المنشور

وباء كورونا .. وباء الطائفية

كشف وباء كورونا عن واقعٍ مؤلم في بلادنا وبعض البلدان العربية، بأن الوعي والثقافة في تدنٍّ وبالأخص لدى مَن يدَّعي الثقافة أو يحسب نفسه على النخب المثقفة، والبعض منهم يعمل في الإعلام والصحافة وفي مناصب رسمية رفيعة، في تصريحاتهم وكتاباتهم المشحونة بالغث والسمين للإثارة الطائفية والفرقة، وإنْ كانت هذه بضاعة قديمة لدى البعض منهم في بلادنا، ظلّ من خلالها يشحن جيبه بالمال والعطايا، منذ أحداث فبراير / مارس 2011، تلك الجوقة لازالت تعزف نفس الألحان الطائفية لتشقّ المجتمع وتشوِّه سمعة بلادنا، ولكن السؤال هنا: لماذا يُسمح لهم بأن يستمرّوا في غيّهم وفعلهم المشين دون أي رداعٍ لهم أو مساءلتهم القانونية.

تقول المادة 23 من دستور مملكة البحرين (حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون، مع عدم المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب، وبما لا يثير الفرقة أو الطائفية). إن الجزء الأخير من المادة واضح، مع ذلك رأينا كتابات صحفية وفيديوهات انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي تمسّ بوحدة الشعب وتثير الفرقة والطائفية في البلاد، فهل قُدم من قام بالفعل المخالف للمادة الدستورية للمساءلة القانونية؟

نستطيع تعريف ثقافة الكراهية بأنها تقوم على إقصاء وإلغاء الآخر المخالف في الفكر والرأي، وتخلق حالة من التنافر والتصادم وتشقّ الوحدة الوطنية في المجمتع وتشجع على الغلو والتطرف والتعصب، كما يصل الأمر بالبعض حدّ تكفير بالآخر وتخويه.

تنصّ الفقرة 2 من المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على (تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف).

والمنتظر من أي دولة تريد أن تتصدّى لدعوات الكراهية والتمييز بأن تصدر قانونًا يجرم الكراهية والتمييز، فمن جهة تلتزم الدولة بالمادة المذكورة أعلاه، ومن جهة أخرى تحافظ على اللحمة والوحدة الوطنية و تعزز من روح الوئام والتآخي الوطني والتسامح والتعايش بين أفراد الشعب، ولا تسمح لتلك الجماعات أو الأفراد العبث بالوحدة الوطنية تحت أي ذريعة ومبرر كان، وأن يكون القانون هو الفاصل في تلك القضايا المليئة بالكراهية والأحقاد .

تنشأ ثقافة الكراهية والسلوك غير السوي في المجتمع بسبب الشخصيات المأزومة ومن يعيشون على حساب الآخرين سواء لمصلحة نفعية أو ترزّق أو حقد دفين أو تعصب مذهبي في أنفسهم تجاه المكون أو العرق الآخر، وأهدافهم دنيئة هي شقّ الصف الوطني والعمل على إشاعة الأحقاد والكراهية في المجتمع مستفيدين من وسائل التواصل الاجتماعي لبث تلك السموم ونشر القاذورات الكريهة لتعكر أجواء المجتمع الواحد .

تواجه بلادنا والعالم كله اليوم وضعًا غير طبيعي بسبب “كورونا”، الذي أعلنت منظمة الصحة العالمية في يوم الأربعاء 11 مارس 2020، بأنه وباء عالمي، يتطلب تكاتف الجهود الرسمية والشعبية للتقليل من خطورته وانتشاره في بلادنا، وفي هذا المقال نحيي الجهود الكبيرة التي تبذل من قبل الفريق الطبي (أطباء/ ممرضين/ مسعفين/ متطوعين وغيرهم)، حيث يقدر لهم ذلك العمل الوطني والإنساني الرائع الذي يقومون به في هذا الظرف العصيب الذي تمرّ به بلادنا والعالم.

وعلى النقيض من ذلك نجد موقف بعض أعضاء مجلس النواب غير الواضح منذ بداية التصدي لذلك الوباء – الكارثة، فتارة يقدمون اقتراحات ورغبات عديدة تدخلهم في مطبات يصعب على البعض أحياناً الخروج منها، أما الطامة الكبرى فكانت صدور بيان من 18 نائباً بتاريخ 11مارس 2020، يرفض عودة المواطنين العالقين في إيران من العودة إلى وطنهم، لأنهم سوف ينشرون وباء كورونا، فهل هؤلاء النواب لا يعرفون بأن الدولة مسؤولة عن مواطنيها في الداخل والخارج، وهل القادمون من الدول الأخرى وبعضها فيها الوباء لن ينشروه؟ فلماذا الكيل بمكيالين، وهناك العديد من الدول العربية والأجنبية تعاطت مع الموضوع بإيجابية وجلبت من كان عالقاً في الخارج من مواطنيها، سواء كانوا أصحاء أو مرضى مصابين بوباء كورونا في بادئ الأمر، فهل ننتظر أن يتفاقم وضعهم الصحي إلى الأسوأ؟

وبسبب تأخرّ الدولة في إجلاء المواطنين العالقين من العودة اضطرّ البعض منهم لدفع مبالغ كبيرة لشراء تذاكر جديدة والعودة من خلال رحلات سفر طويلة استغرقت أكثر من 24 ساعة في 20 مارس 2020 ، ونأمل بأن لا يتكرر الأمر مع آخرين من المواطنين العالقين في إيران منذ أكثر من شهر، بأن تسارع الحكومة بإجلائهم في أقرب وقت لكي لا يسوء وضعهم الصحي، فهناك كبار في السن وصغار، ويتعين تخصيص أماكن لهم (مستشفيات أو مراكز صحية)، (الحجر الصحي الاحترازي) وإجراء الفحوصات الطبية، وهذا نأمل أن يتحقق في القريب العاجل .

مثلما نجحت الصين قيادة وشعباً في التصدي لوباء كورونا، سوف تنجح البشرية في الانتصار على هذا الفيروس كورونا بإرادة الإنسان وبحثه العلمي المستمر لإيجاد الدواء المضاد له.

اقرأ المزيد

أزمة “كورونا” من منظور عمالي

منذ أن وصل فيروس كورونا كوفيد إلى البحرين، قامت الحكومة بالعديد من الخطوات التصاعدية لمنع تفشي الفيروس، ونبحث هنا بعض المواضيع المتعلقة بالوضع العمالي.
أولا: في جانب الصحة والسلامة المهنية
في القطاع الحكومي اتخذت الأجهزة الحكومية العديد من الاجراءات الوقائية وقلّصت من المراجعات، وتوجهت إلى تقديم الخدمات الإلكترونية، وفعلت العمل من المنزل والعمل بنظام التناوب في العمل بين المنزل ومقرات العمل، ويحسب للقطاع الحكومي وجود النص المنظم لمسألة العمل من المنزل.
بينما في القطاع العام قامت العديد من الشركات الكبيرة، وبالأخص المقدمة للخدمات والتي تهتم بسمعتها وصورتها العامة إلى جانب اهتمامها بموظفيها، وبالأخص اهتمامها بمواصلة العمل والانتاج بأخذ خطوات مماثلة للتي أخذها القطاع الحكومي، بل أن بعضها قام بخطوات أكثر من خلال تقسيم الموظفين على مجموعات، وتوزيعهم على مواقع مختلفة بالارتباط مع العمل من المنزل، حرصًا على صحة الموظفين من جهة، وعلى استمرار العمل من جهة أخرى.
ولكن أغلب المؤسسات في البحرين هي مؤسسات صغيرة ومتوسطة، لا تتوفر لديها الإمكانيات ولا الخبرات لأخذ مثل هذه الخطوات، بالإضافة إلى عدم اكتراث بعص أصحاب الأعمال بصحة وسلامة العمال والموظفين، فنسمع كل يوم قصصًا عن الإستهتار بصحة الموظفين في العديد من المواقع. وهنا يفترض أن تأخذ المؤسسات ذات العلاقة دورها الغائب لحد اللحظة؛ وأهمها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية والنقابات والاتحادات النقابية. تجدر الأشارة هنا إلى أن القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على العمالة المهاجرة هي الأكثر استهتارا بالوضع والأقل اتخاذًا للتدابير الوقائية. والأسوأ حالًا هم العاملون في المهن الحرة الذين يعانون الأمرّين في توفير لقمة عيشهم وكفّ حاجة عوائلهم، بل أصبحو يخاطرون بأنفسهم ولا يملكون الامكانيات اللازمة للوقاية.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن العديد من الشركات الصناعية الكبرى بفعل عناد كبار مسؤوليها لا تقوم بأقل القليل من اجل المحافظة على سلامة موظفيها وهذا ما تشتكي منه نقاباتها الفاعلة.

ثانيا: تحمل رواتب المواطنين من صندوق التأمين ضد التعطل
ضمن حزمة الدعم التي أعلنت عنها الحكومة، وشملت تحمّلها لفواتير الكهرباء والماء والرسوم البلدية وإيقاف استقطاع القروض على الشركات والمواطنين لمدة ستة أشهر، إلى جانب تحمّل تكلفة رواتب المواطنين في القطاع الخاص لثلاثة أشهر، إلا أن المفاجئ (ربما لا يجب أن نتفاجئ) أن تمويل دفع الرواتب سيكون على حساب العمال أنفسهم. فأعلنت الحكومة أن هذا التمويل سيكون من خلال صندوق التأمين ضد التعطل (وللتذكير فإن العمال يساهمون في الصندوق ب1% من رواتبهم، ويدفع مثلها أرباب العمل والحكومة ويقوم الصندوق بتقديم اعانات التعطل عن العمل للمفصولين تعسفيًا والباحثين عن عمل).
في الأصل نرفض المساس بأموال العمال، وأيضًا تجب الإشارة إلى الحاجة لإشراك العمال في ادارة الصندوق ذاته، ولكن في هذا الوضع الإستثنائي وفي ظل تردي الوضع الاقتصادي، وعندما يكون الهدف المحافظة على العمالة المحلية من التعرض للفصل من العمل، فإن الأولى أن نقبل بهذا التوجه كحلٍ يُبعد العمال عن البطالة، وكخطوة وقائية واستباقية بدلا من التعامل مع النتائج التي لا يختلف اثنان على وضوح ملامحها.
إلا أن الواقع المنظور يوضح بأن هناك العديد من القطاعات لم تتأثر من الوضع القادم، بل بالعكس أن بعض القطاعات مستفيدة بشكل كبير من الهلع الجماعي والتوجه إلى التخزين والشراء خوفًا من المجهول. فكيف يمكن أن يتم دعم المتضرر والمنتفع في ذات الوقت؟ ومن جانب آخر يجب أن تكون هذه المبادرة مربوطة بحماية العمال من الفصل فعلًا، من خلال تضمين القانون الذي أرسلته الحكومة لمجلس النواب نصًا يلزم أصحاب العمل المستفيدين بعدم فصل المواطنين خلال العام الجاري، وإلا استرجعت الحكومة كل مبالغ الدعم أو ربما مضاعفة وقتية لتعويض الفصل التعسفي تمتد لنهاية العام، وإلغاء مادة الفصل الاقتصادي في قانون العمل.
ولكن، هل فعلًا هذا الدعم موجه للعمال؟ أم أنها طريقة ذكية من الحكومة لتمرير دعم للتجار تحت عنوان شعبي وجماهيري من الصعب معارضته أو رفضه.
وحتى كتابة هذا المقال (الثلاثاء 24 مارس) كان يفترض أن يعرض مشروع القانون بشكلٍ مستعجل على مجلس النواب في جلسته المنعقدة بذات اليوم، حسب ما أعلن ضمن قرارات اجتماع مجلس الوزاء (الأثنين 23 مارس)، ولم يقدم أحد اي تفسير لعدم ادراجه على جدول أعمال جلسة مجلس النواب اليوم، فلا نعرف إن كانت رئيس مجلس النواب أوقفته، أم أن الحكومة طلبت عدم ادراجه، أو أنه لم يصل إلى مجلس النواب خلاف المعلن؟

ثالثا: هل سيستلم العمال رواتبهم؟
واضح كوضوح الشمس أن العديد من القطاعات تضررت بشكل كبير جدًا، وأهمها القطاع السياحي من فنادق ومطاعم ومقاهي وقطاع التجزئة وغيرها من القطاعات، وبدأ أصحاب الاعمال في اجبار العمال على أخذ اجازة اجبارية أو إجازة بدون راتب، أو اخطارهم بعدم دفع رواتبهم حتى إشعار آخر. فأين وزير العمل والشؤون الاجتماعية عن مهامه، وأين الاتحادات النقابية عن التفاوض على المستوى الوطني؟ أم أن حقوق العمال والعمالة المهاجرة للتنظير في قاعات الفنادق؟
وتجدر هنا الإشارة والإشادة بمقترح النائب الرفيق سيد فلاح هاشم في مجلس النواب بإلزام أرباب العمل بتحويل رواتب العمال إلى حساباتهم في المصارف والذي رفضته الحكومة تحت حجة صعوبة تحققه، وبعدها رفض النواب له بناء على رأي الحكومة، بينما لو تمّ تطبيق المقترح لاستطاعت الوزارة معرفة العمال المتضررين وأخذ الإجراءات لحمايتهم وحماية حقوقهم.

رابعا: حقوق المصابين والمحجورين احتياطيا
سواء في الحجر الطبي أو المنزل
إن قرار الحجر الصحي قرار يتخذه الطبيب المختص، سواء في الحجر الطبي ام في المنزل حماية للمجتمع ككل ولمكان العمل أيضًا، فلا يجوز أن يتم تهديد العمال بخصم الإجازات أو اقتطاع الأجر، أو حتى الفصل من العمل بل يجب التحلي بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية التي توجب دعم المصابين والمحجوزين. ولدينا من الشكاوى الكثير، ولو سمح لنا أصحابها كنا نشرناها هنا لولا الخوف عليهم من الفصل من العمل، وهم يرضون بمثل هذه القرارات التعسفية على مضض لعلمهم أنه لا يوجد من يحميهم.

ختاما؛ اتمنى من وزارة العمل والنقابات والأتحادات النقابية أخذ دورهم المطلوب كما يجب على العمال انفسهم الألتزام بتعليمات الصحة والسلامة واتمنى ان تفلح الجهود المجتمعية في القضاء على هذه الجائحة ويرجع الاستقرار لبلدنا ولكل العالم.

اقرأ المزيد

“كورونا” وأولوياتنا القادمة

فيروس “كورونا” الذي بات الشغل الشاغل لجميع دول العالم، دون استثناء، استطاع في غضون أقل من شهر أن يؤجل كل أولويات الدول والشعوب إلى حين الانتهاء نهائيًا من سطوته وما أحدثه من رعب لدى الجميع. هذا الفيروس اللعين والقادر، بحسب التحليلات العلمية المعلنة حتى الآن، على الانتشار بنسبة الضعفين، وربما أكثرعن فيروس الانفلونزا العادية، وعلى التحول ومقاومة العلاجات المتاحة بصورة تجعل منه خطرًا متعاظمًا على الجميع. حتى الآن أعلنت الصين، بؤرة انتشار الفيروس الأولى سيطرتها على وقف انتشاره، بفعل جدّية التعامل الرسمي والشعبي هناك مع هذا الخطر الذي يهدد الكيانات والدول دون رحمة.
وفيما تغرق دول مثل إيطاليا وإيران وإسبانيا والولايات المتحدة وغيرها في مواجهة الآثار السلبية التي أحدثها، نجد أن هناك العديد من الحكومات والشعوب تقدّم مؤشرات ايجابية ونماذج متقدمة لكيفية التعاطي مع ما أحدثه ويحدثه من تداعيات على الرغم من قلّة خبراتها وضآلة مواردها، وفي وقت يتناسى العالم مؤقتًا العديد من بؤر التوتروالحروب والفتن كتلك التي دمرت اليمن وسوريا، ودولًا أخرى استبيحت فيها السيادة مثل فنزويلا وغيرها، وهي اوضاع هيأت لها على الدوام بعض الدول الكبرى والاستبداد العالمي المنفرد بناصية القرار الكوني، بعد انهيار النظام العالمي ثنائي القطب.
ونحن نحاول العبور جاهدين بأقل الخسائر الممكنة من هذه الأوضاع المهيأة جدًا لمزيد من التداعيات الجارفة التي لا نعرف بعد مآلاتهأ، والتي تتنبأ معظم الدراسات والتوقعات الاقتصادية والسياسية والبيئية من حولنا بأنها ستكون كارثية، وربما مدمرة لما تبقى من تماسك ممكن للنظام العالمي القائم، فإن ما يعنينا حقًا كشعب ودولة؛ في هذه الفترة المفصلية هو كيفية الحفاظ على وجودنا وكياننا وهويتنا ومقدراتنا بالحدّ الذي يبقينا أكثر صمودًا في وجه ما هو قادم إلينا بسرعة، وأن نتجاوز واختلافاتنا بالتفاكر والحوار والتوافق كشعبٍ في كيفية الحفاظ متحدين على ما تبقى لنا من خيارات قليلة.
ولعل أولى أولوياتنا هو التمسك بوحدتنا الوطنية والتركيز على ثوابتنا الجامعة التي تبقينا أكثر تماسكًا وتلاحمًا في وجه العواصف القائمة والقادمة أيضًا، فنحن كشعب وأمة لدينا رصيد حضاري وانساني لا يستهان به في قدرتنا على النجاح في تحديد خياراتنا اللاحقة، لكن ذلك يبقى رهنًا بقدرتنا أولًا على التمعن ببعد نظر أكبر مما هو قائم حاليا، ولعلّ اكثر ما يخيفنا، أفرادًا ومجاميع، هو تلك الدعوات المنفلتة أو التي سمح لها بالإنفلات من عقالها لممارسة جنونها والإفصاح مجددًا عن عقد النقص التي ابتليت بها، كما ابتلينا نحن كشعب بوجودها واستمرارها في العبث دون رادع في الضرب في وحدتنا وخياراتنا الوطنية.
هنا يمكنني القول إن بالإمكان تحجيم تلك الدعوات وحتى لجمها نهائيًا، لأن أمامنا ما يستحق فعلا التركيز عليه بشكل أكبر، دون السماح تحت أي مبررات بعودة العجلة إلى الوراء أو الاستخفاف بالمشاعر الوطنية أو حتى بالمضي أحيانًا في ذات السياسات والسياقات المرهقة من قبل أطراف وفئات أثبتت التجارب أن لها مصالح أنانية فردية وفئوية في الإستمرار في ذلك العبث إلى ما لا نهاية.
وعليه فإن أولى تجليات فهمنا لأهمية تعاملنا بشكل جديد مع ما يحوم حولنا من تحديات هو أن نبرز رفضنا التام لتلك الدعوات والممارسات المعيقة لمسارنا الحضاري، وضرورة لفظها شعبيًا ورسميًا والتأسيس لوعي وطني إيجابي ومغاير، وإعادة وضع الأمور في نصابها بطرق تكفل لنا جميعًا عودة التلاحم والوحدة توطئة لرسم خياراتنا المستقبلية بشكل يكفل تحقيق أقصى درجة من الرقي الحضاري الذي يجب أن يظهر للعالم أنه استفاد فعلا من تجارب المراحل السابقة، علاوة على ما أفرزته التجربة الصعبة التي نمّر بها حاليًا.
تلك مهمة لا تقبل التأجيل ولا حتى الابتزاز والتسويف من قبل طرف على حساب آخر، ولنتعظ مما تفرزه تجربتنا الوطنية الناجحة حتى الآن في مجابهة فيروس “كورونا”، وما استدعته من ضرورة الاعتماد بشكل أكبر على قدراتنا وطاقاتنا البشرية وامكاناتنا ومواردنا الكامنة، واستقلالية قراراتنا ووحدة مختلف القوى المجتمعية في مواجهة خطر داهم يتهددنا، حتى لا تبتلعنا خيارات الآخرين وأجنداتهم ولكي لا تضيع بوصلتنا الوطنية في متاهات العبث والتشظي دون طائل.

اقرأ المزيد

«كورونا » يكشف عاهات العالم

عدد من يموتون يومياً في مختلف بلدان العالم قبل انتشار فيروس كورونا، أو ما سبقه من فيروسات قاتلة يبلغ الآلاف لأسباب شتى، بينها التقدم في العمر والأمراض المزمنة والسرطانات وما إليها. ومع أن عدد من ماتوا ويموتون كل يوم، منذ أن أعلن عن اكتشاف كورونا، هو في تزايد للأسف، ولكنه، فإن عدد من ماتوا ويموتون في مختلف البلدان، خاصة منها كثيرة السكان، أو التي تعاني من الفقر وتدني الخدمات الطبية. فضلاً عن ضحايا الحروب المدمرة، أهلية كانت أو بين الدول، وضحايا المجاعات والقحط والكوارث الطبيعية كالفيضانات والحرائق وغيرها أكبر بكثير، لكنها لا تجد لها حيزاً كافياً في نشرات الأخبار.

ليست الغاية التقليل من خطر “كرونا” الذي يجتاح البلدان، ويستنفر العالم كله لمواجهته، وتعمل المختبرات ليل نهار للوصول إلى لقاح يمنعه وعلاجات تشفي منه، ولكننا لا يمكن أن نغفل عن أن الماكنة الإعلامية العالمية، تساهم بحصة كبيرة في بث الهلع غير المسبوق جراء الفيروس.
ما هو جدير بالعناية هو ما فجّره، وسيفجًره، تفشي “كوفيد 19” من نقاشات عميقة حول مدى كفاءة النظم السياسية في البلدان المختلفة في التعامل مع تحدٍ بهذه الخطورة، لم تعهد البشرية مثيلاً له منذ زمن طويل. ليس هذا فقط. تفشي الفيروس أظهر هشاشة الكثير من برامج الحماية الاجتماعية، وبشكلٍ خاص الرعاية الصحية، التي بدت عاجزة عن تأمين ليس متطلبات مواجهة هذا التحدي فحسب، وإنما حتى توفير الحدود الدنيا من العناية بصحة الناس، فحيث تغيب الخدمات الطبية المجانية، اتضح أن أعداداً هائلة من البشر خارج التغطية الصحية التي عُهدت إلى شركات التأمين، التي تتعامل بمنطق المال والربح، لا منطق “الأنسنة”.
على صعيدٍ آخر أظهر تفشي الفيروس ما نريد وصفه ب”هشاشة” العولمة. التي تتعرض اليوم تتعرض لاختبار حقيقي حول مدى صلابتها وقدرتها على تحدي الصعاب الماثلة. حتى الآن يجري الحديث عن فقدان الأسواق العالمية لمئات المليارات من الدولارات، وهبوط التعاملات في البورصات، وانكماش، لا بل وتوقف، حركة السياحة والسفر. وفي الأمر مفارقة جديرة بالوقوف عندها. أظهر “كورونا” من جهة إلى أي مقدار هو العالم قرية كونية بالفعل، ولكن هذه “الكونية” ليست بمنجاة من المخاطر الآتية إليها من أحد مراكزها أو أطرافها، ما كانت ستعرفها لو ظلّت مجرد قرية.
وكشف الفيروس أيضاً عن ضعف منظومة الاتحاد الأوروبي، وانكفاء كل دولة على نفسها، وانصرافها نحو تدّبر أمورها في مواجهة الفيروس منفردة، غير معوّلة على دعم من دول الاتحاد الأخرى. وتبدو مفارقة أن كوبا، الجزيرة الفقيرة المعزولة، المحاصرة من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى منذ عقود، هي من ترسل طواقم طبية مؤهلة إلى إيطاليا لمساعدتها في مواجهة المحنة، ومثلها تفعل روسيا المطوقة بعقوبات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، حيث حملت تسع طائرات شحن عسكرية معدات وخبراء إلى إيطاليا للغرض ذاته.

ومع أن الأزمة ما تزال في بداياتها، كما يقول المختصون وصنّاع القرارعلى المستوى العالمي، إلا أن مطالبات آخذة في التزايد ، بما في ذلك في البلدان الرأسمالية المتطورة، بضرورة ردّ الاعتبار إلى دور الدولة في الرعاية الاجتماعية، وهو الدور الذي شهد ترجعات كبيرة في العقود الماضية، منذ أن أرسى الثنائي ريغان – تاتشر منهج التخلي عن هذا الدور، وإطلاق العنان حتى أقصاه لمنطق الخصخصة، وما ترتب على ذلك من تفشي سياسات ما يعرف بال”نيوليبرالية”، والترويج لمزاعم نهاية التاريخ بانتصار النموذج الرأسمالي الغربي.
لقد أظهر تفشي الوباء عجز الحكومات الغربية التي كانت تتباهى بقوتها وجبروتها على الصعيد الكوني، وعرى الكثير من الأوهام، ووجدت هذه الحكومات نفسها مضطرة للاقتداء بالنموذج الصيني في مواجهة الفيروس خلال فترة قصيرة نسبياً، وحصره في أضيق نطاق، وبعد أن أخذ بعضها يروج لما دعاه “مناعة القطيع”، كما فعل رئيس الوزراء البريطاني جونسون، الذي خاطب شعبه بشكل خالٍ من اللياقة، وينمّ عن إزدراء لحيوات الناس، خاصة الكبار في السن منهم، حين دعا المواطنين للتهيؤ لفقدان أحبتهم، كأن ذلك قدر لا مفرّ منه، بدل أن يستنفر الجهود لحصر الفيروس ما امكن، لا تركه يتفشى من أجل تشكّل “مناعة القطيع”!
بالمقابل أظهرت آليات النظام الاشتراكي المعمول بها في الصين فعاليتها في التصدي للخطر، وهي التي وقف الغرب متفرجاً، وربما شامتاً، عليها حين اجتاح “كوفيد 19” إحدى أكبر مدنها، فما هي إلا أسابيع محدودة حتى رأى العالم كيف اجتازت الصين أكثر الوجوه خطورة في الأمر، فيما البلدان الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تعاني من الارتباك والتخبط في مواجهته.
الخبير الروسي في الشؤون الصينية سيرغي بورانوك، أورد سبعة أسباب لنجاح الصين في ذلك، سنلخصها في التالي: الخبرة الضخمة في تعبئة المجتمع والاقتصاد والعلوم لمكافحة الخطر؛ الاستثمارالهائل في العلوم، بما في ذلك الطب؛ ثقة الناس في المسؤولين الذين فعلوا ما وعدوا به حقًا، كانجاز بناء مستشفيات مجهزة خلال أيام، ما جعل الناس يقبلون أقسى إجراءات الدولة؛ شفافية المعلومات المتصلة بالفيروس مع الداخل والخارج، دور أعضاء الحزب الحاكم الذين انخرطوا في العمل الميداني بكل تفاني؛ استخدام التقنيات الجديدة، بما فيها إلزام كل صيني بتنزيل تطبيق على الهواتف المحمولة، يعرض الحالة الصحية للأفراد، وهذا التطبيق مراقب ويحدد موقع كل شخص وحالته الصحية.
أما السبب الأخير، ولعله الأهم، فيكمن في استراتيجية العزل الشديد والصارم للمناطق المصابة.
ما لا يحظى بالتغطية الكافية هو ما كشف عنه تفشي “كارونا” من عاهات تنخر عالم البشر. بعضها ظاهر لا يتوارى أبداً، وبعضها كامن ينتظر الفرصة فقط لمعاودة التذكير بأنه “حي يرزق”. ومن ذلك ما بات يشكو منه المهاجرون إلى البلدان الأوروبية، خاصة منهم ذوي الأصول الصينية والآسيوية، من نظرة التمييز والازدراء وتجنب الاختلاط بهم، مع أن الكثيرين منهم قد يكونوا ولدوا في البلدان التي يعيشون فيها، وأن صلتهم قد انقطعت فعلياً بالبلدان التي إليها تعود جذورهم، وشيء مثل هذا بدأ يفصح عن نفسه في بعض مجتمعاتنا على خلفيات طائفية ومذهبية.

ففي وطننا أخذت تطلّ علينا بعض الأصوات التي يجد أصحابها في الأزمات فرصة لترويج خطاباتهم الآسنة، حتى لو كانت هذه الأزمات انسانية صرفة، كتلك الناجمة عن “كورونا”، وراحت تبث سمومها الطائفية والفئوية، وتحرض على الفرقة، وعلى إزدراء الأخر المختلف في المذهب أو الرأي، والتحريض عليه، فيما الوطن والمجتمع في ظرف مثل هذا بحاجة لتضافرنوايا وجهود أبنائه وبناته المخلصين في مواجهة التحدي والتغلّب عليه.

اقرأ المزيد