المنشور

كوادر عمالية من الطراز الجديد


هذه هي الحقيقة التي عرفناها من خلال معرفتنا بواقع العمل السياسي وتعمقنا في جذور مسألة النضال لرفاقنا عبر مراحل عديدة مع نضال شاق في صفوف الطبقة العاملة البحرانية والذي وصل لمرحلة النضوج حتى ان تبلورت فكرة ضرورة تأسيس النقابات العمالية خصوصاً مع التطور الفكري في صفوف العمال واكتساب المهارات في مسألة النضال المطلبي في صفوفهم والتحركات التي حدثت خصوصاً في شركة بابكو من عام 1938 الى عام 1942 بحيث ان هذه المرحلة قد نضج فيها الوعي النقابي من خلال سلسلة الإضرابات والاحتجاجات ذلك نتيجة لظروف العمل الشاق والاستغلال البشع ضد العمال وجعلهم في ظروف عمل سيئة وتدني الأجور وظلم وتعسف المسؤولين الأجانب والظلم الاجتماعي.
 
في هذا السياق سوف يأخذنا الحديث عبر محطات مضيئة من تاريخ نضال الطبقة العاملة البحرانية خصوصاً بعد أن تشرب العمال بالوعي الوطني والذي مهد لاكتساب الوعي النقابي ذلك مع التلاقي والتحالف والترابط بين الحركة العمالية والحركة الوطنية البحرانية وهو قد ساهم في بروز ملكات الوعي الفكري في صفوف العمال ثم وجود عناصر لها صلة بالأفكار اليسارية ذلك في صفوف العمالة الوافدة حتى ان أصبحت ضرورة تأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية الفصيل المناضل الماركسي وحدث ذلك في 15 من فبراير عام 1955.
 
وقد ساهمت جبهة التحرير في دفع عجلة النضال في صفوف العمال وبشكل منظم عوضاً عن التحركات العفوية او الفردية.
 
وفي هذا الصدد أقرت السلطات البريطانية مع حكومة البحرين آنذاك بشرعية مطالب العمال في أحقية تأسيس النقابات العمالية ذلك مع اشتداد ضرورة النضال العمالي والوطني في سنوات الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي بحيث كانت التحركات الوطنية والعمالية قد أجبرت سلطات الانتداب البريطاني وحكومة البحرين على الموافقة على اصدار قانون العمل عام 1957 والذي جاء ثمرة لنضال شعب البحرين وفي المقدمة الجماهير الكادحة ثم كان قانون العمل يعتبر من القوانين المتقدمة على الأقل في منطقة الخليج العربي بحيث كان احد الافراد المشاركين في كتابة المسودة وهو من الخبراء الانجليز والذي كان ينتمي لحزب العمال البريطاني وهو الذي قد ساهم في تمرير مسودة القانون الذي نص بضرورة ان يكون للعمال حق تشكيل النقابات وكان ذلك لأسباب عديدة أولها عدم تشكيل خلايا سرية للعمال تتحول الى الجانب السياسي ثم من اجل حصر المطالب العمالية وجعل النقابة هي المخولة للتفاوض مع أرباب العمل بدلاً من شيوع الفوضى العارمة في حالة الاضراب او الاحتجاج، كما أن الأنشطة النقابية العلنية تعطي للنشطاء من العمال حق التحرك بحرية، متفادين الملاحقات والمضايقات او الفصل التعسفي ومن اجل ان يكون الجميع يعمل تحت مظلة القانون.
إلا أن المماطلات من قبل السلطات في البحرين آنذاك وإصرارها على عدم قبولها بتشكيل النقابات العمالية حسب نصوص قانون العمل قد حرم العمال من تأسيس نقاباتهم في تلك الفترة.
 
أيضاً أن التعليم المبكر في البحرين قد ساعد في أن يخرج عمال مهرة متعلمون وقد استطاعوا أن يواكبوا مسار التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي خصوصاً مع فتح المدارس الصناعية، هذا الجانب قد ساهم في خلق كوادر عمالية ونقابية مثقفة واعية ومدركة لكل الأمور والتطورات خصوصاً من آمنوا بالأفكار الماركسية.. أيضاً كانت الحركات الوطنية قد ساهمت في ابتعاث الشباب في صفوف الحركة العمالية الى خارج الوطن لتلقي التعليم الأكاديمي والسياسي وعلوم الحركة الشيوعية والعمالية في العالم واتقان الادبيات للحركة النقابية خصوصاً في الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي، وقد لعبت هذه الكوادر العمالية مع القوى الوطنية اليسارية أدوار مؤثرة في صفوف العمال وسائر الكادحين.
 
وقد لعبو أدوار ناجحة في إنجاح الانتفاضة الشعبية العارمة في الخامس من مارس عام 1965 وفي عام 1968 تشكلت أول نقابة في إدارة الكهرباء ومن ثم حاولوا العمال أن تسجل على شكل رسمي إلا أن المراوغة والخوف من افساح المجال لتأسيس نقابات عمالية كان هو الهاجس للسلطات وأن المنع هو سيد الموقف في عدم أعطاء الحق للعمال بتأسيس النقابة حسب ما ينص عليه قانون العمل لعام 1957.
 
وقد تواصل النضال في صفوف العمال ودخول مرحلة السبعينات من القرن الماضي والذي أبدت فيه الطبقة العاملة الزخم في الأنشطة العمالية وأصبحت الإضرابات والاحتجاجات لا تنقطع في أعوام 1970 الى عام 1974 والذي تشكلت فيه النقابات الأربع وهي نقابة البا والكهرباء والعاملون في وزارة الصحة ونقابة الانشاء والتعمير ذلك في فترة الانفراج والعمل بدستور عام 1973 وقيام المجلس الوطني الذي كان لبعض من الأعضاء فيه الفضل في دعم العمال والتوجه النقابي وهم نواب من كتلة الشعب اليسارية الا ان رفض الحكومة الاعتراف بهذه النقابات قد ساهم في تأجيج الوضع والذي على أثره قد أقدمت السلطات على غلق المجلس الوطني وتنفيذ مشروع قانون امن الدولة وقد أصبحت الحياة السياسية في البحرين من الانفراج الديمقراطي الى دولة القمع الوحشي ضد المعارضة الوطنية وقد طال البطش الكوادر العمالية مروراً بسنوات 1976 و 1986 مع ازدياد حالات القمع وعلى أثر ذلك عانت الطبقة العاملة من قساوة القمع ثم عملت الدولة في سياسة اغراق البلد بالعمالة الوافدة ومحاربة العمالة الوطنية، وها نحن اليوم نعيش في وضع مع القانون الجديد لوزارة العمل الذي لا يعطي الفرصة في العمل للمواطن وأصبحت سلطة ارباب العمل هي المسيطرة، نعم في ظل الاتحادات العمالية والنقابات لكن ليس فيها الزخم الذي كان موجود سابقاً في سنوات النضال الوطني في البحرين والذي قد ساهم في بروز كوادر عمالية من الطراز الجديد.
 
 
 
 
الكاتب: جواد المرخي
من نشرة ” التقدمي” العد 92
يونيو 2015

اقرأ المزيد

سقوط استجواب وزير الصحة ما بين الدستور واللائحة الداخلية


 
صوت أعضاء مجلس النواب في جلسته المنعقدة بتاريخ 5 مايو 2015 على عدم جدية الاستجواب الذي تقدم به 26 نائبا في مواجهة وزير الصحة ، على الرغم من توصية اللجنة المشكلة من رؤساء ونواب رؤساء اللجان النوعية بجديته ، إذ صوت فقط لصالح جدية الاستجواب 23 نائبا في حين أنه كان يحتاج إلى ثلث الاصوات إي 27 نائبا وذلك حسب التعديل الذي أقره مجلس النواب في فصله التشريعي المنصرم على اللائحة الداخلية في المادة (145) مكرراً (1) الفقرة الثالثة التي نصت ( ويعرض تقرير اللجنة على المجلس في أول جلسة تالية لإعداده للتصويت عليه دون مناقشة، وفي جميع الأحوال لا يعد الاستجواب جدياً إلا إذا وافق على ذلك ثلثا أعضاء المجلس ) .
 
وهذا يعني كما كتب منصور الجمري بحق في مقاله بعنوان (الوأد الصامت بواسطة القرارات واللجان )  ( إنّ الاستجواب الذي يمثل حقّاً أصيلاً وغير قابل للنقاش لأيِّ برلمان في العالم، له قصة مختلفة عندنا، وتتولى وأده الإجراءات واللجان، تماماً كما هو الحال مع المعاملات الكثيرة التي تلاقي الموت الصامت) . أنظر صحيفة الوسط البحرينية – العدد 4624 – الأربعاء 06 مايو 2015م .أو كما كتب قاسم حسين في نهاية مقاله المعنون (هل تفاجأتم من سقوط استجواب وزير الصحة؟ ) إذ اشار إلى أنه ( بسقوط استجواب وزير الصحة، الذي تعاني وزارته من كل هذه المشاكل والأزمات، تكون صفحة الاستجوابات قد طُويت نهائياً من هذا البرلمان.) . أنظر صحيفة الوسط البحرينية – العدد 4625 – الخميس 07 مايو 2015م
 
نعم أن استجواب الوزراء له قصة مختلفة في مملكة البحرين ، وأننا لم نتفاجأ بسقوط استجواب وزير الصحة ، ذلك أن  بعض الاحكام التي نصت عليها اللائحة الداخلية لمجلس النواب بما فيها تلك الاحكام المتعلقة بالاستجواب ليس لها مثيل في تشريعات العالم بل في الدول الاقليمية المجاورة .
رغم أن الاستجواب كما هو مقرر في الفقه الدستوري وفي النظام البرلماني يعد من أهم وسائل الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة ، إذ يحقق رقابة فعليه للبرلمان في مواجهة السلطة التنفيذية ، وهو يعني محاسبة الوزير واتهامه في الوقت ذاته ، وقد يؤدي إلى تحريك مسئوليته السياسية بطرح الثقة به وإجباره على الاستقالة ، والاستجواب على عكس السؤال يفتح مناقشة حقيقية لا يشارك فيه مقدمو الاستجواب وحدهم بل سائر الأعضاء .
 
وقد أكدنا في مقالات سابقة على أن ثمة إيجابيات نسبية جاءت بها التعديلات الدستورية الصادرة في 3 مايو 2012 بشأن الاستجواب وجوهر ومضمون هذا التعديل ما نصت عليه المادة (65) من الدستور بأن جعلت الأصل في مناقشة الاستجواب تتم في المجلس بدلا من اللجنة المختصة إلا إذا  قرر أغلبية أعضائه مناقشته في اللجنة المختصة .وإذا كنا نرى أن هذا التعديل الدستوري يعد خطوة متقدمة عما كان معمول به ، إذ كانت مناقشة الاستجواب تتم فقط في اللجنة المختصة فأصبحت مناقشته بعد تعديل الدستور في المجلس ملك لأعضائه  ، فأن هذا التعديل ظل متعارضا مع ما هو مقرر في الفقه الدستوري وفي القوانين المقارنة التي نصت على ان مناقشة الاستجواب لا يكون في اللجان بل في المجلس النيابي ، كما هو الحال على سبيل المثال  في الكويت ، الاردن ، مصر ، البحرين في مجلس 1973 .
 
وعلى الرغم من الأهمية الايجابية في تعديل المادة ( 65 ) من الدستور بشأن الاستجواب ، لكن تعديلات اللائحة الداخلية لمجلس النواب قد قيدته وقللت من هذه الأهمية حين وضعت إجراءات طويلة للاستجواب حتى يصل لمرحلة المناقشة في المجلس أو اللجنة المختصة حسب الأحوال .غير أن الطامة الكبرى التي محت ونالت من الايجابية النسبية التي أوجدتها التعديلات الدستورية المذكورة ، هي قيام مجلس النواب بتقييد نفسه حين اقترح تعديل المادة (145) مكرراً (1) الفقرة الثالثة فأصبحت بموجب قانون هكذا ( ويعرض تقرير اللجنة على المجلس في أول جلسة تالية لإعداده للتصويت عليه دون مناقشة، وفي جميع الأحوال لا يعد الاستجواب جدياً إلا إذا وافق على ذلك ثلثا أعضاء المجلس ) .وهي سابقة لا مثيل لها على الإطلاق وجاءت بالمخالفة للدستور الذي حدد بنصوص صريحة وواضحة الحالات التي تشترط أغلبية الثلثين .
 
وبالرجوع لنص المادة ( 80 ) من الدستور نجد أنها حددت بوضوح النصاب الذي تصدر به القرارات التي تصدر عن المجلسين وهو الأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين وذلك في غير الحالات التي تشترط فيها أغلبية خاصة أي أغلبية الثلثين ، وقد حدد الدستور بوضوح الحالات التي يشترط فيها الأغلبية الخاصة ( الثلثين ) وليس من بينها ما نصت عليه المادة المعدلة من اللائحة الداخلية  بعدم اعتبارالاستجواب جدياً إلا إذا وافق على ذلك ثلثا أعضاء المجلس ، وللتوضيح نشير إلى حالات الأغلبية الخاصة التي نص عليها الدستور على سبيل الحصر ولا يجوز للقانون العادي أن يخالفها أو يتوسع فيها كما يلي :
 
حالة اعتراض الملك على مشروع القانون
المادة ( 35 البند د ) من الدستور تقضي بأنه إذا رد الملك مشروع القانون المحال إليه من المجلسين للتصديق عليه لإعادة النظر فيه ، فأن هذه المادة نصت على أنه ( إذا أعاد كل من مجلس الشورى ومجلس النواب أو المجلس الوطني إقرار المشروع بأغلبية ثلثي أعضائه ، صدق عليه الملك ، وأصدره في خلال شهر من إقراره للمرة الثانية ) .
 
حالة عدم الثقة بأحد الوزراء
المادة ( 66 البند جـ ) من الدستور نصت على أنه إذا قرر مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم عدم الثقة بأحد الوزراء اعتبر  معتزلا للوزارة من تاريخ قرار عدم الثقة ، ويقدم استقالته فورا .
 
حالة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء
تنص ( المادة  67 البند د ) من الدستور على أنه إذا  أقر المجلس الوطني بأغلبية ثلثي أعضائه عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء ، رفع الأمر إلى الملك للبت فيه ، بإعفاء رئيس مجلس الوزراء وتعيين وزارة جديدة ، أو بحل مجلس النواب.
 
حالة سقوط العضوية لأي عضو من أعضاء المجلسين
تشترط ( المادة 99 ) من الدستور لسقوط العضوية في حالات انعدام الأهلية أو فقد الثقة والاعتبار أو أخلال بواجبات العضوية. لأي عضو من أعضاء مجلسي الشورى والنواب أثناء عضويته أن يصدر قرارا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس الذي هو عضو فيه.
 
حالة تعديل أحكام الدستور
تشترط المادة(120 البند أ ) من الدستور لتعديل أي حكم من أحكام هذا الدستور أن تتم الموافقة على التعديل بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل من مجلس الشورى ومجلس النواب ، وأن يصدِّق الملك على التعديل، وذلك استثناء من حكم المادة ( 35 بند ب ، ج ، د ) من هذا الدستور .
 
مما تقدم يتبين أن الدستور لم ينص على أغلبية خاصة ( الثلثين ) لإصدار قرار من مجلس النواب بجدية الاستجواب من عدمه ، وأن هذه الأغلبية حصرها المشرع الدستوري في الحالات المشار إليها دون غيرها ، ومن ثم فأن نص المادة (145) مكرراً (1) الفقرة الثالثة من اللائحة الداخلية التي نصت على عدم اعتبار الاستجواب جدياً إلا إذا وافق على ذلك ثلثا أعضاء المجلس  .  جاء مخالفا لإحكام الدستور يتعين إعادة النظر فيه .
 
 
المحامي / حسن علي إسماعيل
من نشرة “التقدمي” العدد 92
السنة الثالثة عشرة – يونيو 2015

اقرأ المزيد

البحرنة “حين تفرغ من مضمونها ..!!

حتماً هناك خلل، والحديث هنا يخص تحديداً مشروع، بل مشاريع البحرنة، بدءاً من مشروع عشرة آلاف متدرب، مروراً بمشروع إصلاح سوق العمل، او مشروع ماكنزي، هل تذكرون ..؟!
 
تعالوا نتأمل، ولنتابع، وندقق، والخلاصة احسب انها ستكشف ان الكلام عن البحرنة شيء، والحديث عن الواقع والوقائع شيء آخر مختلف كلياً ..
 
عندما نقرأ عن مرجع مسؤول، والمعني هنا رئيس مجلس ادارة تمكين، اعترافاً صريحاً نقدره بان البحرنة فشلت ..!! ، ويقول في موضع آخر، انها تتناقض مع مبدأ الحرية الاقتصادية ، وذلك كلام لم يخضع من جانب من يفترض انهم معنيين لأي وقفة او تحليل .. أما وزير العمل فقد صرح مرة بان البحرنة حققت التوازن وساهمت في أعداد العمالة الوطنية، وقبلها يؤكد بان الاهتمام بالعنصر البشري الوطني ضمن اهم أولويات المرحلة الحالية والمستقبلية، ثم يعلن بان وزارة العمل قامت بأكثر من ٢٤ ألف عملية “تثبيت توظيف” للبحرينيين في ٢٠١٤، تراوحت رواتب معظمهم بين  ٢٥٠ ديناراً الى ٢٩٩ ديناراً ..! ، ثم وجدناه  يحذر من “ان نصف البحرينيين سيفقدون اعمالهم في منشآت القطاع الخاص لو تخلينا عن البحرنة” ولا ينسى ان يلفت انتباهنا الى ” انه من دعاة ومؤيدي البحرنة، ولكن ليس البحرنة القسرية التي تفتقد المرونة الكافية لمراعاة اصحاب الاعمال ” ،وقبل هذا وذاك خرج علينا مجلس الشورى موجهاً الدعوة الى عدم إعطاء العامل البحريني الأفضلية عن العامل الأجنبي حتى وان تساويا في الكفاءة ..!
 
كل ذلك كلام منشور وموثق باليوم والتاريخ والمناسبة ويمكن الرجوع اليه في اي قت ، وهو كلام  ما كان يفترض ان يمر مرور الكرام، وكنا ننتظر ممن يمثل العمال، وكل المعنيين بشأن البحرنة ان يكون لهم موقف واضح، خاصة حين يكون الأمر امام محاولة تفريغ مفهوم البحرنة من مضمونها، او استنزاف  لهذا المفهوم بهذه الحجة او تلك .
 
من يستذكر كل ما قيل وكتب وذلك الكم من التوجهات والخطط  والمشاريع  والبرامج والاستراتيجيات، والتى  كلها تتصل باستحقاق البحرنة، التي عرضت او طرحت على مدى سنوات مضت، يذكر كيف كان  “الردح ” على أعلى المستويات بدءاً بما عرف في البداية بمشروع ماكنزي الذى اطلق في عام ٢٠٠٤،والذى عرف لاحقاً بالخطة الوطنية لإصلاح سوق العمل، وهو المشروع الذي ظهر وكأنه في ركب تائه في محيط هائج ، ولعلكم تذكرون ذلك الفيض  الغزير من ردود الأفعال التي تراوحت بين شذ وجذب على هذا المشروع او ذاك، وذلك الكم من الالتباسات والاعتراضات والتوضيحات، والاجتماعات والدراسات والأبحاث التي على كثرتها واختلاف الجهات التي قامت بها،  تكاد ان  تكون متفقة تماماً على إصلاح سوق العمل، من وجهة نظر تجعل البحرينى خياراً استراتيجياً، وهو الهدف ذاته الذى تبنته ما عرف برؤية البحرين الاقتصادية ٢٠٣٠، وهى التي ربطت هذا الهدف بإصلاح منظومة التعليم والتدريب، ولكن المشكلة ان هذا مشروع إصلاح سوق العمل لم يكتمل البنيان لا في ذلك الزمن ولا في هذا الزمن، لا في الأساس ولا في البناء، لا في التوجه ولا في التوجيه ولا في المسار، والمشكلة الأكبر ان عقلية المراوحة، او التردد، وربما تعارض الروئ والمصالح، فاقمت المعوقات والإعاقات والتشوهات في سوق العمل وحولتها الى .. مصائب ..
 
نعم مصائب حين تمر كل هذه السنوات ولا زالت الرؤية الواضحة غائبة او مغيبة فيما يخص البحرنة، الى الدرجة التي بتنا نشهد فيها احتفالات تقام و توزع فيها جوائز تمنح للمؤسسات التي تفوز بنسب عالية في البحرنة، وكأن ما يفترض انه القاعدة قد  اصبح استثناء  نحتفى ونتباهى به ..!!، بل والأدهى والأمر اننا لانزال نتحدث عن بطالة في صفوف البحرينيين ، وبصرف النظر عن نسبتها، والأرقام التي يتم تداولها في هذا الخصوص، وهى أرقام متعارضة أحياناً، الا ان البطالة في أوساط ابناء البلد موجودة، والباعث على الأسى انها تشمل حملة شهادات عليا من أطباء ومهندسين وطيارين وغيرهم ..
 
ملف البحرنة هو اليوم أعمق مما هو متصور، ومما هو متداول، وأكبر من أن يوكل الى وزارة بعينها ، فالمعضلات والتحديات، ومعهما مصالح بعض الاطراف المستفيدة والمستثمرة  من استمرار هذا الوضع وادارة الظهر لأي مخرج حقيقي وفاعل، أمر يفرض وضع هذا الملف في صدارة الأولويات التي لابد  أن ترتكز على قرار سياسي يدفع الحكومة الى تحمل مسؤولياتها في تحقيق افضل النتائج فيما يخص هذا الملف ، وهو هدف نحسب انه يجب ان يقترن أولاً بقناعة توفر  القدر اللازم من الجدية ، وبعضاً او كثيراً من المراعاة للمصلحة  الوطنية العليا، ويقترن ثانياً بشجاعة الإقرار بالحال المؤسف والمقلق الذي بلغه سوق العمل البحرينى، إذ يكاد يبلغ القعر مع طغيان المصالح الخاصة على حساب المصلحة الوطنية التي هوت من عليائها، ليس بالضرورة بنية سيئة دائماً، بل وربما أيضاً التخبط وافتقاد الرؤية والثبات اللذين يفرضان فرضاً هدف جعل البحريني خياراً استراتيجياً ، فيما هناك من يدفع الى اغراقنا فى الضحالة الجافة لمفهومها والازدراء المقزز فى التعاطي معها ، ولعلكم تذكرون ذلك الانقسام القريب  “بين النواب بين مؤيد ومعارض حول مقترح بقانون حول بحرنة الوظائف بالحكومة  خلال ٥ سنوات”، فذلك مجرد صورة من صور التخبط والتخاذل حول ملف وطني بامتياز لم نخوض غماره كما يجب وبشكل يبرهن برهاناً حياً ان البحرنة على الصعيد الميداني هي فعلاً خيار استراتيجي لا غنى عنه ولا تفريط ويحسب له ألف حساب .
 
 معضلة ان نبقى نمضي عكس السير ونظل نزعم اننا نحقق تقدماً على صعيد البحرنة، فيما واقع الحال الجميع أدرى به، أليس كذلك ..؟!!


 
الكاتب : خليل يوسف
من نشرة “التقدمي” العدد 92
السنة الثالثة عشرة – يونيو 2015

اقرأ المزيد

“داعش” وسيكولوجيا الجماهير


في الدراسات التاريخية والاجتماعية الجديدة ثمة دعوة إلى دراسة أثر الانفعالات القوي في تشكيل الأحداث، التي هي، من وجهة نظر الباحثين، علة تتصرف في الوقائع، حين تصبح مشاعر مثل الغضب والكراهية والخوف قوى تاريخية، حين يتم الانتقال من فردية الشعور إلى انفعال الجماعات.

ويبدو لنا أنه من المهم الاستعانة بمهارات علم النفس الاجتماعي في تحليل ظواهر معقدة يشهدها عالمنا العربي، بينها مثلاً ظاهرة «داعش» في لحظتنا الراهنة. صحيح أنها ظاهرة مركبة، لها أكثر من وجه، ولن يفلح هذا المنهج وحده في الإحاطة بأوجهها المتعددة، ولكنه سيسعفنا بالتأكيد في فهم ما الذي يجعل قطاعات واسعة من الشبان العرب الغرين ينساقون إلى أفكار مثل هذه الجماعات الإرهابية، ولا يتورعون عن التورط في جرائمها، وتحويل أجسادهم إلى قنابل ومتفجرات توقع الموت في العشرات والمئات من الأبرياء.

في حينه أثار كتاب غوستاف لوبون: «سيكولوجيا الجماهير» اهتماماً واسعاً، كونه سلط الضوء على علم نفس الجماعات، ونقل دائرة البحث من مجرد الاهتمام بميول الفرد وتناقضاته وعُقده، إلى رؤية تجليات ذلك في الجماعات الكبيرة، أو الجماهير، حسب عنوان الكتاب، والحق أن هذا الكتاب ما زال وسيظل من أفضل ما كتب في هذا المجال.

يُفيدنا علم النفس الجماعي ويضيء عقولنا عندما يشرح لنا جذور تصرفاتنا العمياء والأسباب التي تدفعنا للانخراط في جمهور ما والتحمس أشد الحماس للزعيم فلا نعي ما فعلناه إلا بعد أن نستفيق من الغيبوبة وربما جعلنا ذلك أكثر حيطة و حذراً في الانسياق وراء زعيم جديد قد يظهر.

في دراساته عن طبيعة المجتمع العراقي، سعى علي الوردي من جانبه للتمييز بين مفهوم ازدواج الشخصية في علمي النفس والاجتماع، فالازدواج، من وجهة نظر علم النفس، هو مرض يصيب بعض الأشخاص جراء عوامل وظروف مروا بها في نشأتهم أو في حياتهم عامة، أما ازدواج الشخصية من وجهة نظر علم الاجتماع فهو، حسب الوردي، ظاهرة اجتماعية تنجم عن تأثير المتضادات الثقافية على الفرد، ما يجعلها قابلة للتحول إلى ظاهرة مجتمعية.

ولو عدنا لغوستاف لوبون لرأيناه يقول إنه ما إن ينخرط الفرد في جمهور محدد حتى يتخذ سمات خاصة جديدة أو لعلها كانت موجودة فيه، لكنه لم يكن يجرؤ على البوح بها أو التعبير عنها بمثل هذه الصراحة والقوة، حين يتماهى مع الجماعة التي تسوغ له المحرمات.
 
26/07/2015

اقرأ المزيد

الى أين ستقود سياسات الأنظمة منطقتنا ؟!


تكاد طبيعة المشهد العام في منطقتنا العربية أن تفصح عن المزيد من التعقيدات المفتوحة على العديد من الاحتمالات التي يصعب التنبؤ بمآلاتها القادمة، في ظل ما تمر به المنطقة من حالات استقطاب واصطفاف وتدخلات اقليمية ودولية أضحت ترسم بتسارع مجنون لسيناريوهات قادمة، لاشك انها ستقرر واقعا مغايرا لما هو عليه الآن حال المنطقة بأسرها، وهي أمور لا شك انها ستغير الكثير من عوامل وتكتلات وربما حدود واصطفافات لازالت قائمة حاليا، علينا الاستعداد جيدا للتعاطي معها  على الأقل من واقع المسؤلية التي يحتمها موقعنا كقوى تقدمية لها مصلحة أساسية في التغيير نحو الأفضل، وفي فضح تلك السيناريوهات التي لاشك ان بعضها قد ابتدأ فعلا، وهي مرعبة على أية حال، خاصة فيما يتعلق منها بطبيعة وممارسات القوى التي تعطى الآن مساحات واسعة ودعم وامكانات مالية ولوجستية غير محدودة من قبل دول وأطراف متصارعة، من أجل تمهيد المشهد أمام تفعيل تلك السيناريوهات وربما بعضها، لتصبح واقعا على الأرض.

  فها نحن نتابع حجم ونوعية الدول والمشاريع والقوى التي تقف في مواجهة بعضها، حيث تتمترس قوى وتيارات أضحت مدعومة بوضوح من قبل قوى اقليمية ودولية لها مصلحة واضحة بكل تأكيد في تعزيز وتأكيد حضورها ضمن لعبة كبرى رسمت وترسم معالمها بكل تأكيد في دول القرار العالمي، في حين تترك شعوب دول المنطقة بأسرها لتعيش على وقع ارتداداتها وتأزماتها وانقساماتها ودمويتها غير المسبوقة، ويلحظ المراقب بالعين المجردة أن مصالح بعض الأنظمة  وحلفاؤها هي معيار التفوق والانتصار فيها، وليس بالضرورة مصالح الشعوب التي تبقى في أفضل تلك السيناريوهات معزولة قسرا عن ما يجري ويدور. 
 
 وعلى الرغم من فاعلية السياسات الرسمية التي تقودها آلة اعلامية رسمية  أضحت تعمل بمنهجية واضحة وموجهة، دون أن تهتم بابسط مقومات احترام ارادة الجماهير في المشاركة والتغيير، ودون الاكتراث بأدنى مقومات الوحدة الوطنية ومعايير الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي، التي عملت على هدمها أجهزة استخبارات وحكومات توظف بشكل سافر قنوات اعلامية وصحف ووسائل اعلام وفئات طفيلية تعتاش من مستنقعات حروب الكراهية والتخلف المفتعلة تلك، وفضاء واسع مليء بالعبث والطائفية والمذهبية تسخره وسائل التواصل الاجتماعي وتوظفه الحكومات والأنظمة في اشغال والهاء واضح للجماهير بعيدا عن قضاياها الحيوية، لتستمر لعبة العبث بمصائر الشعوب ومقدراتها،وتحميل الأجيال القادمة كلف وتبعات تلك السياسات الفاشلة التي استمرت لعقود، مدللة على العجز وقلة الحيلة وغياب الارادات السياسية التي تمضي دون وجل وحياء في تهميش الشعوب وتغييب اراداتها، دون الاهتمام كثيرا بطبيعة وحتمية التحولات القادمة، التي تتعارض حتما مع مضامين عقلية الهيمنة والنفوذ والاستحواذ ورفض الآخر، وأي نوع من أنواع المشاركة الشعبية في صناعة القرار الوطني. 

نعم يستمر العبث بمقدرات الشعوب وتستمر عقلية المصادرة والمنع وتغييب ارادة الناس، على الرغم من كل ما تحفل به دساتير وقوانين وتشريعات غالبية دول المنطقة من مفاهيم ترتقى نظريا الى حد ما مع مفاهيم عالمية حول ممارسات حقوق الانسان ومحاربة الفساد والشراكة الشعبية وحرية التعبير، الا أنها بكل أسف تبقى بالنسبة لدولنا وجاهات ويافطات لابد منها للتعاطي شكليا مع العالم من حولها  الذي أضحى يضيق ذرعا بتصرفات أنظمة وحكومات لم تعد تنتمي بافعالها وممارساتها لعالم تتماهى فيه سياسات التنمية الشاملة مع مسائل ذات ابعاد انسانية واقتصاية واجتماعية وحقوقية، لذلك نجد اهمالا واضحا في قضايا حرية التعبير وحقوق الانسان، حيث تشيع ممارسات الاضطهاد والتمييز القائم على أساس العرق والجنس والمذهب والطائفة والقبيلة، وتصبح دول المنطقة في مقدمة دول العالم في مؤشرات ومدركات الفساد، وتنهب الثروات لصالح فئات وشرائح  محددة، تستفيد بطريقة أو بأخرى من فساد وهيمنة قوى بعينها على سدة القرار في تلك الدول، التي لا تتورع ابدا عن توظيف الدين والتخلف وسياسات الافقار واشعال الحروب والفتن بكل أشكالها لضرب مكتسبات ناضلت لأجلها شعوب المنطقة، عبر عقود اتسمت بدموية وقهر وحرمان وتهجير وقتل وسجون وعذابات مستمرة من أجل اعاقة تطور ونماء شعوب لا زالت تئن تحت ثقل  فاتورة الخسائر والسياسات الظالمة، علاوة على ارغامها لتعيش تحت رحمة قوى التطرف التي تستفيد من أموال وثروات تنهب لتصب في اعادة انتاج التخلف بقوالب ومسميات أخرى، ولا ضير بعد ذلك بالنسبة لهم أن يطنطنوا في الحديث عن الدولة المدنية التي يراد لها أن تكون مسخا في ظل ما خلفته سياساتهم تلك من خراب وتشوهات وتخلف وفساد يكفل لقوى الفساد المهيمنة  أن تبقى ممسكة ممسكة بمصائر شعوبنا.

هكذا يبدو المشهد السياسي العام في منطقتنا العربية التي دخلت معظم دولها منذ العام 2011  مرحلة مغايرة، حين ارتفعت شعارات الحرية والكرامة والخبز وحقوق الانسان والديمقراطية بعفوية في الساحات والميادين، تحت ثقل وطئة سنوات عجاف من القهر والاستلاب، ونظرا لتغييب القوى الحية القادرة على قيادة وتوجيه بوصلة مجتمعاتنا نحو تحقيق أهدافها بوعي ومسؤلية وطنية، تنفلت الأمور بشكل متسارع وتدخل مجتمعاتنا ومعها الأنظمة القمعية في حالة تتسم بالفوضى وعدم اليقين بالمستقبل، وتغدوا ارتدادات كل ذلك حروبا وكوارث ودمار وأزمات تعجز الأنظمة عن ايقاف تداعياتها لأنها ببساطة لم تعد قادرة على ذلك لاعتبارات ترتبط وثيقا بطبيعة ونهج وهيكلية ومعالجات الأنظمة ذاتها، وتغوص فيها الشعوب حد الركب في اوجاعها ومآسيها، ويسحق قسرا ما تبقى من قواها الحية الحقيقية، اما بفعل  طبيعة وحضور القوى الطارئة على الأرض، أو بفعل  المعالجات الأمنية الجاهزة على الدوام للتعاطي مع حدة الصراع القائم ذاته ومسوغات فهمه وتجلياته لأسباب ثقافية واجتماعية وحتى تاريخية، حيث تتلاشى بشكل كبيرعوامل الثقة بين اطراف الصراع ويغيب الحوار الجاد بينها، دون أن يستفيد  الجميع من تجارب قريبة أو بعيدة كان أجدى استحضارها والتعلم منها، لتوغل مجتمعاتنا بعيدا في مستنقعات الكراهية والطائفية والتمييز والانقسام الداخلي، وتبدع سياسات الأنظمة وأجهزة استخباراتها ودوائر القرار الضيقة في توظيفها بشكل قميء، لتغدوا خرابا ودمارا مزلزلا في أوطاننا، وتتضائل فرص الخروج من الأزمات المتناسلة، ويتراجع الحوار الجاد دون أفق منظور يعيد لشعوبنا شيئا من الأمل في غد أفضل، وحين يصادر دور الأحزاب  والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني الحقيقية بفعل تشريعات وقرارات واحكام عرفية وقوانين طوارىء، يبقى السؤال يلح باحثا عن اجابات شافية.. الى أين ستقود سياسات الأنظمة منطقتنا يا ترى؟!  


 
الكاتب: عبدالنبي سلمان
من نشرة التقدمي العدد 92
السنة الثالثة عشر- يونيو 2015

اقرأ المزيد

حنين إلى الماضي النضالي


الشرارة تتطاير والتقدمي يحتضن جماهير التيار الوطني الديمقراطي والمكتسبات الوطنية يجب ان يسعى الجميع لتحقيقها والحراك الشعبي يموج ويموج وينطلق في أعماق الأعماق الشعبية وتقذف به وتقذف بها في ساحات النضال…..وهي ساحات كثيرة منها النضال الجماهيري السري الذي يفرض على ساحة الجماهير الواسعة قسراً في مختلف سوح النضال ضمن النطاق العلمي المتسلح بالنظرية العلمية المادية ضمن الصراع الطبقي الذي يحدد المسار في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية

صوفيا قد تشرفت في آوائل الستينات من القرن الماضي بحضور أول مهرجان شبابي عالمي بقيادة المواطن البحراني المناضل الذي رحل عن عالمنا في 6 سبتمبر 2012 في ستوكهولم بالسويد البعيدة جداً عن وطننا، الصغيرة القريبة من قلوبنا وهو الزعيم المناضل الطيب الذكر الباسل الدكتور علي عبدالله دويغر لحيويته المكافحة ومواقفه الإنسانية وأفكاره النيرة التي ما زال تنظيم جتوب يحتضنها ويؤمن بها كل الإيمان ويسير على خطاها ويؤمن بأفكارها ويعيش حيويتها ويتفاقم مع روحها محققة أهدافها وآمالها ورغباتها ومناها. ان رفيقنا المناضل علي دويغر قد سعدت باحتضان جثته ستوكهولم، انه يرقد هناك محاطاً بالرحمة والتسامح والأفكار المحررة والنضال المنطلق دائماً وابداً لنشر أفكار الحرية والتقدم والعدالة والسلام. كما ان قبره المنير المتلالأ تحيط به باقات الزهور التي تحف بالقبر الحي النير وخاصة من زوجته السويدية الأصيلة التي غالباً ما تزوره اسبوعياً وتقدم له باقة من الورد فواحة الرائحة جميلة المنظر فهنيئاً لك يا رفيقنا أبا فريد بوجودك في تلك الأرض التي كسبتها قدسية وقوة وجمالاً لا يفوق جمال ولا يحده مجال ولا يتوقف عنده نضال. لقد كان علم جتوب يلف جثمانك الطاهر وهو نفس العلم بالتمام والكمال الذي رفعته انت أيها المناضل الغيور في مهرجان صوفيا الشبابي العالمي في الستينات من القرن الماضي وهذا ما سجله النضال لدورك البارز في هذا المهرجان الأممي. لقد كان هذا العلم الجبهوي يرفرف عملاقاً شامخاً رافع الرأس عزيز النفس عظيم المنزلة. لقد كنت تحمله محتضناً إياه بساعديك القويتين البحرانيتين الرأس رمانيتين وقد كانت تحيط بك مجموعة من الشبيبة الحية التي كان منهم الرفيق عزيز الشيخ علي آل عباس أبو هاني الذي يعيش بين احضاننا إلى يومنا هذا ووقتنا هذا…لقد كانت تحيط بك كوكبة من شبيبة جتوب من المناضلين الأقوياء قدموا مثلك من داخل البحرين العزيزة المقهورة مرسلين ضمن تنفيذ قرار لجنة القيادة في جبهة التحرير الوطني البحرانية، إضافة كلمة البحرين الحبيبة المسلوب حريتها آنذاك من قبل الإمبريالية والرأسمالية المتوحشتين قبيل الاستقلال والتخلص من الاستعمار البريطاني شكلاً والمتواجد عملياً قبل عام 1970، قد أرغمت الجماهير على اجبار السلطات الاستعمارية على الرحيل من الخليج العربي إلى حدوده الطبيعية البعيدة عن سلطة الجماهير والبعيدة عن سلطة تنفيذية حقيقية.

 وقد حركت جماهير شعبنا المناضلة بعد إعلان يوم الاستقلال الوطني  الشكلي في 14 أغسطس 1970، يعترف جماهير شعبنا وشعوب وسلطات حكومية عربية وعالمية الاعتراف الواقعي بذلك التوثيق للاستقلال الذي وقعت على اتفاقيته كل من حكومة البحرين ممثلة في الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها آنذاك وممثل الحكومة البريطانية في 14 أغسطس 1970 وبعد هذه الاتفاقية قد أودعت في وثائق الأمم المتحدة بعد ان اجتمع مجلس الأمن الدولي لإقرارها وكذلك في رفعها إلى جامعة الدول العربية حسب الأصول البروتوكولية المعمول بها عربياً ودولياً وهذا ما دعا حكومة البحرين بعد ذلك لتقديم رسالة إلى جامعة الدول العربية حيث اعترف بها كدولة عربية جديدة حرة مستقلة ذات سيادة تامة وناجزة والتي عين على أثرها الأستاذ تقي الحاج مكي محمد البحارنه كسفير اول في الجامعة العربية وسفير في جمهورية مصر العربية بدرجة وزير مفوض فوق العادة في عام 1970 ، كما ان البحرين قد انضمت فيما بعد إلى منظمة الأمم المتحدة اثر اعتراف مجلس الأمن الدولي بالاتفاقية المبرمة المذكورة عين كذلك الدكتور سلمان الحاج محمد إبراهيم الصفار سفيراً بدرجة وزير مفوض فوق العادة لدى واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1971، وهكذا فإن البحرين أصبحت معترفاً بها على المستويين العربي والدولي ثم بدأت البحرين تخطو خطواتها الأولى في السياسة وتحديد المسؤوليات وقررت الدولة تأسيس رئاسة مجلس الوزراء بعد ان كان يدير شؤونها مديرون تنفيذيون لكل دائرة وحولت هذه الدوائر إلى وزارات حكومية وحول المسؤولون الآخرون إلى مديرين ووكلاء مساعدين حسب التنظيم الإداري الجديد وقد أسندت رئاسة هذه الوزارة إلى الشيخ خليفة بن سلمان آل الخليفة الذي ما زال يتربع على عرشها إلى اليوم.

لقد توسعت الوزارات الحكومية بعد ان أنشئت مرافق كثيرة ومشاريع متعددة ودوائر جديدة وسارت الأمور في هدوء حيث أنشئت الميزانية المتاحة والمساعدات القادمة من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة الأمارات العربية المتحدة حتى بدأت تكبر الطموحات التي يريدها الحكم وكان التركيز فيها كثيراً وبصورة عميقة على أجهزة الجيش والعسكر والحرس الوطني والشرطة وأجهزة المخابرات العسكرية والمدنية خاصة في هذه البلاد التي تحتضن أربعة أجهزة مخابرات يصرف عليها مبالغ طائلة كل ذلك على حساب التعليم والصحة والتنمية المستدامة والمشاريع الإنشائية وبناء الجسور والشوارع والمرافق العامة والمطار والأجهزة الحكومية والتدريب والتخطيط الذي لا تؤمن به حكومة البحرين ابداً وهناك برهان حينما قدمت مجموعة من مجلس النواب في 2002، مذكرة تحث على إيجاد وزارة للتخطيط الشامل إلا ان هذا المشروع ووجه بالرفض التام خلال اربع وعشرين ساعة مدعية الحكومة بإنه لا داعي لهذا المشروع خاصة لوجود دوائر تخطيط شاملة عاملة في كل الوزارات.

هذا وأملنا كبير في ان تقوم الدولة وترتكز على أسس سليمة وقواعد قوية لبناء دولة ديمقراطية مدنية مستقرة وقوية.


  
 ألأستاذ محمد حسن نصر الله
من نشرة التقدمي العدد 92
السنة الثالثة عشر- يونيو 2015

اقرأ المزيد

حرية الرأي والتعبير…..؟؟؟


تنص المادة (23) من دستور مملكة البحرين على التالي [حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون، مع عدم المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب، وبما لا يثير الفرقة أو الطائفية].

نص دستوري واضح، هل يحق للمواطنين (كتاب او غيرهم) بالتعبير والكتابة عن آرائهم وأفكارهم، وفق هذه المادة الدستورية دون ان يتعرضوا للمساءلة القانونية، وتحديدا بأن لا يتعرضوا للاعتقال او المنع من الكتابة في الصحافة او غيرها، والأهم بأن لا يكتبون [وبما لا يثير الفرقة او الطائفية]، يعني بث الفرقة والطائفية في المجتمع، وهل يعاقب القانون من يقدم على ذلك الفعل الإجرامي بحق الوطن والمواطنين كائن من كان، وهم اليوم كثرة في الصحافة المحلية، عندما يمارسون لعبتهم القذرة ببث خطاب الكراهية والفرقة منذ أكثر من أربع سنوات، تساؤلات نطرحها هنا، لكي لا يغلط بين ممارسة الحق الدستوري في حرية الري والتعبير المذكور سلفاً، وبالأخص  الذين يعبرون عن الأفكار والآراء الوطنية الجامعة، وربما تكون آراء نقدية لظواهر ووقائع يهدف من وراءها الكاتب او الكاتبة تصويب الأخطاء وتلاشي النواقص والثغرات في العديد من قضايا المجتمع المتنوعة، بخلاف الكاتبة أو الكاتب الذي يرفع معول لهدم الوطن وتفتيت وحدة شعبنا الوطنية من خلال كتابات طائفية وعنصرية تثير الكراهية والبغضاء في المجتمع.

هناك العديد من القوانين والتشريعات والمعايير الدولية التي تعطي للإنسان الحق في التعبير عن آراءه وأفكاره وقناعاته بحرية تامة، منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948م، بالأخص المادة (19) منه، العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ايضاً المادة (19) منه.

 جاء في المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان [الحق في حرية التعبير التي تشمل البحث واستقبال وإرسال معلومات وأفكار عبر أي وسيط وبغض النظر عن الحدود].

في عام 2006م، تمت الموافقة على انضمام مملكة البحرين إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ففي السنوات الأربع الأخيرة تراجع مؤشر مملكة البحرين في حرية الرأي والتعبير، ووفق مؤشرات “فريدوم هاوس” نالت المرتبة 188، ثاني أسوأ دولة عربية من ناحية حرية الصحافة، هذا مؤشر سلبي في الحريات العامة ومستوى جداً متدني في قياس أداء حرية الرأي والتعبير.

هل يرتفع مؤشر حرية الرأي والتعبير في بلادنا، مثلما كان عليه الحال مع بداية الانفراج السياسي في فبراير من عام 2001م،.
 
 
بصراحة:
فاضل الحليبي
من نشرة التقدمي العدد 92
السنة الثالثة عشر- يونيو 2015
 
 

اقرأ المزيد

الإسلام الحضاري في آسيا


المصطلح أعلاه هو الترجمة التقريبية للمفهوم الذي صاغته النخب السياسية الحاكمة في ماليزيا بزعامة مهاتير محمد، ومن خلالها سعى لإدماج الإسلام في البنية السياسية والمجتمعية، بصورة لا تتعارض مع مقتضيات العصر وموجبات التنمية. واستطاع الماليزيون أن يقدموا نموذجاً ناجحاً في التطور الاقتصادي والتحول المجتمعي، اقتدت به بلدان أخرى في آسيا، وبرهنوا من خلاله أنه بالوسع تحرير صورة الإسلام مما لحق بها من تشويه في المنطقة العربية، بحيث قرنت بالإرهاب ومعاداة الديمقراطية.

بعض الباحثين عزا ذلك إلى الطريقة التي دخل بها الإسلام إلى المناطق الآسيوية النائية، عبر التجار العرب، الآتين من حضرموت اليمنية خاصة، حيث استطاعوا إقناع النخب السياسية الحاكمة هناك باعتناق الإسلام، ما أدى إلى أسلمة مجتمعات بكاملها بسهولة، والمزاوجة السلسة بين التقاليد المحلية الموروثة والمبادئ الإسلامية.

حين يجري الحديث عن علاقة الإسلام بالديمقراطية يحصر كثير من الباحثين اهتمامهم في التجربة التركية، فلا يجري تسليط الضوء على حقيقة أن نموذج الإسلام التركي فرضته تجربة التحديث الأتاتوركي، التي لم يكن بوسع الإسلام السياسي التركي الحاكم حالياً أن يقفز على شروطها التي ترسخت في بنية المجتمع وفي المنظومة السياسية القائمة هناك، أي أن الحداثة التركية ليست من صنع الإسلاميين الحاكمين اليوم، الذين حاولوا التحايل عليها بتقديم نسخة خاصة بهم، من دون أن يفلحوا في إخفاء أجندتهم الحزبية التي لا تختلف، جوهراً، عن أجندات الإسلام السياسي .

في التجربة الماليزية لسنا إزاء نسخة أخرى من الإسلام السياسي، وإنما إزاء تجربة ناجحة وخلاقة برهنت على أن الإسلام، من دون غائية سياسية أو حزبية، يمكن أن يتعايش مع الحداثة والديمقراطية في مفهومها الحديث، وأنه يمكن توظيف التقاليد المحلية والثقافة الوطنية والمزاج المتدين للمجتمع في تحقيق تنمية راسخة.وجرى ذلك بأقل قدر ممكن من التوترات السياسية والاجتماعية، بحيث لم تواجه ماليزيا الانفصام الذي نعرفه في المشرق العربي بين الحداثة والتقاليد الموروثة، ما يقطع بأن المشكلة ليست في الإسلام، كما يتوهم البعض، إنما في سوء أداء النخب السياسية.
 
23/07/2015
 

اقرأ المزيد

تونس ليست استثناء


من بين كل «التجارب المخبرية» لعاصفة «الربيع العربي» الشبابية الطائشة، حظيت تونس، البلد الذي أطلق شرارة هذه العاصفة الهوجاء، باهتمام وثناء وإشادة من قبل كل المحللين والمراقبين السياسيين في العالم العربي الذين قيّض لي متابعة مداخلاتهم وكتاباتهم ومواقفهم عبر وسائط الإعلام المختلفة، حول تجربة تونس «الرائدة» في «العبور الآمن» من بين فكي كماشة الفوضى المحتمة التي كانت بانتظارها، أسوة بكل التجارب «الشعبية» التي ركبت موجتها وحاولت تقليدها في الثورة على القديم، من دون بوصلة، ولا عنوان، ولا تذكرة عودة «لمجنونها»، بعدما اكتشفت ما هو أجنّ منه.
من الواضح أن تمكّن المكونات السياسية التونسية من إتمام المرحلة الانتقالية بإعادة البلاد من مرحلة ما بعد الثورة المضطربة إلى مرحلة الدولة، قد أغشى عيون أولئك المحللين والمراقبين عما هو «مستقر» خلف الأجندات المعلنة لبعض تلك المكونات التي لولا أن خذلتها الانعطافة الحادة والمفاجئة في مسار «الربيع العربي» في اللحظة الأخيرة، لكان قمرها قد اكتمل بدراً وبانت نصاعته، كما بانت صور تجاربه النظيرة.

قليلون هم الذين فطنوا إلى الصورة الخادعة لسطح أحداث توالي استكمال إجراءات المرحلة الانتقالية، من وضع دستور جديد، وانتخاب برلمان جديدن وانتخاب رئيس جديد. فقد كان مقدراً لتونس أن تتجه لملاقاة المصير نفسه الذي لقيته التجارب التي قلّدتها، لولا «الصاعقة» الماحقة التي حلت فجأة على رؤوس فروع تنظيم الإخوان المسلمين، وأبعدتهم عن المشهد السياسي الذي تصدروه فترة وجيزة في العديد من البلدان، لاسيما مصر، وإدراك فرع التنظيم في تونس «حزب النهضة»، أن مصيره لن يكون أفضل حال من مصير «أخيه» فرع التنظيم في مصر، ما لم يحنِ رأسه للعاصفة ويساير اتجاهها.

فقد تيقّن إخوان تونس من هذا الانعطاف النوعي في الأحداث، من وحي ما أسفرت عنه نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2014، والتي فاز فيها حزب نداء تونس الليبرالي برئاسة الباجي قائد السبسي ب 85 مقعداً، فيما حل حزب الإخوان المسلمين «النهضة» ثانياً ب69 مقعداً، وحصل مناصروه على خمسة مقاعد فقط، وهو الذي كان هيمن على الحياة السياسية في تونس طوال فترة الاضطراب والفوضى التي أعقبت «ثورة الياسمين»، باكورة «الربيع العربي» مطلع عام 2011. لتُستكمل هذه الانتكاسة الكبرى لإخوان تونس بهزيمتهم بعد شهر من ذلك في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 بخسارة حليفهم الرئيس الانتقالي السابق المنصف المرزوقي، في جولة الإعادة أمام مرشح حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي، بحصول الأخير على نسبة 55.68% من الأصوات، مقابل 44.32% للأول.

فلولا التطورات الدراماتيكية العاصفة التي شهدتها مصر المجاورة لتونس والتي مكنت فترة الاضطراب والفوضى التي عصفت بمصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت نظام حسني مبارك، مكَّنت إخوان مصر من الوصول للسلطة في انتخابات غلبت عليها الشعبوية وغاب عنها الوعي، والتي مكثوا فيها عاماً واحداً كان كافياً للناس لأن يكتشفوا أنهم «اندحك عليهم»، فهبوا وتمردوا على حكم الإخوان، الذي وصل إلى ذروته في التظاهرة المليونية في 30 يونيو 2013 والتي فتحت الطريق للإطاحة بحكم الإخوان في مصر لولا هذه الانعطافة الحادة، لكان إخوان تونس استمروا في تمسكهم بمواقع السلطة التي احتلوها في معمعان «فوضى حواس» ما بعد الثورة. فعلينا أن نتذكر أنهم ظلوا يناورون ويماطلون في مفاوضات ممضّة مع قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل لتشكيل حكومة انتقالية بعيداً عن هيمنة حزب النهضة. كما سارعوا لاستغلال هذه الهيمنة بإنشاء ميليشياتهم للدفاع عن مكتسباتهم التي غنموها في معمعان الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أعقبت سقوط نظام بن علي، فكان أن وُجهت إلى هذه الميليشيات اتهامات بالمسؤولية والتواطؤ مع التشكيلات السلفية في عمليات الاغتيال التي طالت أبرز قيادات المعارضة التونسية الليبرالية، شكري بالعيد ومحمد البراهمي، ما حدا برئيس الاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي للإعلان في ديسمبر/كانون الأول من عام 2012 بأن حزب النهضة (بزعامة راشد الغنوشي) وحليفه حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (بزعامة المنصف المرزوقي)، اختارا المواجهة، وأن الاتحاد على قدر هذا التحدي، فقد اعتاد مناضلوه السجون في عهدي الحبيب بورقيبة وبن علي، ولن يخافوا من حكومة الالتفاف على الثورة. ورأى العباسي أنه لم تعد هناك أي جدوى للحوار بعد الهجوم المنظم الذي نفذته ميليشيات حركة النهضة المسماة «روابط حماية الثورة» ضد الاتحاد ومناضليه ومقره المركزي، والتي دانتها الأحزاب والمكونات التونسية، ودعت إلى حل تلك الميليشيات، وحمّلت حركة النهضة مسؤولية جر البلاد إلى العنف. فكان رد الغنوشي آنذاك متحدياً، إذ قال إن روابط حماية الثورة هي «ضمير الثورة». وبدت تونس حينها، في الذكرى الثانية لثورة ياسمينها بلداً يتناهبه الخوف من اندلاع الحريق الكبير، خصوصاً بعد أن اكتشفت قوات الأمن وقتها شبكة لتهريب الأسلحة المتطورة بين تونس والجزائر وليبيا في مدينة مدني على الحدود الليبية، وهي أسلحة «ذكية» تصنف على أنها من النوع الخطر جداً.

في تونس، كما في مصر، حيث كانت الفترة التي سيطر فيها الإخوان على السلطة في مصر، والتي لم تتجاوز العام، بمثابة شهر عسل للتنظيمات الإرهابية سرحت ومرحت خلاله في طول البلاد وعرضها، وأنشأت ورسّخت قواعد عملها من «داخل الدار». بل إن في تونس كانت أشهر العسل أطول و«أهنأ»، تم خلالها تمكين الجماعات السلفية الجهادية من السيطرة على الجوامع والمساجد في المدن والبلدات والجامعات، وفُتحت لهم الأبواب لكي يعملوا بهمة ونشاط لتجنيد المئات من التونسيين وإرسالهم للقتال في سوريا، الأمر الذي حظي بموقف مساند واضح من قبل حكومة حزب النهضة وزعيمه راشد الغنوشي. فكان أن تصدرت تونس قائمة الدول الأكثر إرسالاً «للجهاديين» إلى سوريا وبقية مناطق سيطرة تنظيمي «داعش» والنصرة الإرهابيين.

خالص القول، أن النخب السياسية في تونس ليست أكثر رقياً وأكثر وعياً في الثقافة السياسية العامة، وأكثر فهماً وتقبلاً للآخر ولمبدأ التداولية، من أقرانها في بقية الأنحاء العربية، وإنما الظروف هي التي قيّضت لها واضطّرتها لتكملة مشوار المرحلة الانتقالية. وها هي ذي الظروف ذاتها تعيدها إلى مستقرها الأساس، حيث ينتظر حزب النهضة لحظة نضوج التفاحة لكي يقطفها ويستعيد «العرش» ثانية، بعد حسم مسألة الانحياز لخيار الإرهاب، في تونس كما في مصر، جسراً لعودة الإخوان إلى الحكم في البلدين.
 
24/7/2015

اقرأ المزيد

نبذ خطابات الكراهية


مرة أخرى، لفتت دولة الإمارات العربية المتحدة الأنظار إليها بإصدارها المرسوم بقانون بشأن مكافحة التمييز ونبذ الكراهية وازدراء الأديان، فهذا المرسوم يأتي في وقته تماماً حيث تشهد المنطقة العربية موجة من خطابات التكفير والكراهية، وممارسات التمييز على أسس مذهبية وطائفية وعرقية. وعلى أساس هذه الخطابات التي تطلق من منابر إعلامية ودينية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تتمادى الجماعات الإرهابية في جرائمها المقترفة ضد الأبرياء وضد أمن وسلامة الأوطان.

دولة الإمارات، بإصدار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، هذا المرسوم بقانون، تقدّم نموذجاً يجب أن يحتذى به في كافة الدول العربية. وليس بغريب على دولة الإمارات أن تكون سباقة في هذا المجال، فهي بذلك تؤكد وفاءها للنهج الذي اختطه مؤسسها وبانيها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه على صعيد تأكيد مبادئ الأخوة العربية والإسلامية، والتمسك بالجوانب المضيئة في حضارتنا، جوانب التسامح والعيش المشترك والتفاعل الخلاق بين الروافد الثقافية المختلفة، وكذلك الانسجام مع المعايير الدولية في تأمين حقوق المواطنة المتكافئة والمتساوية، وبناء الدولة الحديثة التي تتسع للجميع وتصون ما لهم من حقوق وانتماءات في إطار نسيج وطني متماسك وقوي.

ويحيط المرسوم بقانون بأوجه مختلفة شديدة الإلحاح في ظرفنا الراهن بتجريمه للتمييز بكافة صوره ونبذ خطابات الكراهية وازدراء الأديان، وهي جميعاً آفات خطرة باتت تنخر في المجتمعات العربية وتقوض وحدة الدول والشعوب، وتدفع نحو أتون الحروب الداخلية والتصفيات على أسس الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية.

آفات مثل هذه تتطلب تحصين المجتمعات منها ومن شرورها بوضع كل ما يندرج تحتها أو ينتسب إليها من أقوال وأفعال تحت طائلة المساءلة القانونية، لتكون كلمة القانون هي الأعلى في ردع كل من يتبناها أو يُحبذها أو يروج لها أو يأتي بها، بما يضمن توفير بيئة صحية قائمة على التعايش المشترك وحماية الوحدة الوطنية، وتوجيه طاقات الأمة نحو الأهداف الخيرة في التنمية البشرية وتأمين الأمن والاستقرار والطمأنينة للجميع.

وما قامت به دولة الإمارات من خطوة رائدة تستحق كل التقدير والاحترام يؤكد مجدداً حاجتنا كعرب إلى صوغ خطابات دينية وثقافية وسياسية جديدة، وعياً بالمخاطر التي تهدد أوطاننا، وإعداداً لعقول الناشئة على القيم الإيجابية والإنسانية ونبذ التطرف والعنف، ومحاصرة بؤر التكفير والكراهية التي أوصلت أمتنا إلى مرحلة من أكثر المراحل ظلاماً في تاريخنا المعاصر.


22/7/2015

اقرأ المزيد