المنشور

هنريك غروسمان وقانون الإنهيار الرأسمالي

في دراسته (قانون التراكم والانهيار)، عمد غروسمان إلى نقد توجهين نظريين في الاقتصاد الماركسي: النظرية التناغمية (التي تتمثل بهيلفردنغ وبوخارين، إلخ) ونظرية شح- الاستهلاك (كاوتسكي، روزا لكسمبورغ، هوبسن، إلخ)، ولهذين التوجهين مصادرهما المباشرة من الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، حيث الأول يمثل امتداداً لريكاردو وساي بينما الثاني لسيسموندي.

في نقده يتوصل غروسمان إلى صيغة يجد فيها بأن قانون التراكم والانهيار هو في الحقيقة واحد، ايّ كون التراكم الرأسمالي دائماً يؤدي إلى الانهيار الرأسمالي. من الواضح بأن هذا الهمّ مشترك بالمحاولة النظرية التي تقدمت بها روزا لكسمبورغ في مؤلفها (تراكم رأس المال)، ولكن لا ينطلق غروسمان من مثل المنطلق النظري إذ محاولته تتضمن التحليل التجريدي لقانون التراكم والانهيار؛ بينما روزا لكسمبورغ افترضت حضور عوامل أخرى في إعادة الإنتاج المتوسعة (نموذجها لم ينحصر بطبقتين، وافترضت وجود مناطق لا-رأسمالية، وأدخلت التجارة الخارجية ضمن التحليل).

بمَ يتألف التحليل التجريدي هذا؟ يلبي غروسمان كل المتطلبات العلمية لتحليل إعادة الإنتاج المتوسعة: وجود طبقتين فقط، غياب التجارة الخارجية، الإنتاج والتبادل ما بين قطاعين فقط، غياب الريع الزراعي، ثبات معدل القيمة الزائدة، ثبات رأس المال المتحرك، ثبات دوران رأس المال مرة واحدة في السنة. ولأنه انطلق من نموذج باور لإعادة الإنتاج المتوسعة فإنه بالتالي أبقى على ثبات معدل التراكم ليتطور رأس المال الثابت ضعف رأس المال المتحرك، وذلك ايضاً تلبية للمتطلبات الأساسية للاقتصاد الماركسي.

يحصل بأن مع البقاء على هذه المتطلبات لا بد للتراكم أن يؤدي في لحظة من اللحظات إلى عدم القابلية على الاستمرار، وفي نموذج غروسمان يحصل ذلك بعد 34 سنة من استمرارية التراكم. وفقاً لذلك، توصل غروسمان إلى استنتاجين: الأول، لا يُمكن أن نفسر فائض- الإنتاج، وبالتالي فائض- التراكم، إلا على أساس فهم حقيقي لقانون القيمة. هذا يعني بأن الميل نحو هبوط معدل الربح يتحدد مباشرة بقانون القيمة، ومن غير هذا الفهم سنجد أنفسنا في التناقض الذي وضعت لكسمبورغ نفسها فيه ما بين نموذج التراكم وهبوط معدل الربح. ولأن هذا الميل يتحدد بقانون القيمة، فإن قضية فائض-الإنتاج تصبح، إذن، قضية التناسب ما بين القيمة الزائدة والتركيب العضوي لرأس المال من حيث يكون هبوط معدل الربح مؤشراً للانخفاض النسبي للقيمة الزائدة من حيث لم تعد بحالها قادرة على تغطية مدى تضخم التركيب العضوي.

أما الاستنتاج الثاني فهو يرتبط بفرضية غروسمان الأساسية: لما كان قانون القيمة يفرض هذه العلاقة، فإن هذا يعني بأن الانهيار الرأسمالي متضمن في التحليل التجريدي للرأسمالية.

إن الاستنتاج الأول هو صحيح لا ريب في ذلك، ولكن النزعة الخاطئة في فكر غروسمان موجودة عند الثاني. إنه أدرج الانهيار الرأسمالي، ايّ أدرج عملية انقطاع إعادة الإنتاج المتوسعة، في عملية إعادة الإنتاج المتوسعة بالتحديد كشكلها النظري المحض، أو كقدرها النظري في سبيل إثبات ثورية فكر ماركس. ولكن ثورية هذا الفكر تكمن بالتحديد في تحليل إعادة الإنتاج المتوسعة من دون انهياره إذ النظام الرأسمالي، مثل جهاز اللاوعي، لا يتخيل ابداً زواله.

على العكس من التناغميين الذين يفترضون بأن في ”أرض الواقع“ من الممكن أن يستمر معدل الربح في الهبوط بشكل مطلق، نقول بإن ذلك ممكن فقط في النظرية. إن الوقوع في ما وقع به غروسمان تعني الموازاة المباشرة ما بين مفهوم الأزمة الرأسمالية والميل نحو هبوط معدل الربح، ايّ كما لو كان هذين المفهومين مرادفان لبعضهما الآخر. بينما يصرح علم التاريخ بأن الرأسمالية لا بد أن تؤدي إلى الأزمة، ولكن هذا التصريح لا يمكن أن يتوازى مع: الرأسمالية هي هي الأزمة. إنه كما لو كان هناك من يقول: “وجود الإنسان لا بد أن ينتهي في وقت ما إذن الإنسان هو كائن ميت”، حيث مصير وظائف القلب والعقل وحركة الدم كلها هو التوقف عن الحركة. ولكن تحليل التكوين العضوي البشري لا يفترض موت هذا التكوين رغم أنه لا ينكر إمكانية موته، لا وبل يؤكد حتمية ذلك، إذ إن غرضه تحليل عمل هذا التكوين العضوي الجسماني بالتحديد، ايّ تحليل هذه الأعضاء في عملها.