المنشور

متاهات حيدر

النفس البشرية معقدة بما يكفي للخوض في تفاصيلها، وتفسير منعطفاتها المتعددة حتى نهاية الحياة. وتحتل هذه العقد مجمل التصرفات اليومية الناجمة عن مركبات أفكار غالباً ما تتكون في مراحل الطفولة الأولى، وحين لا تحسن رعايتها والعمل على إصلاحها مبكراً، تتمادى في الكبر، وتبدو في البناء الأساسي للشخص في تفكيره، وردود فعله، ومخزونه اللا واعي الذي يمول به الجزء الأكبر من سلوكه. لن يبدو هذا الأمر مخيفاً إذا ما فكرنا أن لدى الجميع هذه العقد التي نشأت للظروف المحيطة بالفرد، أو للحساسية الشديدة التي تجعل العقدة علامة فارقة يتصرف بناء عليها الشخص، أو أن يضمها في خزنة التناسي ليستطيع إكمال حياته، ويبدو سليماً، معافى، ويمثل صورة السوي المثالي.
يغوص عرض “حيدر”، منذ وقته الأول، في نفس بطله المسمى بعنوان النص والعرض أيضاً، “حيدر”، دون إضافة ترادفها في اللغة العربية “أسد”، في حين أن مصدر الكلمة يأتي من “حدر”، ويعني ما انحدر من الأرض. وعلى نقيض المعنيين، تبين الهيئة التي ظهر عليها الممثل إرهاقه الذهني، حيث يهذي بـ”أبي الذي.. أبي الذي”، ثم يردفها بجمل غير معلوم إن كانت موجهة إلى الأب، أم إلى الخالق، وباعتبار أن الشخصية غير سوية حين يعاتب “لماذا تركتني هنا؟ لماذا نسيتني؟ ألا يكفيك كل هذا الوجع، وكل هذا الأنين؟ لماذا اخترتني إذاً؟ أي هدف ترمي إليه؟ إذا كان دمي يكفّر عن خطايا وذنوب البشر، فقد جف دمي..”. وأياً كان الموجَّه إليه العتب، فإن هذه البداية تكشف عن شخصية مضطربة، مرتبكة، تتعالج في مستشفى لهذه الحالات، فلا يطول المقام في التمهيد كثيراً بين نثر بصوت مؤدَّى بطريقة تمثيلية لـ”جمانة القصاب”، جاء مثل الراوي الشارح للحدث، والمعبر عن مكنون النفس، بغير تداخل مادي على الخشبة مع باقي الممثلين، مع موسيقى حية مشحونة بالشجن المرتبط بالعاطفة وتداعياتها لآلة التشيلو، مع العازف “حامد سيف”، وقد جاء هذان العنصران إضافة مهمة وحيوية للعرض في مصاحبة الممثل طوال الوقت، والدخول في الأداء، دون مبالغة، وبدقة هائلة تحسب للمخرج وللعمل.
وحين تتردد سيرة الأب بين حيدر وطبيبه والممرضة، تستدعي الذاكرة -تلقائياً- عقدة الأب، التي تنحو صوب الاعتمادية الكلية على الأب، وعلى طريقة إدارة حياة أسرته في القسوة والعنف، الأمر الذي يترك أثره بلا شك في أولاده، وقد عبر عنها الممثل في وصف أبيه بأنه “كان طويل الساقين والذراعين، ولم أكن أعرف أنه يملك وجهاً..” في معرض نقاشه مع الطبيب الذي لا يبدو هو الآخر خالياً من ذات العقدة، ولكن بقدر أخف من “حيدر”، أو ربما قال جملته “كنت أمسك يد أبي حينما أسقط في المستنقع وراء البستان.. كانت هذه اللمسة الوحيدة”، وقد تكون جملة تخفف عن عبء مريضه، وتحفزه لمزيد من الحديث عن ذاته، وبالتالي علاجها، لكنها لا تخلو من إشارة إلى قسوة متباينة بين أب وآخر، تضع آثارها على حياة ابنيهما؛ حيدر والطبيب، في جودة الحياة التي يمر وقتها بناء على ما حصل للفرد في ماضيه رغماً عن إرادته، وبين ما يختاره حتى تلتئم جروحه سريعاً، فيمر على محطات التوجه الديني، أو نقيضه الفكري، أو الخلط بينهما بتطرف، أو حتى كتابة “مقال عن المحرمات”، عن أشياء لا يفهمها، ولكنه يضطهد من قبل الجميع لأسباب لم يفهمها! عدا العنف الجسدي الذي يبدو أنه أخذ من ذاكرة الممثل الحسية جزءاً لا يستهان به، انعكس على مجمل تصرفاته المرتبكة في أن يخاف الأذية الجسدية والضرب من قبل أي أحد، وبلا سبب، متقمصاً شخصية المهزوز، عديم الثقة بنفسه وبالآخرين أيضاً.
لكن، هل كان حيدر يعاني من عقدة الأب فقط؟ إن بعض الإشارات التي ذهب إليها العرض هي ملامح لعقدة الأم أيضاً، والتي تحيل إلى عقدة أوديب الشهيرة، والمتعلقة بالابن تجاه أبيه، بسبب القيود التي يفرضها الأب على الطفل الذكر؛ من أن يستحوذ الابن على أمه بالكامل، ويستبعد الطفل أباه -لا شعورياً- من مشاركته في حب أمه. تبيّن هذا في أكثر من ملمح، منها ما جاء على لسان البطل، حين وصف والده بأنه كان يكره أمه، ويستمتع في التحكم بها، وازداد هذه الكره حينما ولدت حيدر، ورآه والده في مرة وهو يرضع من ثدي أمه، فرغب في قطع الثدي بشدة! لأنه شعر أنها تحررت، ولم تعد تكترث. ويكبر حيدر ليدرك أن “خط سيره عفن؛ ذلك أن الأطفال لا يكبرون دون أمهاتهم” كما تردد الراوية.
وانعكس كذلك على تجاربه مع الأنثى في حياته “المرأة ضرورية”، كما يردد، ونرى تجاربه في تلك الفتاة المعجب بها، والتي واعدته بلطف المحبين، وأثناء حديثهما يلمس وجهها بالتدريج ليحتفظ بجزء من جلد وجهها تحت ظفره، حتى يكشف عن القناع الذي تتغطى به، أو تلك الجارة العجوز التي حاولت انتهاك طفولته بتحرش لم يدرك معناه بالكامل، لكن أدرك بفطرة الطفل الخائف المشوش أنه فخ للوقوع في خطأ لا يدركه، ولكنه يعي أنه أمر مشين، وعلاقته بالممرضة التي تحوطه طول الوقت، وغيرها. أما علاقته الغريبة بعمته التي أرسِل لها -قسراً- بعد وفاة أمه، فهي التي تحمل علامات الاستفهام الكبرى، إذ أظهر العرض العمّة “إيمان قمبر” -التي قامت بمجموع كل الأدوار النسائية في العرض-، وعلاقة لا تبدو سوية، من خلال نبرة الصوت، وطريقة اللمس من العمة التي تأتي في مقام ولي الأمر هنا، لابن أخيها الذي لا يتعدى الثماني سنوات، وتعنيفه حين طلبت منه تقبيلها، واستخدام الحليب لاستحمامه، في مغزى قد يؤوَّل بعيداً جداً عن العلاقة السوية الخالية من النزعة المادية النفعية بين ذكر وأنثى، دون تصريح مباشر، أو علامة أخرى تعزز هذا الرأي، مما يجعل المسألة معلقة؛ هل هي حقيقة بينة موجودة، ومرّ بها حيدر، أم أنها محض تهيؤات تتداخل فيما بينها، تدور في ذهنه، ويشركنا معه فيها؟
ولأن الحياة تخضع كل إنسان لهذه الاختبارات العصية على النسيان، والممتحنة للصبر، والوعي، والقدرة على الإدارة، يضع العرض أسئلته فيما يخص تجربة بطله؛ فيما إن تعرض أيّ “حيدر” في الحياة لتجربة مماثلة عن ماهية ردة الفعل المثالية للعيش بشكل سوي وأنيس -حتى ولو بشكل سطحي- مع باقي البشر، عن مدارة تقرحات الطفولة والكبر، والانسجام معها، أو اخفائها، أو أن تبدو كعقل حيدر المتجسد في لون ملابسه الرمادية المشتقة من الحيرة، والوقوف في منطقة النصف؛ بين الأبيض الواضح، والأسود الصريح الغامض، ومجسمه على خشبة المسرح على هيئة مخ مثقوب من كل مكان، خطوط دقيقة، لكنها كثيرة متقاربة، وتسمح بتسرب الأفكار وفضحها، حتى وإن لم يكن هذا مناسباً للإعلان أمام الآخرين.
ورغم ارتكاز الأداء التمثيلي على “حيدر” (صالح الدرازي)، في أداء لافت، ممتنع، سهل، معقد، بسيط، مريض، مرتبك، وحريص على أن يبدو مكتملاً في التعبير عن الحالة النفسية التي مرّ بها منذ الطفولة وحتى وقته، إلا أن إدخال الشخصيات الأخرى المتمثلة في الأب/ الطبيب/ مدير المستشفى وكذلك الأم/ العمة / الممرضة والحبيبة، في عبدالله السعداوي وقمبر، كانت تقنية موفقة، تمنع المونولوج الطويل الذي قد يشيع جواً من الأسى، وأيضاً لكسر حاجز السرد المتواصل للثيمة الواحدة “معاناة مريض نفسي”، وإحساسه الدائم أن الآخرين هم المرضى الذين يجب إحضارهم للمستشفى ومعالجتهم بدل أن يتم حبسه هو وتعذيبه بجلسات كهربائية لا يستحقها، وتوجسه المبرر مع كل مراحل حياته؛ في طفولته مع والدته/ النشأة، يتيم ومحروم من حنان الأم، مع قسوة غير مبررة من الأب/ العيش مع الجدة التي ذهبت بصحبة الموت سريعاً، ثم العمة التي أربكته طريقتها غير السوية، وموتها لاحقاً.
وإذا كانت التفاحة هي الرمز المألوف في الإغواء وخروج آدم من جنته، يستخدم العرض البرتقالة لسبب مقارب، ولكنه مختلف، عن أن هذه الفاكهة وسيلة إخصاء، تهدد بفناء البشرية الذين سيتبقى منهم جزء قليل سيتولاهم الله فيما بعد ليلحقهم بمن ذهبوا. واستخدمت البرتقالة أيضاً كمخايلة عن تعبير جنسي موازٍ عند حيدر، ثبتت حركته بعد أن ضبطه والده في هذا الفعل الذي يقتضي منه “التطهر” مما لا يفهمه. وقام المخرج بإلغاء السيمفونية الخامسة لبيتهوفن التي دعا لها النص المكتوب، مع أنها تعزز المعنى في الرغبة بالتحرر من القيد، ونيل حياة جديدة، كما كان للموسيقار الألماني، رغم كل الصعوبات التي واجهها في حياته؛ من قسوة الأب، وظروف عائلية عصيبة، وأمراض مستعصية في وقت لاحق، أن يفتح باباً جديداً للحياة، ويعطي الأمل لكثيرين مثل حيدر، الذي يبتهل صادقاً في آخر العرض “خذني أو كن دليلي”.

لمشاهدة العرض كاملاً:

طاقم العمل: تأليف: أمين صالح/ إخراج: محمد شاهين/ تمثيل: صالح الدرازي/عبدالله السعداوي/ إيمان قمبر/ سينوغرافيا: علي حسين/ تأليف موسيقي: حامد سيف