ووطنيا مشروعا لجميع أبناء البحرين، يحتاج حتما الى أكثر من لغة الشعارات وثوريتها، ويلقي على عاتق حركتنا الوطنية بمختلف تلاوينها ضرورة الاطلاع بمهماتها بشكل يكفل استمرارية الزخم الوطني الثوري وبروح من المسؤلية وعدم التفريط تحت أي دعاوى خائفة او منهزمة او حتى مغامرة في مطالب شعبنا العادلة والمشروعة.

لذلك تنطلق دعوتنا التي نلتزم ونناضل من أجلها في المنبر التقدمي بأهمية وحدة أهداف القوى الوطنية وفي مقدمتها استعادة دور التيار الوطني الديمقراطي باعتباره رافد وطنيا أساسيا، بخطابه الجامع العابر للطوائف في ظل ما تعيشه بلادنا من تحديات وتمزق طائفي بغيض اسهمت قوى ومراكز نفوذ في فرضه رغما عن ارادتنا كقوى وطنية، حيث يعيث الاعلام الرسمي وشبه الرسمي تخريبا وتدميرا في نسيجنا الوطني لتسهيل مهمة سرقة خيرات بلادنا وتمزيق وحدتها باعتباره الأداة الطولى لقوى النفوذ والفساد المنتشية بما يدور في المنطقة من مشاريع لم تعد مشبوهة فحسب بل أضحت ممنهجة تستهدف تقويض مكتسبات شعوب ودول المنطقة وتقضي على ما تبقى لها من طموحات ومطالب عادلة.

 انها اذا مسؤلياتنا الكبرى التي نستمر في حملها وشرف الدفاع عنها  بأمانة ونكران ذات رغم كل التحديات والمصاعب من حولنا، ولن نهدأ حتى تحقيقها على طريق النضال الصعب لحماية وتقدم شعبنا ومكتسباتنا الوطنية حفاظا على حاضر ومستقبل الوطن وآجياله القادمة من أن تتناهبه قوى الفساد والردة وأصحاب المصالح، وسنكون كما كنا  دائما اوفياء لقضية شعبنا وفي خندق الدفاع  الأول عن مصالحنا الوطنية، فنحن لم ولن ندير ظهورنا ابدا وتحت أي ظرف لمطالب شعبنا العادلة ولرسالة حزبنا ولطبقتنا العاملة ولفقراء وكادحي وشغيلة بلادنا، مستمرين في اسهامنا الوطني باستقلالية ووعي ومسؤلية وفي رفدنا للنضال الأممي في سبيل عالم جديد تسيجه العدالة والمساواة والحرية، وسنبقى كما كنا على الدوام في طليعة القوى الوطنية دفاعا عن مصالح ووحدة البحرين وشعبها ضد أي تدخلات او اجندات خارجية رافضين بشدة تواجد أية اساطيل أو جيوش في مياهنا الاقليمية وعلى أرضنا او احياء أي اتفاقيات او معاهدات حماية وهيمنة على قرارنا الوطني مستمرين في نضالنا من أجل بناء وطن حر وشعب سعيد… هكذا علمتنا جبهة التحرير الوطني البحرانية وهكذا سنبقى اوفياء وهكذا يجب أن نكون.




 المجد والخلود لشهداء حزبنا وحركتنا الوطنية
عاشت وحدتنا الوطنية
 عاشت الذكرى الستين لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية
وشكرا لكم جميعا.
 
 

اقرأ المزيد

خيانة البرجوازية العربية للحقوق و المصالح للطبقة العاملة وسائر الكادحين بعد فترة الاستقلال الوطني


 
حقيقةً نحن المهتمين بقضايا العمال نرى  انه واقع مؤلم للغاية، و شديد المرارة  ان نتحدث الان عن حقبة   من الزمن قد احيكت فيها  معالم خيا نة  البرجوازية الوطنية الرأسمالية العربية لمصالح الطبقة العاملة، و سائر الشغيلة العربية  فى مسألة تحويل الصراع من ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية في الوطن العربي الى صراع دموي احياناً ضد نشطاء الطبقة العاملة وسائر الكادحين، و بشكل عام ضد القوى الداعمة للطبقة العاملة المتمثلة في الاحزاب والمنظمات اليسارية العربية.

من المعروف تاريخياً ان البرجوازية العربية  في نضالها ضد الاستعمار الاجنبي و الذي قد حشدت له وشاركت فيه كل القوى الشعبية والثورية السائرين على دروب النضال ضد الهيمنة الاستعمارية، وفي المقدمة من  هم قد ناضلوا وضحوا  من   جماهير الطبقة العاملة والفلاحين والطلابوالمرأة والمثقفون الثوريون, كل ذلك  تحت شعارات وطنية و قومية و يسارية حماسية، و كان مثل هذا النداء الذي سمعناه عبر بعض من الاذاعات العربية في تلك الحقبة “ايها  العمال والفلاحون والمثقفون الثوريون”  كأن به يناشدون هذه القوى ان تناضل فى سبيل التحرر الوطنى فى الستينات و  في السبعينات  من القرن الماضي. و كل ذلك في سبيل  التحشيد لإسقاط الانظمة الملكية و ادواتها الاقطاعية راعية مصالح الاستعمار، ومن اجل الاستقلال الوطني والحرية و العدالة و التقدم.  

إلا ان وبعد نيل  الاستقلال الوطنى لمعظم الدول العربية، وهيمنة البرجوازية  الوطنية الرأسمالية على مفاصل القرار السياسي  و الاقتصادي للجمهوريات العربية الحديثة،  خصوصاً تلك البلدان التي سيطر عليها العسكر او حكم  فيها الحزب الواحد الذي  يمثل المصالح للبرجوازية الرأسمالية,  مثل هذه الانظمة  في العراق بعد الانقلاب الدموي ضد ثورة 14 تموز المجيدة،  والسودان ومصر  وسوريا وتونس وليبيا و الجزائر، في هذه الدول  وغيرها  قد ادارت البرجوازية الوطنية الرأسمالية  ظهرها لمصالح الطبقة العاملة  والفلاحين وسائر الكادحين، و من ثم عملت على تعزيز مكانتها بالانقضاض على مصالح  الكادحين.

حينها قد اصبح كل النشطاء في الحراك العمالي والنقابي في الوطن العربي خصوصاً ذوي التوجه اليساري عرضةً للتنكيل جراء انشطتهم, و قيادتهم لنضال  الطبقة العاملة العربية. وهنا لا ننسى اجرام الدكتاتور جعفر نميري في السودان بحق قيادات الحزب الشيوعي السوداني، و في المقدمة الشهيد الرفيق الشفيع  احمد الشيخ،  وفى مصر القائد العمالي  الشهيد الرفيق شهدي عطية،  و اخيراً  الشهيدة المناضلة  الرفيقة شيماء الصباغ من مصر، و القائمة تطول.  كما ان كل الكوادر و القيادات في الاحزاب اليسارية العربية الذين تعرضوا للاغتيالات و الاعدامات كانوا من خيرة المدافعين عن الطبقة العاملة وسائر الشغيلة ، ذلك في حقبة الخمسين و الستين و السبعين و الثمانين من القرن الماضي حتى يومنا هذا.

هذه هي حقيقة تاريخية في الصراع بين البرجوازية الرأسمالية العربية وجماهير العمال والكادحين،  إلا إن الاحتجاجات والتظاهرات و الاضرابات  لم تتوقف بل  تتواصل الى يومنا هذا،  ذلك نتيجة حتمية لمنهجية الاستغلال البشع والفقر والبطالة،  الا انه وبعد فترة من الصراع  حينها ادركت البرجوازية الرأسمالية العربية في الجمهوريات وبعض الملكيات الذين  قد تعاملوا مع العمال بأسلوب  جديد، و بشيء من الخبث  لكسب جماهير العمال، و ذلك لكسب رؤوس الاموال الاجنبية على شكل استثمارات، و ايضاً للتملص من المسائلة امام بعض المحافل الدولية و الاتحادات العمالية  المعنية بحقوق العمال. و  من هنا سارعت بعض الانظمة في افساح المجال  للأنشطة النقابية والعمالية  لكن تحت اشراف الانظمة العربية  التي شرعت  لنفسها قوانين  تحمى بها مصالحها، ومن ثم تكون لديها  الهيمنة على الانشطة النقابية والعمالية في وسط الاتحادات النقابية والعمالية والمهنية, بحيث قد اصبحت فيها الانشطة النقابية من ضمن الانشطة الحكومية، ومن ثم كان  الغرض من ذلك هو الاستحواذ على التحرك العمالي وتحجيم الانشطة الثورية المعادية لمصالح الانظمة الحاكمة، ومصالح الرأسمالية الوطنية و الاجنبية، وفي سبيل تخفيف الاحتقان في الصراع السياسي بين الكادحين و البرجوازية، ثم هذا كان السبب في سلب الارادة من تحت اقدام المعارضين وتحويل النقابات من فعالة مؤثرة لصالح العمال،  الى شكلية خاضعة لتوجهات الانظمة العربية وقراراتها ،  بمعنى السيطرة على القرار النقابي  الذي من المفروض ان يخدم القضايا العمالية و سائر الشغيلة،  لذلك قد اصبحت الانشطة العمالية فى الوطن العربي مرهونة لحكوماتها.

 في ظل مثل هذه النقابات والاتحادات التابعه للنظام العربي و الذي  اصبحت  فيه الفرصة سانحة لدخول الانتهازية والتحريفية علي الخط، و اصبح العمل في صفوف العمال عرضة للتشويش على العمال الثوريين،  و قد تراجعت  فكرة الصراع  بين الطبقة الرأسمالية و الطبقة العاملة  بصفته شعار غير مرغوب فيه من قبل النظام الرأسمالي العربي و العالمي خصوصاً ابان الصراع آنذاك  بين المعسكرين الاشتراكي و الرأسمالي، و ايضاً تحويل الصراع السياسي في بعض الاقطار العربية من  بين الانظمة الفاسدة والدكتاتورية وجماهير الشعب الكادح الي صراع بغيض عنصري وطائفي  بين الجماهبر، خدمة لصالح البرجوازية الرأسمالية العربية و العالمية، ولا نزال نعاني من ذلك في العراق و سوريا و لبنان و بلدان عربية أخرى.

الا اننا وفي هذه الفترة من الزمن نرى بعض من القوى الوطنية الديمقراطية، خصوصاً اليسارية  تتجه الى موسوعة عمل التجديد للحراك النقابي  العربي، ذلك  في بعض من  الاقطار العربية تزامناً  مع سقوط  القناع للانظمة الدكتاتورية حليفة البرجوازية الرأسمالية العالمية.  
 
في الواقع هنا ثمة امر مهم جداً في مسألة الصراع الطبقي بين الكادحين والرأسمالية،   والذي هو بين الفقراء و الأغنياء، بين من يمتلكون الثراء الفاحش وهم الاقلية،  وبين من يعيشون تحت رحمة الفقر المدقع علي مستوى العالم و هم الاكثرية، و نحن العرب جزء من العالم الاقتصادي العالمي  الواسع بما يحمل من مشاكل سياسية وازمات اقتصادية تتأثر فيها الشعوب العربية، و مثل ما هناك توجد حركات يسارية في العالم وفي قلب امريكا والاتحاد الاوروبي  تناضل ضد الجشع لنظام الاحتكارات العالمية، و التي هي السبب  في زيادة رقعة الفقر جراء سياسة العولمة المتوحشة، فإن مسألة الصراع سوف تبقى قائمة بين الطغمة الرأسمالية، و سائر الكادحين على مستوى العالم حتى بلوغ الاشتراكية التي هي مفصل من مفاصل العدالة الاجتماعية.

هكذا إن  نضال الشعوب العربية و العالمية  مستمر ضد الطغمة الرأسمالية العالمية، و العسكرية الحامية لها، ولابد و إن جماهير العمال وسائر الكادحين سوف يلعبون  الدور البارز في النضال من اجل حياة افضل، و من اجل الحرية والتحرر من جميع القيود الاجتماعية والسياسية  و الطبقية، خصوصاً في ظل تلك الانظمة الرجعية والدكتاتورية العربية.  

 حقيقةً نحن الان نرى ان هناك انشطة للكوادر العمالية والنقابية اليسارية  فى بعض من البلدان العربية، وهي تسير في طريق النضال بعد سقوط بعض الانظمة الدكتاتورية، على سبيل المثال في مصر و تونس و المغرب  و العراق، وهذا يعطى الأمل لنضال كل الكادحين العرب من اجل غداً أفضل، كل ذلك  من اجل  تعزيز المكاسب للعمال وسائر الشغيلة، والوقوف في وجه القوى الرجعية التي تحاول اختراق ثورات الربيع العربي، و التي كان اساسها و وقودها  هم جماهير العمال وسائر الكادحين والفقراء والعاطلين عن العمل والمحرومين و الشباب،  و ايضاً و جب العمل على تصحيح  الاوضاع العمالية من خلال الانشطة المختلفة،  كي تأخذ المسار الصحيح خصوصا الدفع في مسألة النقابات  ذات القرار الديمقراطي  المستقل،  الذي يخدم المصالح العمالية و المهنية ويحفظ الحقوق والانشطة النقابية لكافة الكادحين، و يعطي الزخم لمشاركة الطبقة العاملة في صنع القرار الوطني عبر مؤسساتها  الفاعلة  في وسط المجتمعات المدنية العربية الواسعة.
  
 
 

اقرأ المزيد

نزاهة العمل البرلماني ..!!


 
كثير من التعليقات، كثير من ردود الأفعال، في شأن تلك المسرحية السمجة التي قام ببطولتها نواب على خلفية تغييرات استوجبت في امانة مجلس النواب، صبت بمجملها في خانة التشديد على رفض كل ما يختزله ويمثله ويعبر عنه هيمنة تلك الجمعية، وهاتيك الجماعة، والمجموعة التي لم يكن همها الا البحث عن حصص ومغانم، ومواقع، وألقاب، وانتماءات ضيقة، وكل ما هو غير مطابق للأصول وخال من الضمير، رغم ان منهم من بات في المناسبات والمزادات يظهر لنا في صورة المناضل الذي يحول دون ان تمضي مجريات الامور بعكس المفروض، ويريد ان يقنعنا بأن جل همه بلوغ المواطنة الصحيحة التي تتغذى من الحق والعدالة والقانون والنزاهة والمساواة والصدقية في زمن اللاصدقية ..
 
اللافت في كل ذلك الكم من التعليقات وردود الأفعال تلك الإشارات التي تتحدث عن الفساد، وهذه المرة عن الفساد البرلماني تحديدا – تصوروا – وبدا انه ما من احد ينكر، خاصة أولئك الذين يحسنون قراءة مواطن الخطأ والخلل، الا ويجدون بان ثمة حاجة لفتح ملف نزاهة العمل البرلماني بمزيد من الصفاء والموضوعية، ورب ضارة نافعة ان تلك المسرحية السمجة قد وجهت الأنظار الى ما كنا قد اعتبرناه ملفاً مسكوتاً عنه هو اخطر مما يبدو ويتجاوز حدود امانة النواب، كما انه يفتح الباب لإطلاق العنان لكلام متعمق حول نزاهة واستقامة النواب والعمل البرلماني، ومما يؤسف له ملاحظة ان كثيرا من النواب على مدى السنوات الماضية من عمر التجربة البرلمانية كانت لهم إسهامات واضحة فى انزلاق الأداء والعمل البرلماني الى مستوى مثير لكثير من اللغط لا يجدي تجاهله، وحسبنا هنا ان نذكر بان لاشيء يلزم تخلي النواب في الفصل التشريعي السابق تقليص وتقييد دورهم الرقابي في موقف فريد على مستوى كل برلمانات العالم، يضاف إلى ذالك اعتراضهم على انشاء هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد، التي هي احدى موجبات الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد التي صادقت عليها البحرين قبل سنوات، وتلك مواقف لا تفعل شيئاً سوى خلق فرص أخرى للفساد..
 
نعود الى صلب الموضوع، نزاهة واستقامة العمل البرلماني، وان شئنا الدقة، الفساد في العمل البرلماني، وهنا ثمة مجال للتوقف عند ما قاله النائب احمد قراطة في الندوة التي نظمتها عدة جمعيات لمناقشة برنامج عمل الحكومة، (عقدت بنادي العروبة في 3 فبراير الجاري)، فالرجل ومن دون الدخول في اي تفاصيل يقر علناً بان هناك نواباً فاسدين ..!! وهو كلام ليس فيه ما يدعو الى الدهشة والعجب، ولا أظنه مصبوغاً ببعض القسوة، لانه كلام متداول منذ زمن، الا انه على الأقل يمكن اعتباره من باب «شهد شاهد من أهلها»..
 
نقول الكلام متداول منذ زمن، بل من سنوات، عن الفساد البرلماني، هو فساد أطل برأسه مرات كثيرة، مرة حين خدع هؤلاء النواب ناخبيهم بتقديم انفسهم ايام الانتخابات بصورة المستقلين، فيما هم واقعاً ينتمون لجمعية من الجمعيات يأتمرون بأمرها، أليس هذا من عداد الكذب والتورية المذمومة أخلاقياً ودينياً، ومرة حين لم يتردد هؤلاء فى فترة الانتخابات بتقديم رشاوى انتخابية عينية ومالية، ومرة حين وجدنا نواباً أخلوا بقواعد الحضور تحت قبة البرلمان، ومرة حين جعلوا انفسهم أداة هيمنة على بعض مواقع العمل وشرعوا الباب للانتماءات والولاءات الضيقة. ومرة حين تشاغل النواب بشكل غلب عليه الطابع الكاركاتوري في مناوشات اتسمت بالقحط، ولم تثمر عن تعاط جاد ومسؤول مع ملفات عديدة في المقدمة منها ملف تقارير ديوان الرقابة المالية، ولو انهم احسنوا في عملية التصدي والمتابعة والمحاسبة لما جاء في هذه التقارير كل تلك التجاوزات المتراكمة منذ سنوات كما لا يمكن ان ننسى ولجان التحقيق التي تشكلت، ومنها كمثال ليس إلا، لجنة التحقيق في تجاوزات مستشفى الملك حمد، التي قال رئيسها آنذاك، بأن التجاوزات في هذا الملف فاق التوقعات، وهذا كلام موثق ومنشور…
 
 يمكن أيضاً ان نذكر من يميل الى النسيان، او له مصلحة فيه، بذلك اللغط الذي أثير في الفصل التشريعي السابق على خلفية ما نشر في شأن فساد نائبين تمكنا وبقدرة قادر من رفع رواتبهما التقاعدية حين كانا في موقعي عملهما الرسمي بمقدار يتجاوز 150 بالمائة، ونذكر كيف ان نواباً في مسرحية سمجة أخرى، وهم يحولون جلسة برلمانية الى جلسة صاخبة معترضين على ذلك الاتهام، مطالبين بمعرفة اسماء النائبين وبوضع النقاط على الحروف في هذا الملف حتى لا يكونوا جميعهم عرضة للشبهات، ولكن لم نجد بعد ذلك سوى لا مبالاة فريدة، محيرة ومثيرة بامتياز لعلامات تعجب شتى ..
 انه لممل ان نستعرض الشوائب المتنوعة التى شابت أداء نواب كثر على مر السنوات الماضية، ولعله من المناسب هنا، ان نذكر بان اتفاقية الامم المتحدة لمحاربة الفساد تنص على ردع اي سلوك غير أخلاقي قد يصدر من اي برلماني ومعاقبة مرتكبه حتى لا يسيء للسلطة التشريعية بكاملها، وتعزيز ثقة الجمهور في النواب، والتصدي لاحتمالات المتاجرة بالنفوذ من جانب بعض البرلمانيين، وعليه اصبح لمعظم البرلمانات في العالم مدونات السلوك البرلماني تحكم عمل وأداء البرلماني، وان كانت هذه المدونات والقواعد لم تعد كافية في الوقت الحاضر، خاصة مع زيادة محاولات أطراف هنا او هناك لإفساد البرلمانيين، ومع استعداد بعضهم للانحراف في دورهم لمصلحة تربحهم او مد نفوذهم او هيمنتهم.
 
على كل حال، نعاود الترحيب بموقف رئيس البرلماني الحالي الرافض السماح بتبعية امانة مجلس النواب لأي جمعية سياسية او توجه معين. فهو موقف وان كان يستحق التسجيل والتنويه، فان ثمة استخلاصاً نعود اليه، هو ان موضوع نزاهة واستقامة النواب والعمل البرلماني يجب ان يوضع على الطاولة بكل أريحية وشفافية، بقدر ما هي الحاجة ملحة لمشروع تصحيحي يرفع هيمنة وتسلط واستحواذ تيارات بعينها على مواقع عمل ومسؤولية ضاربين بعرض الحائط ما يتناقض مع كل الكلام الجميل الذى يتردد في المناسبات والمزادات.
 

اقرأ المزيد

اللامساواة أخطر من مخاطر تغير المناخ


 
ما من أجراس تُقرع اليوم بوتيرة وضجيج أكثر من أجراس إنذارات الكوارث المحدقة بالعالم جراء التهديد الذي تشكله ظاهرة تغير المناخ (Climate Change)، رغم المزاحمة التي يلقاها هذا الموضوع اليوم، مؤقتاً، من جانب قضية الإرهاب التي فرضت نفسها عنوة على الأجندة العالمية بفعل “الثورة الإرهابية الداعشية” .

إلا أن الفرنسي ثوماس بيكيتي (Thomas Piketty) نجح من خلال مؤلفه “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” (Capital in the Twenty-First Century)، خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، في استثارة وعي النخبة الاقتصادية من حملة نوبل وإثارة اهتمامهم واهتمام أوساط المال من البليونيرات وأوساط صناع القرار من وزن وزير الخزانة جاك لو ورئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين جاسون فورمان، بشأن خطورة اتساع فجوة اللامساواة في المجتمعات الغربية والمجتمعات العالمية بصفة عامة .

فرغم قوة حركة “احتلوا وول ستريت” الاحتجاجية الموجهة في الأساس لقرع جرس الإنذار من مغبة اتساع الفجوة بين الفقر والغنى الفاحش، ورغم صدور تحذيرات بشأن هذا الموضوع من أصوات عالمية معروفة مثل بابا الفاتيكان، إلا أن كتاب “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”، يبدو أنه الأقوى أثراً حتى الآن .  فبعد بضعة أيام فقط من صدوره اعتُبر الكتاب رقماً واحداً في سلسلة الكتب الأكثر مبيعاً على قائمة أمازون، إذ بيعت منه أكثر من مئتي ألف نسخة، وهو ما لم يحدث في تاريخ دار نشر جامعة هارفارد للطباعة التي طبعت الكتاب . كما وصفه الاقتصادي “النوبلي” بول كروجمان بأنه كتاب العشرية الثانية للقرن الحادي والعشرين في مجال الاقتصاد .

الكتاب يحلل سجلات ضرائب لمئات السنين من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا واليابان لإثبات شيء بسيط وهو أن الأغنياء يزدادون غنى وأن ثرواتهم لا تتراجع وإنما تتصاعد، وأن نسبة ال 1% من الأمريكيين الذين يستحوذون على معظم الثروة تقترب من نسبة ال 1% من أثرياء فرنسا ما قبل الثورة الفرنسية (1789)، وهو ما يضع الولايات المتحدة في نفس الوضع الذي كانت عليه فرنسا عشية الثورة من حيث حدة الاستقطاب الاجتماعي، التي أدت إلى الهجمات الدموية على نخبة ال 1% الفرنسية آنذاك . ويحمل بيكيتي جشع رأس المال، مسؤولية هذا الكابوس .

اعتباراً من أواخر تسعينات القرن الماضي بدأ بيكيتي فحص وتحليل سجلات الضرائب في فرنسا منذ ما بعد الثورة الفرنسية قبل أن يتحول إلى دراسة الظاهرة عالمياً، حيث درس وحلل على مدار خمسة عشر عاماً بيانات 30 دولة . غير أن تركيزه انصب على سياسة الضرائب في الولايات المتحدة على مدار السنوات المئة الأخيرة . . منذ أن وضع الكونغرس ضريبة الدخل في عام 1913 “لموازنة ساحة اللعب الاقتصادية” من خلال نظام الضريبة المتدرجة التي ترتفع مع ارتفاع مستوى الدخل (الثروة) . ويتوقف بيكيتي عند السنوات الثلاثين الأخيرة باعتبارها سنوات الخفض اللامعقول للضرائب المفروضة على أصحاب المليارات، التي نتج عنها ارتفاع مستوى الغنى الفاحش في حين أصبح أصحاب الدخول الثابتة المعتمدين على مرتباتهم، أكثر فقراً . فكان أن تدهور حال الطبقة الوسطى التي كانت أنعشتها سياسات “الصفقة الجديدة (New Deal) لثلاثينات القرن الماضي التي حتمتها أزمة الكساد العظيم (1929-1934) ومشروع مارشال لما بعد الحرب العالمية الثانية .
ثم زادت فجوة اللامساواة مع اتساع الفارق بين معدل العائد على رأس المال ومعدل النمو السنوي لإجمالي الناتج المحلي، حيث كانت مؤشرات البورصة تحقق أرقاماً قياسية في حين كانت أجور العاملين مجمدة . وللتغلب على هذه المعضلة، يقترح بيكيتي بأن يفصح مواطنو كافة البلدان عن ثرواتهم ومن ثم تفرض ضريبة دخل عليها لإعادة تدويرها اقتصادياً واجتماعياً لتعديل الاختلالات الخطيرة في مستويات الدخل . كما يقترح توسيع الدائرة الاجتماعية للتمكين من الوصول إلى التعليم، وزيادة الضريبة على أرباح رأس المال، وسد “ثقوب” التهرب الضريبي .
 

اقرأ المزيد

قصيدة الرفيق عبدالصمد الليث في رثاء الرفيق أحمد الخياط


ألقى الرفيق الشاعر عبدالصمد الليث قصيدة في حفل تأبين الفقيد المناضل أحمد الخياط عضو جمعية العمل الوطني الديمقراطي الذي وافته المنية بتاريخ 7 يناير 2015
وهذا نصها

   

   


 

حيّـاً يعيـــشُ و يبقـى اســـمـُهُ علمـــا         
                      مَن قـد أضاءَ بتـاريخِ الفخارِ سـما


مَن عاش صنوَ رفاقِ الشمسِ لا كللٌ        
                     يُزري به لا ولا أعطى الونى همما


مَـن أتبــع القـولَ بالأفعــالِ مبتـــدِراً         
                      بالخيرِ حفرَ جدارِ الشــرِّ ملتزمـــا


في ركبِ ملحمــةٍ من بحــرِ مكـرمةٍ        
                      تنأى بمرحمـةِ عن غائــلِ اللؤمــا


خـبَّ النضـالَ ثباتـــاً غيــرَ منقطــعٍ        
                      ولم تزحـزح° تباريــحٌ لـه قَدَمـــــا


فمن “ظفار” تلا درســـاً الى “يمـنٍ”        
                    حيث “الجنوبُ” بجهد الواهبين نما


نحا “دمشقَ”فبلَّ الريقَ من “بردى”         
                  رغم “الفراتِ” يظلّ القلبُ مضطرما


و عاد للوطن الغالــي بمـــا رحبـت        
                      إذ ذاك أجـواؤه فاستقطبت رَحِمـــا


فكـان ما كـان مـن إيــلافِ بوتقـــةٍ         
                      فيها انصهارُ الذي بالفجرِ قد حلما


والطيبــون تنــادوا فـي مذ اهبـــهم       
                       كمـا الطيــور يغني ســربُها نَغَمــا


واخضرَّ عودٌ ورفَّ الضوءُ من حذرٍ       
                       عســى يدوم لنـا شــملٌ قد التأمــا


لكـــن وأســـــفاً عــادت لفـائتـــــةٍ            
                        أيامُنــا و بـدا غــلٌّ بهـا احتدمـــا


دال الزمانُ ففي الأحــداقِ مجمرةٌ           
                       وفي الجراح نــداءٌ بات منقســما


فيا رفاق الحـجى ياكلَّ من عشقوا           
                       بلادَنا و النهى….يا أيها الحكــما


جمــعاً تعالــوا الى أفيـاءِ وارفـــةٍ           
                       تبدِّدُ الشــكَّ و الإسـفين و العَدَمـا


فليـس من بلــدٍ يُشــفى الغليــلُ بـه          
                   وليس غير “عذاري” تبرئ السَّقَما


كلُّ الينابيع في الدنيا و إن دهقــت          
                     كؤوسَها سوف لن تُطفي بذاك ظما


نسترخص العمرَ بالإيثارِعن عمدٍ          
                      واعٍ لندرء عن ليل الخطوبِ حِمى


في أربعينِكَ يحدو الشجوُ أضلعـنا           
                       فنستجيرُ بصبرٍ من ســماكَ هَمــا


يا “أحمد” الخُلُق السامي و فرقـدُهُ          
                       عتــمٌ تنــوّر مِـن عليـاك مغتنـــما


يا ابنَ “المنامةِ” والذكرى تُديم لنا          
                       شخصاً كريماً تباهى إسـمُهُ كَرَما


ملءَ العيونِ مُحـيّا من نُحبُّ وفـي          
                        كلِّ القلوبِ كنبضٍ يحفــظ الذمـما


نَم في ترابِ “أوال” الخُلدِ مكتسباً           
                        طبعَ النخيلِ قريرَ العينِ مبتســما


ولتزدهر أطيبُ الآمـالِ يجمعــها          
                       حبُّ البلادِ بشعبٍ عاش منسـجما
 
 
عبد الصمد الليث
2015/2/16

  

  

اقرأ المزيد

صناعة العوز: الفقر كمضاد للتحول الديمقراطي

 

 


وسط كرنفال العولمة الذي تبارى المتبارون في تمجيده، تناسى الكثيرون أن العولمة بين أشياء أخرى كثيرة تعولمها، «تعولم» الفقر أيضاً. صحيح أن القسمة الضيزى القائمة بين عالم غني يسبح في الثراء وبين محيطات واسعة من الفقر والعوز، لا بل والمجاعة في معناها الحرفي التي تودي بحياة آلاف البشر لأنهم لا يجدون ما يسد الرمق، لم تنشأ مع العولمة في صورتها الراهنة. لكن هذه العولمة أعطت أبعاداً غير مسبوقة على ظاهرة الفقر، هي التي ترافق صعودها على خلفية الإفقار المتزايد لقطاعات شعبية واسعة، بما في ذلك الفئات الوسطى، وصودرت الكثير من الضمانات الاجتماعية التي كانت الرأسمالية قد اضطرت إليها مُكرهةً في مراحل سابقة تحت ضغوط نضالات الحركتين النقابية والديمقراطية، خاصة في البلدان المتطورة.

هُلل للنظام العالمي الجديد الذي أعلن عنه الرئيس جورج بوش الأب حين كانت قواته قد أحكمت سيطرتها على منابع النفط في الخليج، فيما كان الاتحاد السوفييتي قد لفظ أنفاسه الأخيرة، وقُدمت العولمة في أبهى وأبهج صورها. حينها تبارت الأقلام والشاشات في إظهار مفاتن ومحاسن العصر الجديد، الذي سيضع حداً للأنظمة الشمولية، وسيعمم الرفاه على العالم كله.

قالوا لنا إن التاريخ بلغ نهايته، بعد العولمة لم يعد أمامنا مستقبل آخر نذهب إليه. من يحلم بالمستقبل فعليه أن يرفع الرايات البيض استسلاماً، فعهد الأحلام الكبرى وأفكار التغيير قد ولى من دون رجعة، وسادت ثقافة ملغومة أطلق عليها ثقافة المراجعة، بموجبها تخلى الكثيرون عن أحلامهم، والتحقوا بالعربة الأخيرة في القطار الذي تحدث عنه فرانسيس فوكاياما في كتابه الشهير عن “نهاية التاريخ وخاتم البشر”.

كان فوكاياما قد حذّر هؤلاء من أن وصول هذه العربة الأخيرة قد يعرقله بعض قطاع الطرق، ولكنها في النهاية لاحقة ببقية عربات القطار إلى جنة الليبرالية الموعودة. نحو عقدين فقط مرا على هذا الكرنفال، علينا أن نجول بأعيننا حول العالم لنرى أن هذا العالم يزداد فقراً كلما زاد ثراء القلة الذين أحكموا الخناق على ثرواته.

أكثر من مليار إنسان ما زالوا يعيشون على دولار واحد باليوم، كما أن أغنى 500 شخص في العالم يملكون دخلاً يزيد على دخل 416 مليون إنسان مجتمعين، ويصنف 800 مليون إنسان في العالم كجوعى. وتستحوذ بلدان الشمال والتي تبلغ خمس البشرية على أربعة أخماس الموارد والعوائد، بينما تتوزع النسبة الباقية على البلدان الفقيرة التي تنعدم فيها فرص التبادل التجاري العادل في ظل سياسة العولمة الاقتصادية واتفاقيات منظمة التجارة العالمية. وحسب وثيقة عرفت باسم تقرير الشباب العالمي فإن الشباب بين الأعمار 15-24 يشكلون ربع سكان العالم، ولكن نصفهم عاطلون عن العمل.
تصبح هذه الأرقام أكثر خطورة عندما نأخذ بعين الاعتبار الأبعاد المعقدة المتعددة للفقر: الجوع وسوء التغذية، وعدم المقدرة على الحصول على تعليم وخدمات أساسية أخرى، وزيادة الأمراض، والتشرد أو عدم توفر المسكن الملائم، وعدم توفر البيئات الآمنة، وعدم المشاركة في الحياة الاجتماعية والثقافية والاجتماعية.

يلفت النظر في بعض التقارير التي تعدها شبكة المنظمات العربية للتنمية توقفها أمام ظاهرة الفقر في بلداننا العربية، والجهود المبذولة في سبيل تقليص الفجوة بين الغنى الفاحش والفقر المدقع في غالبية هذه البلدان. وفي هذه الفجوة بالذات يكمن السبب الرئيس في تلاشي الفئات الوسطى التي كانت رافعة للتقدم والفكر المستنير في مراحل تاريخية سابقة، يوم أسهم أبناء هذه الطبقة ممن تلقوا التعليم الجيد، وتمتعوا بمداخيل مستقرة وجيدة في صوغ الوعي الجديد في مجتمعاتنا.

أمور كثيرة تغيرت في كافة بلداننا العربية، فقد تراكمت الثروات في أيدي فئات محدودة العدد من الأغنياء، وتعمم الفقر بحيث أصبح ظاهرة اجتماعية خطرة، ترتب عليها الكثير من أشكال الوعي المزيف، والنزوع نحو الانغلاق. وفقدت المدينة العربية طابعها الديناميكي المنتج للحداثة والمعرفة والفنون الراقية، أمام التزييف الواسع جراء توسعها العشوائي بسبب نزوح فقراء الأقاليم والأرياف اليها تحت ضغط الضائقة الاقتصادية.

يبدو هدف مكافحة الفقر، كما يفهم من بعض التقارير التي أشرت اليها أعلاه، قرين ما تدعو اليه المنظمات الدولية المعنية بالأمر، برفع مستوى النمو في البلدان الفقيرة، وضمنها عالمنا العربي، في ما يشبه الارتباط الشرطي، فما أن يتحسن هذا النمو، حتى تنحسر مساحة الفقر. وفي هذا الكثير من التضليل، لأن تقارير اقتصادية كثيرة تتحدث عن ارتفاع معدلات النمو، دون أن يقترن ذلك بخطط جدية في اعادة توزيع الثروات بشكل عادل من أجل مواجهة الفقر.

ان الولع بالمؤشرات الكمية يحجب الجوهر الاجتماعي لظاهرة بحجم ظاهرة الفقر، خاصة وان من يرسمون السياسات الاقتصادية على المستوى العالمي اليوم، التي تصدر وصفاتها الينا، مأخوذون بنموذج الليبرالية الجديدة، الذي رغم الخضة التي أصابته بالأزمة المالية العالمية، ما زال قادراً على اعادة ترويج نفسه، من خلال هيمنة دعاته ومريديه على اقتصاد العالم.

حين يجري التفكير في اعادة هيكلة اقتصادات البلدان النامية، فان الأنظار تتوجه نحو ما تدعى بيوتات الخبرة، والى وصفات البنك الدولي ونظيره صندوق النقد، والبند الأول في هذه الوصفة هو عادة رفع الدعم الحكومي عن المواد الحيوية، وتجربة العديد من هذه البلدان تشير الى كوارث اجتماعية عديدة جرتها هذه الوصفات، التي لم تفعل سوى زيادة الفقراء فقراً، والأغنياء ثراء.

آثار الفقر لا تنحصر فقط على الصعيد الاجتماعي والمعيشي، وإنما تطال الجانب السياسي أيضاً، بما في ذلك تأثيرها على قضايا البناء الديمقراطي، ولو أخذنا بلداً ديمقراطياً نموذجياً كالهند، مثلاً، سنجد أن حوالي نصف سكان البلد ما زالوا أميين، ومع ذلك ففي الهند اليوم أكثر من ثلاثة آلاف صحيفة يومية، ونحو من عشرة آلاف مجلة أسبوعية، وقد ارتفع توزيع صحافتها اليومية من 3.6 مليون نسخة في عام 1958 إلى ما يفوق الثلاثين مليون في الوقت الراهن.

هذه بعض إحصاءات يقدمها الدكتور جورج طرابيشي في إطار حديثه عن مناعة الديمقراطية في الهند، متخذا من تطور الصحافة وقوة نفوذها واتساع تأثيرها دليلا من أدلة هذه المناعة، في نطاق عرضه لكتاب حول الديمقراطية في الهند، ملاحظاً أنها أكبر ديمقراطية في العالم، حتى بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تزيد الهند بالحجم السكاني ثلاثة أضعاف ونصف الضعف على عدد سكان الولايات المتحدة.

ديمقراطية الهند هي النموذج الوحيد الثابت في البلدان النامية، رغم أن العديد من هذه البلدان شهدت تجارب متفرقة من الممارسة الديمقراطية، لكنها غالبا ما تكون عابرة ومتقطعة وعرضة للتقلبات. أما ديمقراطية الهند فقد ظلت مستمرة من دون انقطاع منذ عام1947 ، عام استقلال الهند، بل ربما قبل ذلك بكثير، إذا ما اعتبرنا عام 1920 الذي شهدت فيه الهند انتخاباتها العامة الأولى في ظل الاحتلال البريطاني تاريخ بداية لهذه الممارسة .

لكن ما يلفت النظر في نطاق الحديث عن معوقات الديمقراطية في الهند، هو ذلك الإلحاح الذي يظهره المؤلف، بين عوامل عدة، على عامل الفقر، ذلك بأن ما نسبته 38% من سكان الهند يعيشون تحت عتبة خط الفقر، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن آفة الأمية تختار ضحاياها من بين الفقراء بالدرجة الأولى، فإن العقبة تغدو مزدوجة.

ورغم أن هناك معطيات إحصائية حديثة، تذهب إلى انه من بين المليار نسمة الذين يشكلون سكان الهند اليوم يبلغ عدد من يمكن أن نعدهم في قوام الطبقة الوسطى نحو مائتين وخمسين مليون نسمة، أي بالضبط ربع السكان، وبالتالي علينا ألا نبدي اندهاشاً كبيراً حين نرى الهند تحقق معدلات النمو الكبيرة التي دفعت بها إلى مصاف الدول الأكثر نمواً في العالم في السنوات الأخيرة. والطبقة الوسطى وحدها ليست سبباً كافياً لتحقيق النهضة، ولكن وجودها المتين والراسخ في أي مجتمع يضمن له التطور المستقر، ويحميه من الهزات الاجتماعية الكبيرة، هذا فضلا عن انه يوفر القاعدة البشرية المؤهلة لأن تكون مرتكزاً مكيناً للعطاء في مجالات التنمية والإبداع والثقافة والتقدم الاجتماعي، لأن هذه الشريحة هي الأقدر، من بين شرائح المجتمع، على أن تدفع بفكرة الحداثة إلى الأمام.

الملاحظة التي ينقلها طرابيشي تذكر بملاحظة مشابهة عن معوقات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية، فرغم انه لم تعد تحوم شكوك حول مستقبل الديمقراطية في هذه القارة، إلا أن هذه الديمقراطية تعاني من أمراض عدة بينها إخفاقها في الجمع بين حقوق المواطنة ومنطق السوق، حيث تزداد حدة التفاوتات الطبقية والاجتماعية، وخلافا لما جرى في أوروبا، حيث تقدمت الديمقراطية بتقدم الطبقة الوسطى، فإن التحول الديمقراطي في أمريكا اللاتينية ابتداء من الثمانينات اقترن بتعميم متزايد للفقر، وبتقلص حجم الفئات الوسطى.

هذا الإلحاح على الفقر بوصفه مضادا للديمقراطية أمر يعنينا في عالمنا العربي كذلك. فللديمقراطية وجهان، أحدهما سياسي يتصل بالحريات وبالمشاركة السياسية وبفعالية مؤسسات المجتمع المدني، وآخر لا يقل أهمية: اجتماعي يتصل بضمان العدالة الاجتماعية والتوزيع المتوازن للثروات، والنهوض بمستوى الشرائح الاجتماعية المعدمة ومحدودة الدخل، وتأمين ضمانات العيش الحر الكريم لها.

ولن تمضي عملية التحول الديمقراطي قدما في البلدان التي تنشد هذا التحول، إذا ظلت الأوضاع المعيشية لهذه الشرائح تتفاقم في التردي، وإذا استمرت مظاهر التمييز والإفقار، وسوء الخدمات الضرورية للمواطنين في مجالات السكن والعمل والضمانات الاجتماعية، وظل الاستقطاب الحاد بين الفقر والغنى، وهشاشة الفئات الوسطى ومحدودية تأثيرها، وهي الفئات التي عرفت على الدوام بصفتها مرتكزا اجتماعيا للتحول الديمقراطي في أي مجتمع.
 

اقرأ المزيد

انتعاش الروح الحربية الأمريكية


 
بعدما نجحت ضغوطها في إفشال اتفاق “مينسك 1” الذي تم التوصل إليه أواخر شهر سبتمبر/ أيلول من العام الماضي في روسيا البيضاء بين الحكومة الأوكرانية والانفصاليين وروسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، الذي نص على سحب الأسلحة الثقيلة والمسلحين الأجانب لضمان وقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا وإبعاد المدفعية 15 كلم عن خط المواجهة من الجانبين لخلق منطقة عازلة لفصل القوات الحكومية عن المقاتلين الموالين لموسكو تبلغ مساحتها 30 كلم، وعلى عدم استعمال الأسلحة الثقيلة في المناطق المأهولة، ومنع المقاتلات والطائرات بلا طيار من التحليق فوق المنطقة الأمنية التي ستكون تحت مراقبة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بعدما نجحت ضغوطها في إفشال ذلكم الاتفاق، ها هي واشنطن تعيد الكرة ثانيةً لإفشال مبادرة جديدة تقدم بها هذه المرة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل استهدفت التوصل إلى اتفاق جديد في العاصمة البيلاروسية مينسك ذاتها التي استضافت المفاوضات من جديد يوم الحادي عشر من فبراير/ شباط ،2015 وهي ضغطت على برلين من أجل عدم عقد هذا الاجتماع، واستدعى البيت الأبيض على عجل المستشارة الألمانية من أجل إثنائها عن مبادرتها السلمية والتخلي عن تحفظها على قرار البيت الأبيض والكونغرس لتزويد أوكرانيا بأسلحة فتاكة بعد تزويدها الجيش الأوكراني والمليشيات القومية التي تحارب معه في شرق وجنوب أوكرانيا بأسلحة غير فتاكة .

وإذا كانت المبادرة الفرنسية الألمانية قد تكللت بالنجاح في التوصل إلى اتفاق يرسم خريطة طريق لحل الأزمة، فإن مخاوف الأوروبيين والروس بشأن فرص إفشال اتفاقهم، تظل كبيرة، ليس فقط من جانب الانفصاليين الموالين لروسيا، وإنما أيضاً من جانب السلطة الحاكمة في كييف الموالية للغرب أيضاً . إذ يكفي الإيعاز لكتيبة “آزوف” التي تقاتل إلى جانب الجيش الأوكراني، والتي تضم، بحسب تقرير ل”بي بي سي” مقاتلين أجانب بينهم ضباط وقناصة سابقون في الجيشين السويدي والفرنسي ويمينيون من النرويج وفرنسا وإيطاليا ورومانيا وتركيا والشيشان، الإيعاز لها بخرق وقف إطلاق النار لإفشال الاتفاق كما حدث لسابقه .

في الأثناء تسارع واشنطن الخطى لرفع وتيرة التصعيد مع موسكو، ويندفع الرئيس أوباما بقوة لتغليظ جرعة شخصنة الصراع مع روسيا وصار يطنب في تسمية الرئيس الروسي بوتين بالاسم وهو يهاجمه شخصياً لاستفزازه وإهانته على الملأ، آخرها كان في حضرة ميركل في البيت الأبيض . وعلى جري العادة تقتفي بريطانيا ورئيس حكومتها ديفيد كاميرون أثره في التصعيد الشخصي . وهذا يعيد إلى الأذهان المفردات الحربية للغة الحرب الباردة التي أدمن الرئيس الأسبق رونالد ريغان وإدارته على استخدامها في الصراع مع الاتحاد السوفييتي المنهار . في حين يمتنع الرئيس الروسي صاحب ملامح الوجه القاسية، عن مجاراة نظيره الأمريكي، مفضلاً اتباع أسلوب أندريه غروميكو وزير الخارجية المخضرم في العهد السوفييتي المتمثل في “الرد على الاستفزاز بالإهمال والصمت المطبق” . حتى إنه قبل بضعة أشهر حين عقد بوتين لقاءً مفتوحاً مع الجمهور، مباشراً وعبر الإنترنت، سأله أحدهم عن رأيه فيما سيفعله الرئيس أوباما لو حدث وكانا معاً في قارب واحد مهدد بالغرق، فأجابه بأنه واثق كل الثقة من مناقبيات وأخلاقيات الرئيس أوباما والتصرف على أساسها في مثل هذا الموقف .

على صعيد متصل، بالتصعيد إياه ولكن على مقلب آخر، فقد تقدم الرئيس أوباما إلى الكونغرس بطلب رسمي لمنحه تفويضاً إضافياً مدته ثلاث سنوات يخوله توسيع نطاق الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في العراق وسوريا ليشمل إرسال قوات برية (محدودة على حد قوله) لمقاتلة عناصر التنظيم على الأرض، على أن يُحظر استخدام هذه القوات في “قتال بري هجومي ممتد”، كما جاء في طلبه الرسمي . وهذا يعني مخصصات مالية إضافية في الموازنة لتمويل الحرب . وكان الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ قد أقر مشروع قانون في شهر ديسمبر/ كانون أول الماضي، بناءً على طلب الرئيس، قضى بتخصيص نفقات إضافية في ميزانية الدفاع قدرها 4 .3 مليار دولار لتمويل الحرب الأمريكية ضد تنظيم “داعش”، إضافة إلى 6 .1 مليار دولار لتدريب القوات الكردية العراقية على مدار عامين .

علماً بأنه تم تخصيص 64 مليار دولار في موازنة الدفاع الأمريكية للعام الجاري 2015  لحروب الولايات المتحدة في الخارج . أما موازنة الدفاع الأمريكية للسنة المالية 2016 فإن عرض الرئيس بشأنها يتضمن زيادتها بواقع 9 .24 مليار دولار إلى  585.3 مليار دولار، أي بزيادة على سابقتها بنسبة 4%، وذلك على الرغم من انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي بعد 13 عاماً على دخول القوات الأمريكية والبريطانية إلى أفغانستان لمحاربة طالبان والقاعدة . وينسج وزير الدفاع الأمريكي الجديد آشتون كارتر على منوال الرئيس أوباما، إذ يضغط بدوره من أجل إرسال أسلحة ثقيلة ومستشارين عسكريين أمريكيين لتسعير الحرب في شرق أوكرانيا . وهو توجه مقصود بطبيعة الحال، يهدف لتسميم أجواء العلاقات الدولية بإحاطتها بنذر الحرب من كل جانب، لتسيد المشهد الدولي، في السلم والحرب .

جدير ذكره أن لجنة نوبل للسلام النرويجية قررت في شهر أكتوبر 2009 منح جائزتها لعام 2009 للرئيس باراك أوباما نظير ما اعتبرته جهوده في تقوية الدبلوماسية الدولية والتعاون بين الشعوب، وهو الذي بالكاد أكمل شهره التاسع في السلطة التي تسلمها رسمياً في 20 يناير/ كانون الثاني ،2009 هذا الرئيس الذي اعتبر حرب بلاده في أفغانستان حرباً “عادلة” وحربها في العراق “غير جيدة” أو غير لازمة، وتعهد بوضع حد لتورط الولايات المتحدة في هاتين الحربين، حيث قام بالفعل بإخراج القوات الأمريكية من العراق بعد أن فشلت ضغوط واشنطن على بغداد للقبول باتفاقية عسكرية تسمح بتواجد عسكري أمريكي في أراضيها، وسحَب القوات الأمريكية من أفغانستان بعد أن انتزع موافقة حكومتها على اتفاقية عسكرية تسمح باحتفاظ واشنطن بقواعدها العسكرية وباستمرار مرابطة  12,000 جندي أمريكي هناك . .
هذا الرئيس هو نفسه الذي توسعت إدارته في غارات طائراتها من دون طيار في باكستان سرعان ما شملت 7 دول أخرى، ومؤخراً فقط انزلقت رجليه إلى أتون حرب جديدة، وإن كانت من الجو حتى الآن ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا والعراق، إلا أنها باتت مرشحة بقوة، برسم تطورات الأيام القليلة الماضية، للتحول إلى حرب شاملة تشارك فيها قوات المارينز الأمريكية على الأرض . ومن يدري إلى أين ستقود إغراءات الحرب التي عادت بحليمة إلى عادتها القديمة؟!

هل هذا معقول؟ . . فوفقاً لبيانات مواقع إعلامية أمريكية غير موالية، فإن سلطات الضرائب في الولايات المتحدة تقتطع 59 سنتاً من كل دولار واحد من سلة الجباية الضريبية التي يتم تحصيلها من رواتب وأجور الموظفين والعمال ومن مداخيل الشركات والأفراد، لتمويل الحروب الأمريكية السارية والأخرى قيد التخطيط، في الوقت الذي تعاني فيه قطاعات اقتصادية عديدة مثل المدارس والجامعات والحدائق العامة والطرق ومراكز الأبحاث والبيئة والصحة والسلامة، شح التمويل الحكومي الذي يجد أحد تجسيداته في تضعضع ميزانيات الأسر الأمريكية وفي تراجع العمر الافتراضي للفرد .
 

اقرأ المزيد

من يقاضي النائب إن جار وظلم؟


 
غريب أمر هذه البلاد، في تواطؤ الاستغفال والجهل، في الفساد والإفساد، فتسودها الفُرْقَة على أساس الدين، ثم تتوالد هذه الفرقة على أساس المذاهب في الدين الواحد، وتتناثر على أساس الفِرَقْ في كل جماعة ومذهب، وتتعاظم تلك الفُرْقَة بالجيرة إلى القبيلة وإلى الجماعة، وكلٌ يكره الكل، فيرفع الجميع كل أشكال البيارق، عدا شعار الوطن والمواطنة، إلا قلة ممن رحم ربي، في ظل غياب دور الدولة الحيادي الخادم للمجتمع كوحدة وطن.
 
والكل يتغالب جرياً إلى المغانم الشخصية، سواءً في شكل الغنيمة المُستَحصَلة أو في الضر بالآخر، ولا حساب عليهم في ذلك، مادام مسئولو بعض الأجهزة، آخر من يبرأ من ذات الشبهات، دون جزاء أو حساب، ولنا في تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية دليل ذلك.
 
لذا ليس غريباً ولا مستنكراً، ما يثار هذه الأيام من شبهات تمسّ الأمانة الإدارية والحقوقية، حول أداء رئاسة مجلس النواب، في تنفيذ قرار هيئة مكتب مجلس النواب، وفصل مساعد أمين عام الأمانة العامة لمجلس النواب من عمله، بقرار متجاوز في ظاهره لقوانين وحقوق العاملين، من حيث أنه لا جزاء من دون تحقيق ومساءلة.
 
إلا أننا رأينا الأطراف تتبنى المواقف، في شتى احتمالاتها، عدا موقف الحق والحياد، على قاعدة الفرقة التي ذكرنا في بداية المقال، فهناك من خَطّأ القرار والإجراء، بناءً على أنهما ماسان به وبجماعته، بدل طلب المساءلة والتحقيق، وهناك من صَوَّب وأشاد بالقرار والإجراء، على خلفية «ماداموا مو من جماعتنا، يستاهلون وعساهم وأكثر»، وهناك من أفرحته أوتار الانتقام لما أصابه منهم، في سابق الأيام من ذات الفعل، قائلاً «ذوقوا ما أذقتمونا».
 
وغفل الجميع أو تم إغفاله، بعيداً عن أصل المَصاب ومصدر الطعن، ألا وهو غياب دولة المؤسسات والقانون، وإهدار الحقوق وتجاوز العدالة والمساواة، والكيل بمكيالين، في فعل مبني على ميزان «من هو منا لا يطبق عليه القانون»، والأدهى أن الجهة التشريعية، وهي المعنية بتضادد مواقف أعضائها، تبنوا أحد موقفين، بناءً على قاعدة «مصابهم نفع لنا»، إما مع القرار والإجراء أو ضدهما، ولا ثالث للموقفين، مادامت النتيجة هي الضر أو الاستفادة بالتدوير ما بين الأطراف المعنية.
 
في حالةٍ كهذه، ما هو سبيل الاحتكام وجهته، وخصوصاً أن الأطراف المتخاصمة، هم أعضاء منتخبون في مجلس النواب، فمعلوم أن النيابة والقضاء لا يستطيعون مساءلة النواب، إلا في حالة أن يسقط النواب الحصانة النيابية عن بعضهم البعض، والمأساة أنهم إن فعلوا، في قضية كهذه، مُثارة فيها شبهة «الحزبية»، فإنهم جميعاً يمارسونها، دون إستثناء، وخصوصاً في مثل قضية التوظيف هذه، وليس هناك استثناء بينهم، ممن ربما يدَّعون الحياد، والصالح الوطني العام، فلو كان كذلك، لما قَبِل أكثرهم أن يفرضوا أنفسهم تمثيلاً لمن لم ينتخبهم، بناءً على قانون استنوه لأنفسهم، أو قبلوه عن غيرهم ممن سبقهم، ربما بدءًا دون علم ودراية باحتمالات مآلاته العملية. ولكن الأمر بات واضحاً من مستوى الرئاسة إلى العضوية، بمستوى التمثيل الانتخابي لكل منهم، فلو كان لأي منهم ذمة أحقية التمثيل، لما احتجَّ بقانون غير عادل، ولاستهل عمله النيابي بتصحيح القانون، ليعكس موضوعه المساواة والعدالة، والنظام الانتخابي عادل التمثيل، كما يغير المؤمنُ المنكرَ بيده، وإن لم يستطع لاستقال كل من لم ينل فوق الخمسين في المئة من كتلة الدائرة، ليفتح المجال لإجراء إعادة الانتخابات، من بعد حل أي إشكال يعيق حقوقية التمثيل.
 
وعلى مستوى القضية المثارة، فقد دأب المجلس على تشكيل لجان تحقيق نيابية، لكل ما يثار حوله أي شبهة، فلماذا إغفال هذه الأداة الرقابية بالذات إزاء هذه القضية، هل لأن القضية تمس ذات المجلس، لينطبق على المجلس القول: «القانون لا يطبق علينا»؟ ومتى كان لأي رئيس أو مدير، أن يفصل أي موظف من عمله، بناءً على ما يراه ويهواه كمسئول صاحب سلطة، دون اتباع النظام وإجراء المساءلة والتحقيق؟
 
والمساءلة والتحقيق في هذا الصرح التشريعي، له أدواته الرقابية، بتكليف لجنة تحقيق مستقلة من خارج المجلس ومن خارج الحكومة، حيث جميعهم أصحاب مصلحة، وهذه اللجنة يتوجب أن تكون بتكليف نيابي لمختصين، مع ضمان الإسقاط التلقائي للحصانة النيابية، عن أي نائب تطلب اللجنة إزاءه ذلك، لغاية التحقيقات، أو ليُقدَّم إلى النيابة والقضاء، فيما تتوصل إليه اللجنة من إدانات نتيجة تحقيقاتها، سواء فيما يتعلق بالإجراء الإداري لفصل الموظف، أو ما يتعلق من استكشافات أخرى جراء التحقيق.
أم أن المجلس يحمي أعضائه ضد المواطن والوطن؟
 


صحيفة الوسط البحرينية – 18 فبراير 2015م
 
 

اقرأ المزيد

دور الشمولية العربية والاستعمار في صناعة الإرهاب


أقل من شهر هو الفاصل الزمني بين مجزرة صحيفة «شارلي إيبدو» الباريسية نهاية الأسبوع الأول من يناير/ كانون الثاني الماضي، وبين إعلان التنظيم الإرهابي ذاته «داعش» إحراق الأسير الطيار الاردني معاذ الكساسبة في أوائل فبراير/ شباط الجاري، موثقةً إياه بالفيديو الذي جرى تداوله عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي في مختلف أرجاء المعمورة. ومع أن الحادث الثاني لم يرح ضحيته سوى شخص واحد قضى نحبه محروقاً متفحماً، إلا أن هول هذه الجريمة وشدة فظاعتها التي تقشعر لها الأبدان، جعلت منه (داعش) في وقع الصدمة يرقى إلى حجم ردود الفعل العالمية الواسعة المنددة وبما يوازي حجم ردود الفعل العالمية على الحادث الأول الذي راح ضحيته 12 شخصاً غالبيتهم من صحافيي الصحيفة وخمسة من الأبرياء والقتلة على خلفية تداعيات ملاحقتهم أمنياً بعد يومين من الحادث.
 
ولربما طغت ردود الفعل والمواقف العالمية تجاه جريمة حرق الكساسبة على ردود الفعل والجدل الفرنسي والعالمي حول جريمة صحيفة «شارلي إيبدو»، على الرغم من أن هذا الحادث قارنه بعض المحللين في خطورته وردود الأفعال عليه بهجمات سبتمبر 2001 الإرهابية، والتي راح ضحيتها نحو ثلاثة آلاف شخص إثر ضرب القاعدة برجي التجارة في نيويورك.
 
وفي حين حظي الحدث الباريسي بحملة عالمية ودولية من التعاطف مع الضحايا ومع فرنسا حكومةً وشعباً، ووصلت ذروتها بمظاهرة باريس المليونية التي شارك في طليعتها لفيف من زعماء العالم من بينهم العاهل الأردني الذي نُكبت بلاده بصدمة بعدئذ بمقتل طيارها المقتول حرقاً، بل وحظيت لأول مرة بتعاطف واسع من العرب والمسلمين المعتدلين الذين استنكروا الحادث رغم تحفظهم واستهجانهم لرسوم شارلي ايبدو التي اعتبروها اساءة لنبيهم (ص)، فإن جريمة حرق الكساسبة لم تحظ بحملة عالمية من التعاطف مع الضحية ومع الأردن والعرب عموماً والذين يواجهون نفس العدو الوحشي.
 
وإذا كان يمكن فهم غياب ردود الفعل الجماهيرية عن العواصم العربية الغارقة في الفوضى والحروب الأهلية والتخبط في أزماتها وصراعاتها السياسية المحتدمة، فإن ما لا يمكن فهمه هذا الغياب الكلي من التعاطف العالمي مع الأردن عائلةً وشعباً وحكومةً، اللهم إلا استنكارات إعلامية وحكومية ومدنية من هنا ومن هناك.
 
الأكثر مدعاةً للدهشة هي الحملة الجديدة من الكراهية والعنصرية التي تجري غداة حادث «شارلي إيبدو» في فرنسا الدول الغربية عموماً ضد الإسلام والعرب والمسلمين الذين عاشوا بين ظهرانيهم عقوداً طويلة، وكسب أغلبهم جنسياتها ولغاتها وأصبحوا مكوّناً أساسياً من مكوّنات شعوبها، أياً تكن نسبته في النسيج الوطني في كل دولة على حدة. هذا في الوقت الذي بلغ فيه ضحايا العرب والمسلمين على يد العدو الارهابي ذاته (القاعدة وداعش وأخواتها) أضعافاً مضاعفة من أعداد الضحايا الأوروبيين والغربيين، ومازال الحبل على الجرار.
 
ولو أن الشعوب الغربية، وعلى الأخص نخبها السياسية والمثقفة، تتمتع بحد أدنى معقول من الوعي بملابسات الظروف التاريخية وتأثيراتها الاجتماعية التي تركتها الحقبة الاستعمارية الغربية على تطور العرب الحضاري، حيث عمل الاستعمار على دفع العرب إلى المزيد من التخلف واستنزف مقدراتها وثرواتها الطبيعية بالنهب، وحيث مفاعيل تلك التأثيرات المديدة مستمرة إلى يومنا، وهو الذي صادر كل حقوقها السياسية والاقتصادية والثقافية، بما في ذلك حقها في التطور الديمقراطي الكامل الحر المستقل، أو في أحسن الأحوال سمح بالتطور الديمقراطي المقيد والمشّوه، كما فعلت بريطانيا في مصر والعراق… نقول: لو أن الشعوب الغربية ونخبها وعت لهذه الإشكالية المعقدة التي مرت شعوبنا العربية لأدركت أن أنظمتها الاستعمارية إنما تتحمل جزءاً كبيراً، من المسئولية أخلاقياً وأدبياً، لظهور نبتة الإرهاب الشيطانية في صحارينا العربية. هذه الشجرة الشوكية بثمارها المرة لم تنبت فجأة أو تهبط على عالمنا العربي من فراغ، وإلا فلمَ لم تظهر مثل هذه النبتة في أراضي أوروبا ذات التطور الديمقراطي الكبير أو في البلدان التي لم تمر بظروف تاريخية واجتماعية بالغة التعقيد كالتي مرت بها الأقطار العربية جمعاء تقريباً؟ إلا أن دور الاستعمار والأنظمة الدكتاتورية، كعاملين رئيسيين في خلق الإرهاب في المنطقة، لا ينفي بطبيعة الحال العوامل الأخرى التي تضافرت معه.
 
الأخطر فإن الاستعمار الغربي عمل على توريث وزرع واحد من أخطر أشكال الاستعمار الحديث في قلب الوطن العربي، وهو الدولة الصهيونية في فلسطين وتشريد معظم شعبها، ومازالت هذه الدولة السرطانية تمثل منذ ستة عقود، مصدراً دائماً لإثارة الاضطرابات والحروب وعدم الاستقرار في المنطقة، مسنودةً بما تتمتع به من أشكال الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة والدول الغربية. ولو أن الأقطار العربية قُدر لها تاريخياً ألا تتعرض لذلك الظلم التاريخي من الاستعمار القديم والجديد، أو في أدنى الفروض لو لم تقم بعرقلة تطورها التاريخي ومساندة الأنظمة الشمولية بالأسلحة والدعم السياسي لقمع حركاتها الشعبية المطالبة بالإصلاحات الديمقراطية، فهل كان للقاعدة أو «داعش» وأخواتها من الجماعات الإرهابية لتظهر أصلا؟
 
ومن المضحك المبكي أن كلا الطرفين اليوم، الدول الأوروبية الاستعمارية، والأنظمة المتحالفة معها، باتا يشكوان إرهاب «داعش»، وكأن لا صلة لهما من قريب أو بعيد بصناعة الارهاب في المنطقة، وتمهيد التربة والمناخ لنمو بذرته، ومن نتاجها ولادة هذه التنظيمات، منذ تمويل أميركا وحلفائها للمجاهدين وتعبئتهم دينياً ونفسياً على تأدية فريضة الجهاد ضد الاحتلال السوفياتي الكافر في أفغانستان كفريضة مقدمة على الجهاد من أجل تحرير بيت المقدس، وبتشجيع ودعم مالي وعسكري غير محدود، وبما يخدم في المقام الأول المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، في سياق حربها الباردة مع السوفيات، وإلهاء شباب المنطقة عن قضاياهم الوطنية والداخلية وقضية فلسطين والمسجد الأقصى وتوجيههم إلى افغانستان. ولم يكن الطرفان الأميركي والخليجي حينها مبالياً بالنظام الذي سيحل محل النظام اليساري الموالي للسوفيات في أفغانستان ولا بما سيفعله المجاهدون الخليجيون والعرب الذين اكتسبوا أعظم خبرة قتالية بعد عودتهم إلى بلدانهم، ولتبدأ منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي فصول جديدة من الكوارث والمآسي الدامية مازالت تتوالى على أيدي «القاعدة» والمنظمات التي انشقت عنه، وهو الذي علّمته بعض الأنظمة بالمنطقة بالشراكة مع حليفها الأميركي، الرماية ضد السوفيات، فلما اشتد ساعده رماها، بعدما انقلب السحر على الساحر، وأخذ يوجه ضرباته الإرهابية يميناً وشمالاً حتى استفحل خطره وباتت سيطرة السحرة عليه أشبه بالمعجزة.
 
 
صحيفة الوسط البحرينية – 18 فبراير 2015م

اقرأ المزيد

انقسام أوروبا بين التقشف والتحفيز


بسبب طول أمد الأزمة أصبح الانقسام واضحاً في أوروبا بين ألمانيا التي تدفع مستشارتها أنجيلا ميركل بنجاعة مذهبها التقشفي، وبين بقية بلدان الاتحاد الأوروبي عملياً، خصوصاً بعد أن فقدت ميركل نصيرها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، حيث اكتسبت نزعتهما التقشفية مسمى “ميركوزي” (Merkozy)، أي حاصل جمع اسمي ميركل وسركوزي .

ولكن مشكلة أوروبا وعصبتها “الاتحاد الأوروبي” أنهما يفتقدان إلى القائد الكاريزمي الذي يمكن أن يقف بمرئياته الاقتصادية والنقدية التحفيزية  (Stimulative Monitory Policy)  في وجه المستشارة الألمانية القوية . لذا فإن بلدان الاتحاد الأوروبي “الطرفية” (periphery states)، تعول على قيادة الثنائي الفرنسي مانويل فالس (رئيس الوزراء الفرنسي)، والإيطالي ماتيو رينزي (رئيس الوزراء الإيطالي) نظراً لرؤيتهما الاقتصادية المشتركة التي تحمل حاصل جمع اسميهما “فالينزي” (Vallenzi)، وموقفهما المشترك المناهض لتوجهات برلين الاقتصادية التقشفية في البلدان المأزومة مالياً داخل الاتحاد . علماً بأنهما يمثلان ثاني وثالث أكبر اقتصادين داخل منطقة اليورو .

ويدفع الرجلان بمقاربة اعتماد محفزات النمو الاقتصادي على الصعيد الوطني عوضاً عن سياسة التقشف التي تفرضها برلين عنوةً على بقية أعضاء منظومة الاتحاد الأوروبي من الدول الضعيفة التي تعاني ضائقة مالية . ولكن مشكلة هذا الثنائي فالس/اينزي أن اقتصادي بلديهما هشَّان، وهما معرضان للانكسار في أية لحظة على الطريقة اليونانية، وذلك برسم سنوات من مراكمة الضعف الذي يعتري بنيتهما من دون أن يتوفر البَلَدان خلالها على حكومات شجاعة تصارح شعبيهما بحقيقة خطورة التمادي سيرا على ذات المنوال الانمائي غير المنتج .

وهذا يعني أن مشكلاتهما الداخلية لا تساعدهما كثيراً على التفرغ لتحديهما الأوروبي بالعمل سوياً لإنشاء ما يشبه اللوبي داخل منطقة اليورو، لتحشيد الممانعين خلفهما في وجه الروشتة الألمانية التقشفية التي تُذكّر بروشتة صندوق النقد الدولي للدول النامية إذا ما طلبت الأخيرة معونته أو استشارته .

ثم إن هذا لن يحدث حتى لو أرادت فرنسا مانويل فالس وإيطاليا ماتيو رينزي انشاء “محور الضعفاء” في منطقة اليورو (18 دولة عضواً من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ال 28) . لأن الحملة الشعواء ضد مثل هذا الاحتمال قد بدأت تشنها وسائط الإعلام الألمانية وحتى البريطانية التي تحاول تشجيع رئيس الحكومة الإيطالية ماتيو رينزي على إبعاده عن نظيره الفرنسي مانويل فالس ودفعه للانعطاف باتجاه سياسات تاتشرية من قبيل ما أقرته حكومته من تشريعات، مثل الخفض المجزي للضرائب على الشركات، وخفض مساهمات الشركات في الضمان الاجتماعي، وتحرير سوق العمل بالسماح للشركات بالتسريح .
 
 عشية الانتخابات اليونانية، وصف موقع “هافينغتون بوست” فرصة وصول ائتلاف اليسار الراديكالي المعروف اختصارا باسم “سيريزا” (Syriza) إلى السلطة، بأنها “تجربة هزة أرضية” . (Earthquake test)  في محاولة توصيف وقع نتائجها على القارة الأوروبية، وذلك عطفاً على الشعارات الانتخابية التي رفعها هذا الائتلاف الحزبي مثل استعادة الكرامة الوطنية، وبداية النهاية للمهانة المالية الوطنية لألمانيا وللترويكا (الاتحاد الأوروبي، البنك المركزي الأوروبي، صندوق النقد الدولي) التي صممت برنامج التقشف المتطرف لليونانيين ثمناً لإقراضهم، وإعادة التفاوض على هذه القروض البالغ إجماليها 359 مليار دولار باتجاه شطب بعضها وإعادة جدولة بعضها الآخر، حيث يتهم الخبراء الاقتصاديون ائتلاف “سيريزا “وتعني العودة للجذور” الترويكا والدائنين بالتسبب في إفقار قطاع عريض من الشعب اليوناني .

المثير في الأمر، أن انتصار ائتلاف سيريزا الذي تأكد بإعلان نتائج الانتخابات اليونانية مساء الأحد 25 يناير/كانون الثاني ،2015 كان قد سبقه بيومين، أي في الثاني والعشرين من يناير، إعلان البنك المركزي الأوروبي عن بدء تنفيذ برنامج تسهيل كمي(Quantitative Easing)  اعتباراً من شهر مارس/آذار المقبل حتى نهاية شهر سبتمبر/أيلول ،2016 سيقوم البنك بموجبه بشراء ما إجماليه 14 .1 تريليون دولار من السندات الحكومية والخاصة، بمعدل 8 .68 مليار دولار شهرياً من السوق الثانوي، بهدف ضخ سيولة هائلة في اقتصادات منطقة اليورو، لإخراج اقتصاداتها من الركود الذي يخنقها منذ الأزمة المالية العالمية في عام ،2008 وذلك على الضد من اعتراضات ألمانيا ومصرفها المركزي (Bundesbank) على هذا الإجراء الذي اعتبرته برلين بمثابة ضربة موجهة لما اعتبرته النتائج الايجابية للاصلاحات التي نفذتها بلدانه على مدى السنوات التي أعقبت الأزمة .

والذي لاشك فيه، أن انتصار ائتلاف سيريزا، وتخلي البنك المركزي الأوروبي عن سياسته النقدية المتحفظة، بالحذو حذو كل من مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا، في تطبيق سياسة التسهيل الكمي، سوف يقويان الاتجاهات المروجة للرؤية المشتركة لكل من رئيس الحكومة الإيطالية ماتيو رينزي ورئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس . باعتبار أن انتصار سيريزا، وتحويل البنك المركزي الأوروبي وجهة سياسته النقدية، يعدان انتصاراً لرؤيتهما المشتركة المناهضة لسياسة التقشف، وهزيمة مدوية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

اقرأ المزيد