المنشور

تراجع التجربة البرلمانية ….. مَن المسؤول؟

لم يكن دستور 2002 ، حين صدوره ينص على حق أعضاء مجلس النواب في طرح موضوع عام للمناقشة كوسيلة من وسائل الرقابة على أعمال الحكومة، وهو من الحقوق التي كان دستور 1973 قد نصّ عليها وسلبها الدستور الجديد، غير أن التعديلات التي أدخلت على الدستور عام 2012 أعادت هذا الحق في المادة (68 البند ب) فأجازت بناءً على طلب موقع من خمسة أعضاء على الأقل من مجلس النواب، طرح موضوع عام للمناقشة لاستيضاح سياسة الحكومة في شأنه، وتبادل الرأي بصدده، وفقاً للضوابط التي تحددها اللائحة الداخلية للمجلس، وقد جاءت هذه الإضافة، كما تقول المذكرة التفسيرية لتعديلات 2012 في إطار ما انتهت إليه الإرادة الشعبية في حوار التوافق الوطني من مرئيات بشأن التعديلات التي ترى إدخالها على الدستور القائم، ومنها منح دور أكبر لمجلس النواب في الرقابة.

غير أنه منذ إقرار مرئيات حوار التوافق الوطني وإصدار هذه التعديلات عام 2012 لم نجد ولم تجد الإرادة الشعبية بأنه قد تم منح مجلس النواب دوراً أكبر في الرقابة على أعمال الحكومة، بل وجدنا تراجعاً وتقييداً لهذا الدور، وللأسف أن من ساهم في هذا الانتقاص من هذا الدور الرقابي، هم أعضاء مجلس النواب وفي النظام الداخلي الخاص بالمجلس (اللائحة الداخلية).

تعديل المادة (173) من اللائحة الداخلية المتعلقة بطرح موضوع عام للمناقشة جاء من الحكومة بموجب مرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002، بتاريخ 3 سبتمبر 2020 أي صدر في اجازة مجلس النواب ما بين دور الانعقاد الثاني والثالث دون أن يتوافر له شرط الاستعجال أو بتعبير الدستور تدابير لا تحتمل التأخير، واشتمل على قيود وشروط جديدة لطرح موضوع عام للمناقشة العامة وقد وافق عليه المجلس في جلسته الماضية بالطريقة التي شاهدها الجمهور وعبر عنها باستياء وتهكم.

وإذا كنا (تنفهم) أن التعديل المذكور جاء من الحكومة، فإن الذي لا يمكن تفهمه أو قبوله هو أنه رغم الايجابية النسبية التي أوجدتها التعديلات الدستورية لعام 2012 في شأن الاستجواب على أن (تجرى مناقشة الاستجواب في المجلس مالم يقرر أغلبية أعضائه مناقشته في اللجنة المختصة)، هو قيام مجلس النواب بتقييد نفسه بتعديل المادة (145) مكرراً (1) الفقرة الثالثة من اللائحة، باقتراح بقانون مقدم من بعض أعضاء المجلس في الفصل التشريعي المنصرم الذي نصّ على أنه (لا يعد الاستجواب جدياً إلا إذا وافق على ذلك ثلثا أعضاء المجلس). وهي سابقة لا مثيل لها على الإطلاق وجاءت بالمخالفة للدستور الذي حدّد بنصوص صريحة وواضحة الحالات التي تشترط أغلبية الثلثين، فأصبحت مناقشة الاستجواب مستحيلة ليس في داخل المجلس فحسب بل في اللجنة المختصة كما جاءت في التعديلات الدستورية.

نحدد جوابنا على سؤال: من المسؤول عن تراجع الحياة النيابية، كما يلي:

إذا كان هناك ثمة إشكالية في الطريقة التي صدر بها دستور 2002 خلافا لمبادئ ميثاق العمل الوطني وفي بعض النصوص التي نصّ عليها وهي عديدة بينها ما تناوله المنبر التقدمي في “وثيقة الإصلاح الدستوري” التي نشرها في العام 2007، واشتملت على أبرز المواد الدستورية التي يتعين تعديلها وشابتها عيوب كشف عنها تجربة الفصل التشريعي الأول، فإن العلة الأكبر هي في التشريعات التي صدرت طبقاً لأحكام هذا الدستور ومذكرته التفسيرية والتعديلات التي تمت عليه، سواء كانت هذه التشريعات صدرت بأداة القانون، أو بمرسوم بقانون، او بمرسوم، إذ جاءت معظم هذه التشريعات تنتقص من الحقوق والحريات ونالت منها، ولعل أبرزها تلك المتعلقة بالنظام الانتخابي والتي أحسبها سبباً من أسباب أخرى رئيسة لهذا التراجع في التجربة النيابية في البحرين.

فهذا النظام الانتخابي هو الذي أوصل لمجلس النواب نوابا يوافقون على تعديلات للقانون الذي ينظم عملهم تنال وتنتقص من دورهم في الرقابة على أعمال الحكومة، وهو الذي أوجد نوابا يمتنعون أو يتغيبون منعاّ من الحرج ما بين الحكومة، وهموم الناخبين اللذين انتخبوهم. هذا النظام الانتخابي هو الذي اسقط الكفاءات أو جعلها تقاطع أو تمتنع عن المشاركة في التجربة البرلمانية، كفاءات وطنية تجمع بين القانون والسياسية ، تجمع بين السياسة والاقتصاد ، تجمع بين السياسة والثقافة، يعج بها مجتمع البحرين يشهد لها الداني والقاصي داخل وخارج البحرين ، وحين نقول كفاءة وطنية لا نعني أن تعبر عن حبها للبحرين وقيادتها السياسية فحسب بل وطنية بمعنى تلك التي لا تسعى كلما سنحت الفرصة لها بمدح وتبجيل صناع القرار، بل هي تلك التي تنشد إصلاحاً حقيقياً بمعالجة وانتقاد كل ما يعيق الإصلاح من فساد ومفسدين، تنشد العدالة الاجتماعية للمواطنين في العمل، في الصحة والتعليم والسكن وعند التقاعد. والتمتع بكافة حقوقهم السياسية دون انتقاص.

هذا النظام الإنتخابي جعل من الإقامة العادية سيفا مسلطاً على الكثير من المترشحين أصحاب الكفاءة وجعل من الشرطة رقبياً على المرشح لمعرفة أين ينام في مسقط رأسه أم في مكان إقامته العادية، فهذا النظام الذي يقسم مناطق البحرين إلى أربعين دائرة انتخابية ساهم إلى حد كبير في سقوط من يمتاز بالكفاءة من المرشحين لمجلس النواب، وعزز من دور العلاقات الأسرية والطائفية في اختيار المرشح.

كل ذلك جاء بالمخالفة لأحكام الدستور من أبرزها:

المادة(57/أ) من الدستور التي اشترطت في عضو مجلس النواب أن يكون اسمه مدرجاً في أحد جداول الانتخاب. غير أن مشرّع مرسوم بقانون مباشرة الحقوق السياسية اشترط في المادة الثانية الفقرة 3 من هذا القانون في كل مواطن لمباشرة الحقوق السياسية أن يكون مقيما إقامة عادية في الدائرة الانتخابية طبقاً لما هو ثابت في بطاقته السكانية في مخالفة صريحة للنص الدستوري المذكور. ونال من تكافؤ الفرص بين المواطنين التي نصت عليها المادة الرابعة من الدستور.

المادة (89/أ) التي نصت على أن عضو مجلس النواب يمثل الشعب بأسره، بمعني أنه لا يمثل دائرته بل يمثل كل مناطق البحرين التي يتعين أن تكون دائرة انتخابية فحين يقترح عضو مجلس النواب قانونا، او حين يراقب أعمال الحكومة فإنه يمارس هذه الاختصاصات ليس من أجل دائرة انتخابية بعينها بل يمارسه من أجل المواطنين جميعا أينما سكنوا في أي منطقة مناطق البحرين.

وتمتد عيوب النظام الانتخابي الذي يعد من أسباب تراجع الحياة النيابية في البحرين إلى التعديلات التي أجراها المشرع العادي عام 2006 على المادة الثالثة من قانون مباشرة الحقوق السياسية التي منعت المواطن من حق الترشح لمجلس النواب حتى وإن رُدّ إليه الاعتبار أو حصل على عفو خاص من جريمة كان قد ارتكبها.

وفي الوقت الذي كنا نتطلع فيه من مجلس النواب في فصله التشريعي الرابع المنصرم أن ينصرف إلى معالجة هذه التعديلات نجده يتقدم باقتراح بقانون يضع على القيود الموجودة في الأصل قيوداً جديدة تمنع من حق الترشيح لمجلس النواب قيادات وأعضاء الجمعيات السياسية الفعليين المنحلة بحكم نهائي، فنال ذلك من حق الاقتراع العام ومن سيادة الشعب باعتباره مصدر السلطات بل امتد إلى النيل من حقوق المواطنة وتعارض مع مبدأ شخصية العقوبة ومع المعايير الدولية والآثار المترتبة على ردّ الاعتبار والعفو الخاص من العقوبة.

لم يبق من وسائل الرقابة البرلمانية سوى الإقتراح برغبة التي لم يتم تقييده لآنه أضعف الوسائل، فالسؤال تمّ تقييده بموجب المرسوم بقانون رقم (49) لسنة 2018، والاستجواب لم يعد ممكنا، والمناقشة العامة غير قابلة للنقد أو اللوم، وتأليف لجان التحقيق سيتم تقيدها في الطريق.

اقرأ المزيد

أسباب الفساد وتبعاته

الفساد المالي والاداري ظاهرة عالمية، ولكن هناك دول تحارب مكامن الفساد لخطورتها على المجتمعات في كل المجالات، ونعني بها الدول التي توجد لديها قوانين فاعلة لمحاربة بؤر الفساد وتقديم الفاسدين للعدالة مهما كان شأنهم ومراكزهم السياسية، إلا إننا في الوطن العربي نرى بأن ظاهرة الفساد تنمو وترهق ميزانيات دولنا وتزيد من مديونيتها دون محاسبة أو ردع للفاسدين من سرّاق المال العام.
لقد ناضل الشرفاء بكافة اهتماماتهم وتخصصاتهم ضد هيمنة الفساد على مدار عقود، ومنهم من نال العقاب على يد الفاسدين وأعوانهم في سدّة القرار السياسي، فالفساد لا ينشأ ويتفشى لولا إن هناك حواضن تؤمن للفاسدين الحصانة في عدم الملاحقة القضائية، وهذه الحواضن لها نفوذ في سدّة القرار السياسي والاقتصادي.
كما أن سياسات القوى الفاسدة تعمل على خلق ثغرات وفرص للتلاعب بالمال أينما كان، في ظل الانتهاكات للقوانين والدساتير والإخلال بتأدية الواجب الوطني وبأسس الامانة والنزاهة، فالفاسدون بطبعهم انتهازيون ولديهم ميول الجشع ضاربين عرض الحائط بالمعتقدات والدين والقيم التي يتشدقون بها، متوسلين طرقاً عديدة منها تشجيع الوساطات وقبول الرشاوي والتوظيف بالمحسوبية والطائفية من القمة للقاعدة.
وفيما الإنسان العربي بحاجة للتعليم والخدمات الطبية والإسكانية وفرص التوظيف، في ظل وجود الإمكانيات الهائلة في أوطاننا، ومنها الثروات النفطية والغاز وغيرها من الثروات الطبيعية، فإن السياسات الفاسدة وهيمنة الفاسدين على الثروات، تهوى بأوضاعنا للفقر المدقع.
أدان المنبر التقدمي في بيان صدر له في مارس الماضي ما أعلن عنه رئيس مجلس ادارة التأمينات الاجتماعية من النية في اتخاذ الاجراءات القانونية ضد مجموعة من النواب الذين قد حاولوا بضمير كشف الصفقات الخاسرة في التأمينات الاجتماعية جراء الفساد المالي والإداري، وهذا يكشف عن التمادي في تكميم الأفواه، بما في ذلك أفواه نواب الشعب، الذين يحاولون التصدي لنهب المال العام، فضلاً عن التضييق على حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير لقوى المجتمع المدني.
إن مخاطر تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري لها سلبيات كبيرة وخطيرة في وسط المجتمعات العربية منها زيادة معاناة الشعوب جراء المشاكل العويصة مع تدني الخدمات المعيشية والاجتماعية، ومع الفساد لا يمكن أن تبنى حياة كريمة للشعوب العربية التي أصبحت في الغالبية تعيش على الهامش، حتى أن هناك من يقتات من صناديق القمامة ويسكن تحت الانقاض والمخيمات والملاجئ في ظل محاربة القوى السياسية الوطنية الفاعلة التي تعارض سياسة إفقار الشعوب العربية، خاصة في الدول التي ليس فيها استقرار سياسي، وتعاني من بطش أنظمة عسكرية أو دكتاتورية التي تُغيّب فيها أسس المشاركة الشعبية والقرار الديمقراطي الحقيقي.

اقرأ المزيد

قٌبلَة غير مرغوب فيها

لا أذكر أني صدمت حين قرأت قصّة الثلجة البيضاء (أو بياض الثلج) والأقزام السبعة، وهي قصة قرأتُ طبعاتٍ كثيرة منها، كلها تنتهي نهاية سعيدة، حين يظهر الأمير في ختام المشهد القصصي ويفتح التّابوت الزجاجي ويقبل بياض الثلج فتستيقظ من “نومها المميت” الذي حدث جرّاء قضمها لتفاحة مسحورة قُدِّمت لها من طرف المشعوذة الشريرة.
لم تصدمني القبلة، التي صدمت كاتبتان أمريكيتان ندّدتا في عموديهما في جريدة “سان فرانسيسكو كرونيكل” بها، لأنّها بشكل ما فُرِضت على بياض الثلج، وتمت ضد رغبتها. مع أنني ابنة مجتمع محافظ.
هكذا أثارت كلٌّ من كاتي دود وجولي تريمين جدلا في الفاتح من الشهر الحالي عبر مواقع التواصل الإجتماعي إثر افتتاح معلم جديد في “ديزني لاند بارك” بعد أربعمائة يوم من الإغلاق مُركِّزتين على فكرة القبلة التي اختلسها الأمير دون أي تبادل لنفس المشاعر مع الحسناء النّائمة.
القصّة الخرافية التي كتبها الأخوان غريم ضمن مجموعة من القصص التراثية التي كانت تروى في ألمانيا، تم تعديلها كما أغلب قصص الأخوين غريم لتناسب كل حقبة زمنية، وتتماشى مع الأفكار التربوية الجديدة، لكن كون القصة جزء من المخيال الشعبي ظلّت بنودها الأساسية دون تغيير، واعتبرت النهاية سعيدة ومفرحة ومقبولة لكل الحقبات. لكن هل فعلاً هي كذلك في زمن حركة “مي تو”؟ والثورة النسائية على التحرش بكل أنواعه؟
لنتركّر معًا أنّ ثمة نقاط تشابه بين هذه القصة وقصص أخرى، مثل تكرار الرقم سبعة، ونوم الأميرات الذي يحتاج دوماً لأمير مغامر ليستيقظن، والشوكة التي قد تكون ملعونة، ونقاط الدم الثلاث، والساحرات الشريرات، والجنيات الطيبات، وغيرها من العناصر المتكررة في مسارات الأحداث عند الأخوين غريم، ثم الشيء الثابت في الغالب وهو هذا الأمير المنقذ للأميرة المظلومة، وربّما هو أكثر ما أزعج الكاتبتين الأمريكيتين، والناشطين على السوشل ميديا.
بالرُّغم من أنّ بعضهم أثار نقطة أخرى. أليس الأجدر أن نغضب لأن بياض الثلج تم تسميمها وتركها ميتة من طرف السّاحرة؟ لماذا لم يُقلق هذا الأمر نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان وحق الطفل ومناهضة العنف بكل أشكاله؟
وفقا للكاتبتين فإنّ ديزني التي حوّلت القصة إلى فيلم في ثلاثينات القرن الماضي، والتي لعبت دوراً مهما في التّرويج لأفكار سيئة للأطفال، فقد حان الوقت لتغيّر من أفكارها، خاصّة أنها عملت على تحوير أحداث كثيرة في قصص أنتجتها سينمائيا حتى لا تصدم مشاهديها من الصغار والكبار.
فكرة تجسيد القبلة غير المرغوب فيها وصفتها الكاتبتان ب “المتخلِّفة” حول ما يُسمح للرّجل بفعله للمرأة، وتقترحان نهاية مغايرة تكون أكثر تحضُّرًا.
فئة شاسعة من مستخدمي “تويتر” استنكرت استخدام ثقافة الألغاء هذه، والمساس بتراث يشهد على المحتوى الأدبي في الماضي. فيما قدّم البعض نهايات ساخرة للقصة على نسق أن يرمي الأمير سطل ماء بارد على الحسناء النائمة، أو يطلق زمورا قويا من بوقه، فيما تساءل البعض هل كانت الكاتبتان ستعترضان لو قام الأمير بإنعاش بياض الثلج بالطريقة الفموية التقليدية؟
هذه ليست أول مرة يُثَار فيها موضوع كهذا، فمنذ سنوات بدأت تُقَدّم اقترحات لكتب مناهضة للتحيُّز الجنسي، بدءا برفض تخصيص اللون الوردي للقصص الموجهة للإناث، والأزرق للذكور، وتعويض فكرة الأميرة المسجونة أو المظلومة بفكرة أخرى لا تمجّد من قوة الذكور وضعف الإناث، فالأمير أيضا بإمكانه ان يعيش في ورطة ويمكن للأميرة أن تنقذه. يُشيد البعض بقصّة “الجميلة والوحش” لأنّها عكست الآية، ووضعت الأنثى في موضع المُنقِذ.
إن فكرة أن الأمير هو المنقذ الوحيد للحسناء الفاتنة الواقعة في مصيبة ما تغرس في رؤوس الفتيات أنهن عاجزات لتخليص أنفسهن من الورطات التي قد تواجههن في الحياة، خاصّة أن أغلب هذه القصص المفعمة بهذا المحتوى تُحضّرهن لعمر النضج، أي أنها بشكل غير مباشر تهيِّئهنّ لمستقبلهن بخطّة حياة اتكالية محضة على الرجل، وهنا تكمن خطورة القبلة غير المرغوب فيها، كونها تتكئ على تقدمة جسدية من المرأة للرجل مقابل الحصول على خلاصها.
إن كان هذا هو التفسير الذي يقدمه مستخدمو مواقع التواصل الإجتماعي بكل أصنافهم، فإن أحد أقدم وأشهر المؤلفين الذين كتبوا في هذا الموضوع، المحلل النفسي برونو بيتلهيم (1903 -1990) قال أن الإعتقاد بأن الحكايات الخيالية قصص سخيفة غير هادفة اعتقاد خاطئ.
في كتابه “التحليل النفسي لقصص الجنيات الموجهة للأطفال” وجد أن لتلك “الحكايات قيمة علاجية للأطفال، كون محتوياتها ورسائلها الخفية توجه الطفل لاكتشاف المعنى العميق للحياة، وإثارة فضوله”. فالقارئ الصغير لديه رؤية مغايرة تماما للقارئ الكبير، ووفق المؤلف الذي نشر كتابه العام 1979، فإن “الكتاب موجّه للبالغين لفهم أهمية الحكاية الخرافية للأطفال” من خلال عرض العديد من الحكايات الشعبية مثل بياض الثلج والأقزام السبعة، وسندريلا، والجميلة والوحش وغيرها، مع تركيز بشكل خاص على الموضوعات الرئيسية مثل عقدة أوديب، والتنافس بين الأشقاء، وأهمية الحب في الحياة، ويوضح كيف تستجيب هذه الحكايات لمخاوف الأطفال حسب تصوّرهم غير الناضج للأمور.
بمجرّد بدء سرد الحكاية على الطفل بمقولة “كان ياماكان” ينتقل إدراك الطفل إلى عالم خيالي تحكمه المتعة، وبمجرد أنتهائها يعود للواقع الذي تحكمه القيود اليومية المرتبطة بالتنشئة الإجتماعية، والتي وفقا لبيلتهيم لا تسمح بإصدارات أخرى.
في إحدى فقرات كتابه يقول: ” كل حكاية خرافية هي مرآة سحرية تعكس جوانب معينة من كوْننا الداخلي، ولخطواتنا المطلوبة لمرورنا من مرحلة عدم النّضج إلى مرحلة النّضج” .
وهْمُ البالغين يبدأ من هنا، حين يعتقدون أن لا خيط فاصل بين الواقع والخيال، بالرغم من أنّهم كانوا أطفالا ذات يوم، وبالرغم من رؤيتهم لأحلام بالأبيض والأسود تفوق قصص الخيال خيالا، وهذا يعني أن كل سرد مرتبط بمخيلة عميقة تختبئ في أعماقهم.
يطالب الأطفال بقصص يوميا، والمحظوظون منهم فقط يحظون بقصص من محيطهم العائلي، سواء بقراءة الكتب أو سرد ما توفّر لهم من ميراث شعبي شفوي. يُفتَتَن الأطفال بقصص العائلة الغريبة التي يروونها عن أشخاص يعرفونهم، ويطلبونها باستمرار، وإن لم يجدوا من يشبع رغبتهم هذه يبتكرون قصصهم الخاصة فقط حاولوا الإصغاء إليهم وستكتشفون ذلك.
الهوس بالحكايات مرتبط بقلق أو مشكلة داخلية، غالبا ما تكون خوفا أو رهابا، وهي تريحه، وتقدّم له الإجابات والنهايات المطمئنة، فلا مصيبة أو مشكلة تدوم للأبد.
سنة 2017 قامت محامية بريطانية بالمطالبة بتغيير نهاية قصة “الأميرة النائمة ” وشطب القبلة التي أيقظتتها بعد أن أصابها الهلع حين وجدت إبنها ذي الست سنوات يطلع عليها، لكنّها لم تثر زوبعة إعلامية كما فعلت الأمريكيتين.
لكن إن عدنا للعقل ولم نتكئ حتى على التحليل النفسي للحكاية الخيالية بكل ما تحويه من أحداث غريبة، فإن لكل شخص رؤية مختلفة لما يقرأ. تولد معاني جديدة للحكاية نفسها اعتمادا على عمر القارئ، وتجربته، وخلفيته الثقافية والإجتماعية سواء للبالغين أو للأطفال. تفسير الحكاية مرتبط باحتياجات القارئ اللحظية.
إن اللافت في هذا الموضوع بالذات أنّ الأطفال في زمننا الحاضر يسخرون من قصص خرافية كهذه، وهي قصص وَقَعْنا تحت فتنتها ذات يوم حين كنّا في نفس أعمارهم. نعم، قد تكون ممتعة لهم، لكنّهم مقتنعون تماما أنها مجرّد خيال، كونها تُروى مع كم هائل من القصص المبتكرة وفق معطيات العصر الجديدة.
إن مشكلة القبلة غير المرغوب فيها في قصة بياض الثلج، تبدو لنا تافهة أمام فتاوى تُجيز زواج القاصرات في بعض بلداننا، يحارب النشطاء منذ عقود لتغييرها دون جدوى، والقائمة طويلة فيما يخص الإعتداءات المسموحة ضد الطفل والمرأة بدءا بالنصوص الشرعية والقانونية إلى القصص الشعبي والنصوص الروائية والدراما والسينما وهلُمّ جرّا…

اقرأ المزيد

قاطِع كالسيف

قصة قصيرة

عَدا أيَّامٍ معدودة يعتمر فيها أو يزور قبر الرسول الكريم؛ أمضى حياته كالقارب المربوط للمرساة، كادِحا وعاملا، في سبيل تأمين لقمة العيش لأبنائه.
لكنَّه اليوم ورغم مرور إسبوعين كاملين على دخوله المستشفى، لم يُطلَّ عليه أحد من أبنائه، أو حتَّى يسأل عنه، اللهم إلاَّ عِبر اتصال سريع، أو رسالة واتساب مُملَّة.
وهذان الشَّابان، تلتقي عيناه بعينيهما، فيشاهد الشفقة والرحمة، كلَّما اختلس نظرة لأبيهما، زميله في الغرفة، يكاد زوُّاره لا ينقطعون صباحا ومساء.
دخلت ممرَّضة، ابتسمت له، وأعطته حبَّة الدواءَ، فتناولها بمرَارة مُضاعفة…
– متى يمكنني الرجوع للبيت يا ابنتي؟
ردَّت وهي تناوله كوب الماء:
– حتّى يأذن الطبيب.
قال بانزعاج:
– لكّنني مللت يا ابنتي.. مللت.
هزّت يدها في تسليم:
– ما باليد حيلة يا أبي.
وخرجت، فعاد واستلقى على سريره، ووضع ذراعه على وجهه، مُخفيا عينيه، مستنجدا بالنوم، محاولا الهرب تحت وطأة إحسَاسه بظلم أقرب الناس إليه.
وغفت عيناه، حين وصل سمعَه صوت مُحبَّب إليه، جعله يلتفت بلهفة، ليفاجأ برؤية ولديه وبناته الثلاث.
قال وقد ردَّت إليه روحه:
– أخيرا تلطَّفتم بزيارتي.
ابتسم أكبرهم وقال:
– مشاغِلُنا كثيرة ونلتمس منك العذر.
أحَاطوا به في مشهد أعاد له الثقة بنفسه والرغبة في الحياة، حين دخلت ممرِّضة أخرى، ابتسمت للجميع، وأمسكت براحة يده، وراحت تبحث عن مكان في ظهر كفِّه الذي تحوَّل لجلد قنفذ لكثرة ما غُرز فيه من إبر.
وغرزت الإبرة، فتأوَّه، وتلفَّت فزعا، وأدار عينيه في المكان، وسأل بصوت مرتعش:
– أين هم؟
ردَّت المُمرِضة:
– مَن هم؟
– أبنائي.. أين ذهبوا؟ كانوا هنا منذ لحظات!.
بان عليها الارتباك، فابتسمت مشجّعة، ومضت، فأحسَّ بكآبة لا تطاق، وسارع فتلحَّف بفِراشه، وأدار ظهره للشَّابين، خجلا من حزنه ودموعه.

اقرأ المزيد

لعبة نيوتن

حين تنبعث كلمة صادقة من فم محبّ يرتد أثرها على المتلقي بحسب حميمية نبرتها لديه ومكانتها في قلبه. ألا يشبه هذا التصور الرومانتيكي «قانون نيوتن» الثالث في الحركة؟ الذي يشير إلى أن لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الإتجاه..

يجد هذا القانون تفسيرات منطقية للطائرات في الفضاء، والألعاب النارية في الهواء.. ففي الهواء والفضاء لا توجد «أرض ثابتة» تنطلق فوقها أو تتمسك بها فتطلق نفاثات من ورائها كي تنطلق للأمام برد فعل معاكس. صحيح أنها «نظرية فيزيائية» وخاصة بحركة المادة؛ ولكن بإمكاننا تطبيقها على العلاقات الاجتماعية. إذْ يمكن ملاحظة نتائج هذا القانون حتى في تربية الناشئة، حيث ينسل من بين فظاعة الشدّة والقسوة ردود فعل عكسية ماثلة على شخصية الطفل حين يستقل بذاته وحين يمعن أحدهم في العطاء وهو يستذكر فصول حرمانه!

في النهاية نحن بشر وتشكيلنا الجوانيّ يحمل الكثير من المتناقضات والمفارقات العجيبة، لسنا عملية حسابية محكمة أو طائرة بوينغ.. فنحن نملك إرادة تلقائية يمكنها التأثير على «قانون نيوتن» وتخلق حالات استثنائية يثبت فيها البعض على مواقفهم رغم ردود تواتر الأفعال داخلهم.. غير أن «قانون نيوتن» خارق جداً لدرجة أن الأغلبية تتراجع وتعود لسابق عهدها في رد فعل معاكس!

أحدث مسلسل «لعبة نيوتن» تبايناً فارقاً في التلقي، ومنذ حلقاته الأولى يمكن أن تستشعر بمزاجه المختلف وبخصوصية تعلن عن نفسها من دون أن يستنبط المشاهد سياقاً أو نهاية. تتقمص الممثلة المصرية منى زكي دور المرأة الخاضعة التى لا تملك قوة فاعلة تؤهلها للانتصار في صراعات الحياة، أو ربما هذا ما تتخيله هي ونتخيله نحن كمشاهدين؟

أمام علاقة تقليدية يطغى عليها الرجل الذى يشعر بالمسؤولية المطلقة تجاه كل جوانب الحياة وانعدام الثقة في حسن تصرف الزوجة وكياستها، وبالتالي تسعى لانتهاز الفرص لتبرهن لمن حولها أنها جديرة بالثقة، وفي ظل ذلك يخططان لولادة طفلهما الأول في أمريكا طمعاً في حصوله الجنسية، ولكن المغامرة تتعقد وتأخذهما إلى مواطن لم تكن في الحسبان، خاصة بعد سفر «هنا» إلى أمريكا منفردة بعد فشل محاولات. شكل التوتر سمة افتتاحية لاهثة جعلتنا نتابع بشغف الرحلة الغامضة. ثمة عمق زمني في التصوير لكل مشهد نعيشه مع «هنا» منى زكي في نيويورك، حيث تعود للزمن الماضي للقاهرة في نفس اللحظة لاستقرائه بناءً على المعلومة الحديثة التي قدمها السيناريو.

الغربة والشتات يخبرانها أنها تملك الكثير وبأن الإنسان عند المواجهة الحاسمة يتفاجئ بقوة كامنة لم يكن يتصور بأنه يمتلكها. تتوالى الأحداث في كل مشهد وفق ميزان ذهبي شديد الحساسية؛ لا يتحمل إيحاء بل قصد ولا تلعثم بلا حشرجة أو نظرة بلا هدف، وهكذا تنسجم الدراما بكل أبعادها البصرية والمسموعة.

يأخذنا السرد بين الماضي القريب والحاضر للتعرف على تفاصيل الإنجاب الصعبة التى واجهت الزوجين، مع الحفاظ على زيادة التعقيد بدخول تفاصيل وشخصيات جديدة إلى السياق، سواء مع حازم فى مصر مثل بدر «سيد رجب» و«أمينة» عائشة بن أحمد، أو في أمريكا مثل مؤنس «محمد فراج» وزوجته سارة. لنجد أنفسنا أمام معالجة مبتكرة وذكية ذات عمق اجتماعي عبر مجموعة من الشخصيات المرسومة بمهارة شديدة، وبسرد يغلفه التشويق والتوتر والتلاعب بالخطوط الزمنية كعوامل جذب رئيسية، وهى العوامل نفسها التى ستتحول لهدف محوري لاحقاً.

اتخذ المسلسل محاور صادمة عقب ولادة هنا، ومنها قرارها المتسرع بالزواج من «مؤنس» المتشبث بأهداب الدين والذي يرتدي الساعة فى اليد اليمنى مخالفةً لليهود، ولكنه فى الوقت نفسه لا يتورع عن الكذب والخداع والانسياق لمآربه الشخصية. اعترف «مؤنس» بحبه لـ «هنا» بعد أيام قليلة قضتها في ضيافته بعد مواجهة انفعالية بينهما، تلاها تطليق حازم لـ«هنا» وتهديده لها والتشكيك في شرفها وبحثه عن حبّ جديد مع أمينة، وهي أحداث حافظت مجملاً على عنصر التشويق؛ حيث يبنى الصراع بين الزوجين على سوء فهم كل منهما للآخر والمبالغة فى رد فعله رغم عمق الحب بينهما وكأن المسألة لا تعدو كونها شجاراً طفولياً بين عاشقين، وهو ما رصده المسلسل في رحلة تحولهما بعد عودة هنا إلى القاهرة بعد زواجها من مؤنس مرتدية الحجاب تتلمس اهتمامها بالمادّة فيما يتحوّل حازم بشكل عشوائي ويتجاوز حادثة قتل شاهين ولا يبقى معه منها سوى الرنين الصوتي لصوت النحل، حيث جعل النحل يتسبب فى موت شاهين، ويتجاوز أزمته الأخلاقية فى إنتاج العسل بالأفيون بل إنه يتجاوز علاقته الدافئة بابنه الذىي انتظره لسنوات وهو الذي يمثل دوره لمحور الارتكازي الذي تتقاطع عنده جميع خيوط اللعبة.

تفاصيل العناصر الإخراجية كانت جلية في التمثيل وإدارة الممثلين ليخرجوا أفضل ما يملكون من مهارات في الأداء بحسب تغيّر الموقف وموقعه العاطفي لتوظيفها بأقصى حد. هذا لا ينفي ضعف بعض الخطوط، إذ لم تنلْ «سارة» زوجة «هنا» بمساحة تمثيلية أكبر باعتبارها حلقة مهمة في «اللعبة». كما لا يُبرر كيفية إرسال «حازم» رسالة صوتية يُطلق فيها «هنا» ثم يدّعي بأنه لم يستطع حذفها، رغم أن هذا متاح بكب بأسرع بديهية إلكترونية؟ كيف يتورّط في جريمة قتل ولا يحدث إثرها أي تتبع جدي من السلطات الجنائية؟ كيف تُعالج عقدة القتيل بكل خفة؟

على الرغم من الهشاشة في هذه المواضع لكن المسلسل، يمثل خروجًا على التقليدية تحليقاً نحو الابتكار على مستوى البناء المركب، والأسلوب السردي ورسم الشخصيات وغيرها من الأسباب التى تؤكد أنه عمل مهم وجدير بالاستيقاف. إذْ شكّل المسلسل بناء درامي مركب متعدد الطبقات وحبكة مثيرة تنمْ رؤية إخراجية واعية لتامر محسن أكد فيها على قدرات إبداعية وهوية خاصة. ويبدو أن كون تامر محسن شارك في تأليف المسلسل جعله يكمل تلوين الصورة الذهنية للأحداث على الشاشة بشكل يحقق هدفه ورسالته وحلمه كما تمنى.. لا كلوحة باهتة بل أشبه بصورة فوتوغرافية حقيقية!

اقرأ المزيد

في ذكرى نكبة فلسطين الجمعيات السياسية في البحرين تحي باعتزاز انتفاضة الأقصى وتطالب بإلغاء اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني

في مثل هذه الأيام قبل ثلاثة وسبعين عاماً شرعت القوى الاستعمارية في تنفيذ جريمتها الكبرى على أرض فلسطين، حين قدّمت الضوء الأخضر للعصابات الصهيونية للمضي في تنفيذ مشروعها الإجرامي باغتصاب الأرض الفلسطينية من أهلها، وتشريده إلى بقاع الدنيا وإحلال المهاجرين الصهاينة في المدن والقرى الفلسطينية، ناهيك عما ارتكبته هذه العصابات من مجازر وسفك لدماء الفلسطينيين، وسط عجز وخذلان الأنظمة العربية وتواطؤ البعض الآخر منها، مما هيأ للنكبة أسبابها، وأتاح للمشروع الصهيوني التمدد والتغول، حيث أمعن في احتلال أراض عربية أخرى غير فلسطين وضمها إلى الكيان المحتل.

واليوم إذ تمر هذه الذكرى الأليمة، فإن مشهد الصراع الفلسطيني الصهيوني يتكرر وببشاعة أكبر في ساحات الأقصى والحرم المقدس وحي الشيخ جراح ومدينة القدس، وفي غزة ورام الله وكافة المدن الفلسطينية، حيث تقوم قوات الاحتلال ومعها قطعان المستوطنين باستباحة حرم الأقصى والاعتداء على المصلين الآمنين مما تسبب في سقوط العشرات من الشهداء والمئات من الجرحى، علاوة على ارتكاب جرائم التطهير العرقي من خلال التهجير القسري وإخلاء 28 منزلاً يقطنها 500 مواطن فلسطيني في حي الشيخ جراح في مدينة القدس المحتلة تمهيداً لإقامة وحدات استيطانية صهيونية. في الوقت نفسه يقوم الطيران الحربي الصهيوني بارتكاب المجازر الدموية في غزة وتدمير المنازل على الأطفال والنساء والشيوخ مما أسقط المئات من الشهداء والضحايا بحجة الرد على قيام المقاومة بقصف المدن المحتلة بالصواريخ نصرة لانتفاضة أبناء الأقصى وانتقاما من جرائم الاحتلال ضدهم.

إن الجمعيات السياسية إذ تحي باعتزاز البطولات الملحمية والصمود الأسطوري لأبناء القدس الشريف وحي الشيخ جراح ضد جرائم الاحتلال، كذلك المقاومة الباسلة لأبناء غزة وكافة المدن الفلسطينية، كما تحي الانتفاضة الشعبية الواسعة في القدس الشريف والتي تظهر بجلاء الطاقات النضالية العظيمة التي يختزنها الشعب الفلسطيني، فإنها ترى إن هذه المقاومة الشعبية هي السبيل الوحيد لدحر الاحتلال الصهيوني واستعادة الحقوق الوطنية المغتصبة.

إن هذه الانتفاضة الباسلة توجه رسالة واضحة إلى الكيان المحتل وقواها العسكرية والأمنية ومستوطنيها، بأن مدينة القدس بحواضرها الشريفة تُختصر قضية فلسطين بكل ابعادها الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية. فهي ليست عاصمة أبدية للشعب الفلسطيني فحسب، بل هي أيضاً أرض الإسراء والمعراج وحق أهلها بها غير قابل للتصرف وغير قابل للتفاوض على قسمتها. وإن محاولات الصهاينة اقتحام الأقصى ستسقطها قبضات المقاومين الذين يتصدون للعدو ويضعون الدفاع عن الأقصى بعتباته وحرمه وبواباته على مستوى الحياة أو الموت.

كما توجه هذه الانتفاضة الباسلة رسالة للأنظمة العربية المطبعة مع الكيان، الذي هو قائم أولاً وأخيراً على الاحتلال القسري لأراضي عربية، وقائم على البطش والعدوان، وعلى الفصل العنصري، وهو بذلك كيان عنصري دخيل على المسار الإنساني للأمم ولا يمتلك أي مقومات كيان الدولة التي يمكن التطبيع معها بأي شكل من الأشكال. بل إن هذه الكيان الغاصب هدفه أن يتخذ من اتفاقيات التطبيع ستاراً لتكريس نهج الاحتلال وتهويد الأراض المغتصبة واغتصاب كامل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ورسالتها الثالثة التي توجهها الانتفاضة هي إلى قوى الثورة الفلسطينية بأنه آن الأوان للخروج من دوامة الصراع على السلطة، والارتقاء بالعلاقات الوطنية الفلسطينية إلى مستوى التحدي المصيري الذي تخوضه الجماهير الفلسطينية ضد العدو الذي أطلق العنان لمستوطنيه للاعتداء على المصلين الذين يأمون الأقصى للتعبد في شهر رمضان المبارك.
والرسالة الرابعة توجهها إلى المجتمع الدولي الذي بصمته وتغاضيه عن جرائم العدو الصهيوني بات يشكل غطاء دولياً لهذه الجرائم، بل إن الولايات المتحدة ودول الغرب راحت تتبجح بحق هذا العدو في الدفاع عن نفسه والتزامها بتوفير أمنه، وهي بذلك تسير على خطى استكمال اتفاقية صفقة القرن المشؤمة التي أطلقها الرئيس ترامب، لكن بات يتواصل تنفيذها في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة برغم دعاويها الزائفة عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.

إن الجمعيات السياسية في البحرين وإزاء استشعارها بمسئولياتها الوطنية والقومية، وانسجاما مع تاريخنا المليء بالمواقف المشرفة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة، وتعبيراً عن المواقف الشعبية العريضة لأبناء البحرين، تجدد في هذه المناسبة مواقفها المبدئية التي لا تنازل عنها في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في تحرير كامل أرضه المغتصبة، وفي الدفاع عن مقدساته وعن حقوقه التاريخية، وتدعو كافة القوى والجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية للتعبير عن تضامنها مع الحقوق الفلسطينية بشتى الوسائل السلمية، خاصة رفض ومناهضة كافة أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني وتقديم كافة أشكال الدعم المعنوي والمادي لصمود الشعب الفلسطيني.

كما تحي الجمعيات السياسية باعتزاز المواقف الأصيلة لشعب البحرين، والذي سيظل متماسكا وصلبا في دعمه ومناصرته للقضية الفلسطينية، واعتباره إياها قضية العرب الأولى، وكذلك لمواقفه المشرفة من رفض كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو الموقف الذي جرى التعبير عنه بكل وضوح في أكثر من مناسبة والمنسجم مع مواقف كافة الشعوب العربية والإسلامية والقوى المحبة للسلام.

كما تطالب الجمعيات السياسية في هذه المناسبة الحكومة إلى إلغاء كافة اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني وسحب السفير البحريني المعين في الكيان المحتل وطرد القائم بالأعمال الصهيوني في مملكة البحرين وكذلك وقف الرحلات الجوية والزيارات بكافة أشكالها، وإعادة فتح مكتب مقاطعة الكيان المحتل.

كما تدعو كافة الأنظمة العربية المطبعة مع الكيان لاتخاذ نفس الخطوات، وتطالب النظام العربي الرسمي باتخاذ مواقف عملية جادة إلى جانب الحق الفلسطيني بعيداً عن البيانات الرسمية المتكررة والفارغة. إن الموقف العربي الرسمي يجب أن يتجاوز الاجتماعات وبيانات الشجب والادانة التي باتت تمثل في مجملها تخاذلا وتراجعا عن الالتزام بقضية العرب الأولى. إن الشعب الفلسطيني بحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى دعم صموده ومقاومته، وليس الضغط عليه ودعوته للانصياع لشروط العدو الصهيوني في تكريس التسويات المهينة.

إن الجمعيات السياسية في البحرين إذ تحي بكل إكبار نضالات وتضحيات وانتفاضات الشعب الفلسطيني وانتفاضاته المجيدة في القدس والمدن المحتلة وتطالب بأوسع تضامن معها، تجدد استنكارها لمجازر الاحتلال الإجرامية في مدن القدس وغزة وغيرها من المدن، وتدعو أبناء شعبنا في البحرين وفي أقطار الوطن العربي والإسلامي والقوى المحبة للسلام إلى أوسع رفض واستنكار لهذه المجازر والتضامن بكافة الأشكال مع الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني. كما تدعو جميع الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري بمحاسبة الكيان المحتل على جرائمها العنصرية والتدخل لوقف هذه الجرائم والانتهاكات. كذلك تدعو المجتمع الدولي إلى فرض الحصار الاقتصادي على الكيان الصهيوني نظير هذه الجرائم.

الجمعيات السياسية الموقعة على البيان:
التجمع القومى الديمقراطي​​
المنبر التقدمي​​​​
المنبر الوطني الإسلامي
تجمع الوحدة الوطنية​​​
الوسط العربي الإسلامي ​​​
الصف الإسلامي
التجمع الوطني الدستوري​​
التجمع الوطني الديمقراطي الوحدوي

17 مايو 2021

اقرأ المزيد

التقدمي يدين الانتهاكات الإسرائلية ويجدد رفض شعب البحرين التطبيع مع الكيان الصهيوني

استنكر المنبر التقدمي بشدة الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، مضيفاً أن ما يحدث الآن من خطط توسع استيطانية في القدس والأراضي العربية المحتلة على مرأى ومسمع من كل العالم لهو وصمة عار في جبين النظام العالمي بشكل عام والدول العظمى بشكل خاص.

ودعا التقدمي إلى وضع حد للانتهاكات العنيفة اللاإنسانية التي ترتكبها قوات الاحتلال بسياساتها الاستعمارية والعنصرية الفجة، وإلى وقف فوري لاقتحامات القوات الإسرائيلية باحات المسجد الأقصى، ولما تقوم به من صدامات عنصرية دامية في حي الشيخ جرّاح وباب العمود في القدس لإجلاء السكان الفلسطينيين من مساكنهم وممتلكاتهم عنوة في إطار ما يخطط له الاحتلال في الفترة المقبلة للقدس والمسجد الأقصى .

إننا انطلاقاً من واجب التضامن الكامل والدائم مع فلسطين وشعبها الشقيق، ندعو إلى مواقف عربية ودولية حازمة لهذا التحدي الإسرائيلي السافر لمشاعر العرب والمسلمين في العالم، وللحقوق الفلسطينية الثابتة، وكل ما يتنافى مع أبسط قواعد حقوق الإنسان، ويؤكد التقدمي بأن شعب البحرين كان ولازال وسيبقى داعماً للشعب الفلسطيني، ومواقفه ثابتة ومبدئية من قضية هذا الشعب العادلة، والرافضة للإرهاب الإسرائيلي، ولكل السياسات والتوجهات الرامية إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني .
المنبر التقدمي – البحرين
9 مايو 2021

اقرأ المزيد

المنبر التقدمي في بيان بمناسبة عيد العمال العالمي 2021 رفض المساس بحقوق العمال والمتقاعدين وملف التأمينات يجب أن يكون في صدارة الأولويات مطلوب التصدي الأمين والمدروس لملف البطالة والحقوق والقضايا العمالية

يهنئ المنبر التقدمي عبر قطاع النقابات العمالية والمهنية عمال البحرين والعالم أجمع بذكرى عيد العمال العالمي الذي يحل علينا مرة أخرى في ظل جائحة كورونا وأوضاع العمال حول العالم التي ذهبت بنا من سوء إلى أسوأ خلال عام من الجائحة، وجعلت العمال في البحرين وفي العالم يدفعون ضريبة تدهور الوضع الاقتصادي مما أدى إلى تسريحات من الأعمال وفرض ضغوطاً شتى على العمال تفاقمت مع عدم وضوح الرؤية ذات المضامين التي تأخذ في أولوياتها ضمان الاستقرار والأمن الاقتصادي والاجتماعي لحياة القطاع العريض من العمال والأسر البحرينية، لاسيما في ظل ما فرض علينا من اشتراطات من جانب البنك وصندوق النقد الدوليين وهو الأمر الذي سلب ما تحقق من مكاسب للفقراء والكادحين والمساس بمستوى معيشتهم جراء ما فرض من ضرائب ورسوم أثقلت كاهل العمال والطبقة المتوسطة.

وفي هذه المناسبة لابد أن نشير إلى ملف التأمينات الاجتماعية، الذي لازال ملتهباً ولا تزال كل التحذيرات التي أطلقناها خلال عقدين من الزمن مستمرة. وما وصلت إليه لجنة التحقيق البرلمانية من نتائج ما هي إلا برهان آخر يعزز ما ذهبنا إليه، وكان من الواجب على الحكومة الأخذ بتوصيات لجنة التحقيق البرلمانية التي لم يؤخذ بما خرجت إليه من نتائج بدليل التعديلات الحكومية الأخيرة على قانون التأمينات الاجتماعية وهي مع الأسف غير منصفة وظالمة للأغلبية الشاسعة من العمال والمتقاعدين وتتجاهل العديد من أسباب العجز مثل الرواتب التقاعدية العالية للوزراء وكبار المسئولين وإضافة الالتزامات المالية لتقاعد النواب إلى التأمينات الاجتماعية دون تمويله إضافة إلى سوء الإدارة وارتفاع المصاريف الادارية وعدم وجود رؤية استراتيجية واضحة لاستثمارات هيئة التقاعد بما ينهض بواقع الهيئة في مختلف الجوانب.

وعليه نشدد وننبه الجميع أن هذا الملف لم ينتهي وإن طال أمده وأن على الجميع أفراداً وجمعيات ونقابات واتحادات نقابية مسئولية كبيرة في مواصلة الضغط بهدف المحافظة على المكتسبات العمالية والوصول إلى حلول عادلة وأكثر فاعلية لإخراج التأمينات الاجتماعية من وضعها الراهن، ومن نفق العجز الاكتواري المظلم. داعين الجميع إلى تكثيف الضغط على مجلس النواب لوضع ملف التأمينات الاجتماعية في صدارة الاهتمام الجدي والرفض الحازم للمشاريع التي تنتقص من الحقوق والمزايا التقاعدية لعمال.

ومن جهة أخرى ندعو كل الأطراف المعنية إلى الالتفات إلى قطاع العمالة الغير منظمة والتي تتنامى وتقدر بربع العمالة الوطنية والعاملة في المهن والحرف والمشاريع المنزلية والمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، وهؤلاء غير مسجلين في التأمينات الاجتماعية مما ينذر بكارثة مستقبلية لعدم توفر الأمان الاجتماعي مما سيؤدي إلى أعباء مستقبلية كبيرة على الحكومة والمجتمع، ومن الأجدى البدأ بحوار اجتماعي يهدف لحماية هذه الفئة من الفقر والعوز، مجددين التأكيد بأن التأمين الاجتماعي هو أحد أهم مقومات السلم المجتمعي وهو ما لا يمكن التنازل عنه بأي حال من الأحوال.

كما نجدد دعوتنا إلى مراجعة سياسات العمل بشكل شامل، فبعد عقدين من مشروع إصلاح سوق العمل تدهورت أحوال العمالة الوطنية وعرّت الجائحة بشكل فاضح النتائج العشوائية للقرارات والسياسات ذات الصلة بسوق العمل، خاصة من خلال تصريح العمل المرن، والبحرنة الموازية التي ألغت فعليا كل التزام للبحرنة، قابله سوء إدارة وزارة العمل لملف العاطلين مما نتج عنه انخفاض مروع لنسبة العمالة الوطنية في سوق العمل وارتفاع كبير لأعداد العاطلين عن العمل وزج بأعداد كبيرة للتقاعد المبكر، مما ساهم في إثقال كاهل التأمينات الاجتماعية وإحداث اختلال مجتمعي اقتصادي كبير.

إننا نطالب كل المعنين وعلى رأسهم وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، والاتحادات النقابية إلى وضع هذا الملف في صدارة الأولويات والعمل على مراجعة أمينة وشفافة للوضع الراهن لسوق العمل بما يدفع إلى رسم التوجهات المستقبلية الهادفة إلى تعديل الوضع المعوج وتقديم مصلحة العمالة الوطنية وجعلها فوق كل الاعتبارات.

إن عالم أسواق العمل اليوم تتغير بسرعة كبيرة خاصة في ضوء الجائحة التي ساهمت في تسريع وتيرة تحولات عديدة فرضت تعاملات ومفاهيم جديدة، بالإضافة إلى سلبيات ألقت بضلالها الثقيلة على وضع العمال والموظفين، لا سيما في ضوء التحول المتنامي للشركات والمؤسسات المالية وغيرها من مؤسسات الأعمال نحو الرقمنة والمستجدات والتحولات الغير مسبوقة مع المفاهيم والمتطلبات الجديدة التي يشهدها العالم اليوم.

هذا التوجه العالمي وبالتبعية محلياً خطير جداً، سوف يخلق عشرات المشكلات الاقتصادية والقانونية والتنظيمية التي ينبغي التوقف عندها ودراستها بعمق، خاصة في ظل التشوهات الحاصلة حالياً في سوق العمل البحريني والذي لازال وللأسف ليس في صالح العمالة البحرينية، وهو الأمر الذي يتطلب مراجعات جدية على قانون العمل والسياسات والتوجهات ذات الصلة بسوق العمل والوضع الاقتصادي.

يدعونا ما ذكرناه أعلاه لتوقع ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل خلال هذا العام والأعوام القادمة ويدعم ذلك ما خرجت به بعض الدراسات والتوقعات من ارتفاع نسبة البطالة في صفوف أبناء البحرين وهي قضية شائكة مجتمعياً ويعاني منها كل بيت في البحرين وبحاجة إلى تصدي أمين يعالج الأسباب بدلاً من تقديم الحلول الترقيعية، وهذا ما لن يتحقق برأينا دون المراجعة الشاملة لسياسيات العمل.

ندعو كل الجهات الرسمية المعنية إلى الشفافية والمطلوبة حيال هذا الملف والتعامل بدقة مع الأرقام لا سيما من خلال احتساب نسبة البطالة بمقارنة العاطلين عن العمل المسجلين لديها فقط نسبة إلى مجموع القوى العاملة واستثناء الآلاف من قوائم العاطلين من خلال التلاعب في الاجراءات وإعطائهم فرص عمل غير مناسبة لارغامهم على رفضها، والعمل بشفافية وجدية لتحسين وضع العاطلين عن العمل وتوفير وظائف مناسبة لهم.

على الرغم من التحديات الكبيرة والمصاعب التي تواجه الحركة العمالية والهجمة الشرسة على الحقوق العمالية، فإننا نلمس وللأسف تنامي الضعف في البناء النقابي وتدهور تنظيمي وتفكك مؤسف للحركة النقابية وغياب للموقف الجاد من الحقوق النقابية والعمالية لمن يتصدر المشهد النقابي وانشغالهم بالمشاكل الداخلية دون تحرك جاد لحلها، وهذا وضع علينا جميعاً مسئولية معالجته بأسرع ما يمكن في سبيل النهوض الفعلي للحركة العمالية والنقابية.

ويؤشر على ذلك عشرات طلبات الدعم والمساندة من العمال التي تستلمها “كتلة تقدّم” والتي نحييها بهذه المناسبة على دورها في الدفاع عن العمال وقضاياهم سواء بالدعم المباشر أو من خلال مشاريع القوانين المقدمة لمجلس النواب ومواقفهم جميعها المنحازة لمصالح العمال، يؤشر هذا إلى غياب دور النقابات والاتحادات العمالية التي يتوجب تمكينها من أخذ الدور المطلوب في التصدي للقضايا العمالية.

ختاماً؛ يؤسفنا مجدداً أن نحتفي بعيد العمال العالمي عن بعد هذا العام أيضاً، كما نستذكر ونحيي المناضلين العمالين الباقين والراحلين ونعدهم بمواصلة الدرب على مسارهم حتى تحقيق عالم أفضل للكادحين.

عاش الأول من مايو عيداً لعمال البحرين والطبقة العاملة في كل أرجاء العالم، ويوماً للتضامن مع العمال وكفاح الشعوب وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني في نضاله العادل ضد الاحتلال الصهيوني، وقيام دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. مجددين رفضنا القاطع للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

المنبر التقدمي – البحرين
1 مايو 2021

اقرأ المزيد