المنشور

هل من الأصول بيع أصول النفط والغاز

معظم الذكور المتقاعدين أو من يقترب من حالهم، أطال الله أعمارهم، مرّ بما يسمى PSA (Prostate-Specific Antigen (PSA) Test)، أي، اختبار مستضد البروستاتا النوعي لمعرفة حال البروستاتا. الاقتصاد النفطي في منطقتنا يمر أيضا بامتحان PSA الصعب منذ العقد الأول للقرن الحالي. والاختصار هنا يعني Production Sharing Agreement (PSA)، أي، اتفاقيات المشاركة بالإنتاج. وكان التمرين العام الأول لتطبيق مثل هذه الاتفاقيات في العراق الشقيق، باعتباره الحلقة الأضعف في المنطقة، وحيث كان العراق تحت الاحتلال الأميركي رسميا منذ عام 2003، ويحكمه عمليا بول برايمر تحت مسمى رئيس الإدارة المدنية للإشراف على إعادة إعمار العراق. في ديسمبر 2006 صادق مجلس الوزراء العراقي على مسودة قانون النفط والغاز المعروضة عليه والمتضمنة عقد المشاركة بالإنتاج، ودَفَع بها إلى مجلس النواب للمصادقة. وبذلك تراجع العراق عمليا عن أحد أكبر منجزاته التحررية الوطنية بتأميم النفط في أوائل سبعينات القرن الماضي.
وقد تعرضت المنظمة الدولية للشفافية في الصناعات الاستخراجية ومنظمة الشفافية في العوائد النفطية إلى هذا النمط من عقود PSA بالنقد المرير، لما يعنيه من إجحاف بحق الدول المنتجة والمصدرة ولصالح شركات النفط العالمية. ويعود تاريخ عقود المشاركة بالإنتاج إلى ستينات القرن الماضي ابتداء من أندونيسيا (1966). لكن أندونيسيا تمكنت من تحسين شروط العقود المجحفة بعد مرور عشر سنوات، تحت تأثير عمليات تأميم شركات النفط في ليبيا التي جرت بين عامي 1971 و 1974 والعراق (1972). وبتأثير من ذلك ارتفعت مطالبات بلدان الخليج وغيرها المنتجة والمصدرة للنفط بحصة أفضل من العائدات. ولوقف العمل بعقود الامتيازات التي جعلت النفط أشبه بالملكية الخاصة للشركات الأجنبية كان أمام بلدان الخليج خياران: التأميم المباشر أو المشاركة مع الشركات الأجنبية مع شراء حصصها تدريجيا. وقد اختارت الثاني. واستمرت الشركات الأجنبية تعمل على أساس عقود خدمات. وبذلك حققت بلداننا سيطرة أكبر على مواردها الطبيعية، وجعلت سياسة الإنتاج والتصدير وفق قرارات السيادة الوطنية.
الآن يعيد التاريخ نفسه. فكما تأثرت بلداننا بوثبة التأميم التقدمية في عالم النفط، كذلك تأثرت بحركة العراق الارتدادية عن التأميم والعودة إلى الخلف بصيغة عقود المشاركة بالإنتاج PSA. وفي مملكة البحرين، كما في بلدان خليجية أخرى سميت الاتفاقيات اختصارا EPSA (Exploration And Production Sharing Agreements ) أي، عقود الاستكشاف والمشاركة في الإنتاج، وقد بدأ التحرك نحوها منذ عام 2008. وقد تمت المصادقة أخيرا على اتفاية من هذا النوع بين مملكة البحرين وشركة النفط Eni .
مقارنة سريعة لهذه الاتفاقية حتى باتفاقيات الطراز القديم من PSA ، على مثال أندونيسيا 1966، نجد أن أقسى ما في هذه العقود هو حد استرداد الكلفة للشركات. في العقود القديمة يصل أقصى هذا الحد إلى 40% من النفط المنتج. أما المادة 14 – 4 (ب) في اتفاقيتنا المقرة تتيح للشركة حق “استرداد التكلفة” في نطاق 50 – 60% من النفط المنتج، بناء على “معامل نسبي” تم تعريفه في الاتفاقية بشكل معقد، وبإيجاز على أنه نسبة الإيراد التراكمي إلى تكاليف النفط التراكمية (R factor). كما أن صادرات الشركة من حصتها من النفط لا تخضع للرسوم. وبينما حُددت حصة أندونيسيا من الربح بـ 65% والشركة 35% (تمّ تعديلها عام 1976 لتصبح حصة الحكومة 85% التي عادت فانخفضت إلى 65% مع تراجع الأوضاع السياسية للنظام في أندونيسيا)، فلدينا تتراوح حصة البحرين بين 35 و 65%، بناء على “المعامل النسبي” إياه. أي أن حصة الشركة من الربح لن تقل عموما عن 45 – 50%. ناهيك عن أن الاتفاقية لا تتضمن مقدار الريع للمملكة باعتبارها مالكة الأرض.
وإذ يجري الحديث عن ضريبة دخل تدفعها الشركة، فليس من المعروف كيف ستتحقق في ظل عدم وجود قانون للضريبة على دخل الشركات في البحرين. وفي حين حدد مدى سريان اتفاقيات أندونيسيا بعشرين عاما، فيبدو أن الاتفاقية مع شركة إيني قد تمتد إلى أبعد.
الفخ الكبير يكمن في تقدير التكلفة. فهي تشمل الرواتب والخدمات والامتيازات، المبالغ فيها عادة، للموظفين الأجانب وعائلاتهم الذين تجلبهم الشركة معها. وهذه مناسبة لتكرار ما سبق وقلناه من أن بلادنا ليست فقط بحاجة إلى قانون للحد الأدنى للأجور، بل والحد الأقصى أيضا. كما تشمل مصاريف مكاتب الشركة وموظفيها خارج البلاد ذات العلاقة بأعمالها في البحرين. ونظرا لكبر حجم الشركة العالمية فإن هذه المكاتب قد تقدم الخدمات لأعمال الشركة ليس فيما يخص البحرين وحدها. وكذلك مختلف جوانب التكلفة التي يعود تقديرها للشركة في الأساس.
وبعد إقرار لجنة الشؤون المالية والاقتصادية البرلمانية للاتفاقية “استحثت” الحكومة مجلس النواب على استعجال التصديق عليها خلال جلستين متتاليتين (وضمن جدول أعمال يشمل قضايا أخرى) تحت مبررات قرب انفضاض دورة الجلسات البرلمانية وعدم تأخير خطط كل من الحكومة والشركة والخشية من أن التأخير قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد والأجهزة والمعدات اللازمة، وكذلك للإسراع في تحقيق النتائج وجني المردود. كادت الشركة أن توصَف بالمضحي لإقدامها على مخاطرة توقيع هذه الاتفاقية حيث أن حظوظ الحصول على النفط والغاز المصاحب غير معروفة، كما أن أسعار النفط متدنية للغالية. لكن الحكومة، من الجهة الأخرى، قالت بأن التقارير الأولية للشركة إيجابية. وهذا يعني أن درجة المخاطرة قد تراجعت. أما بشأن أسعار النفط والغاز فلنا وقفة.
لنوضح الواضح بأكثر وضوحا. منذ زمن ونحن نشهد عودة أسعار النفط إلى الارتفاع. وقد اجتازت الآن حاجز السبعين دولارا للبرميل (د/ب)، ومعظم التوقعات تشير إلى صعودها صوب 100 د/ب. وباعتقادنا أن ذلك سيستمر لفترة غير منظورة لعوامل موضوعية وذاتية.
العوامل الموضوعية
بدأ العالم يشهد إقلاعا اقتصاديا، وخصوصا في الصين مما سيصعد الطلب على النفط والغاز. والقول بأن إجراءات تحسين المناخ ستؤدي سريعا إلى تراجع الوقود الأحفوري في ميزان الطاقة العالمي يبدو مبالغاً فيه بعض الشيئ. فالجدل حول صدقية دعاوى تحسين المناخ لا يزال محتدما في أميركا ذاتها ( أنظر مقالة ليزا فريدمان، نيويورك تايمز، 23 يونيو 2021). كما أن التحول عن الوقود الأحفوري لا يزال يُحمِّل كثيرا من المؤسسات الصناعية أعباء ثقيلة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الراهنة. من جانب آخر، يؤكد تقرير أوبيك (ОПЕК World Oil Outlook, 08 oct 2020) أن الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم) يمثل 72.2% من ميزان الطاقة العالمي. وسينمو الطلب على النفط والغاز والفحم والطاقة النووية والمصادر المتجددة مجتمعة، من 289.1 مليون برميل (مكافئ نفطي) يوميا عام 2019 إلى 361.3 مليون برميل مكافئ عام 2045. وسيظل النفط صاحب أكبر حصة في ميزان الطاقة، رغم أن حصته ستنخفض من 31.5% عام 2019 إلى 27.5% عام 2045، وسترتفع حصة الغاز خلال نفس الفترة من 23.1% إلى 25.3%. فبالأرقام المطلقة، قد ينمو الطلب على النفط خلال نفس الفترة من 91 مليون إلى 99.5 مليون برميل يوميا، والطلب على الغاز من 66.9 مليون الى 91.2 مليون برميل مكافئ يوميا.
العوامل الذاتية
دعونا نراها من زاوية السياسة المالية-الاقتصادية الأميركية (العالمية). أعتقد إلى حد بعيد بصحة الرأي القائل أن ما استحث الرئيس بايدن لتعجيل لقائه بنظيره الرئيس بوتين هو، مهما بدا ذلك غريبا، جموح التضخم النقدي في الولايات المتحدة الذي بدا غير قابل للتحكم بعد أن وصل إلى 5%، بسبب الإصدار النقدي المنفلت. بايدن يريد أن يقنع بوتين بأن لدى بلديهما مصلحة مشتركة في ارتفاع أسعار النفط والغاز لأمد طويل. وهذا بالطبع بالضد من مصلحة أوروبا والصين. لكن ذلك سيسمح للمصارف الأميركية والأنجلوسكسونية بشكل عام بكسب المال والسيطرة على عملية تراجع الدولار وإبطائها. كما يرغب الأميركيون بتسوية تحول دون تحوُّل تجارة النفط إلى اليورو للحفاظ على دور ومكانة الدولار في التجارة الدولية. وبهذا تستطيع أميركا تصدير التضخم إلى أوروبا وتحميلها قسطا من تكاليف الفترة الانتقالية.
قراءة لهذه وغيرها من العوامل الموضوعية والذاتية برأسٍ صاحٍ يجب أن تجعلنا نعيد الحسابات في كثير من الأمور للإمساك بالفرص التي يتيحها المناخ الاقتصادي العالمي الراهن على كل عِلاَّته، بدلا من تخويف الذات وإعطاء الشركات الأجنبية ما لا تستحق.
وأخيرا، نقطة تتعلق بجوهر التفكير الاقتصادي السائد لدينا. هذه الاتفاقية وغيرها من المشاريع الاقتصادية تبدأ من حساب الكلفة وتنتهي بحساب المردود المالي الذي ما أسهل أن يجد قنوات تصريفه في أوجه ليست اقتصادية وتنموية عموما. ولفرط الأسى، هذا هو أحد أهم أسرار تسارع تنامي الدين العام، الذي يقلب الأمان سقام. بعيدا عن السياسة، والود من عدمه، لننظر إلى الاتفاقيات الاستراتيجية الكبرى التي تبرمها بلدان عديدة مع جمهورية الصين الشعبية. ليس سرا أن الصين تحصل بموجبها على مواد الطاقة بأسعار قد تكون متهاودة كثيرا عن الأسعار العالمية. على أن المردود بالنسبة لأطراف الشراكة الآخرين ليس المالي هنا، بل برامج الاستثمارات الشاملة التي تبدأ من البنية التحتية وتنتهي بالتكنولوجيات المتقدمة، وبينهما برامج التنمية الصناعية والزراعية والصحية والتعليمية والخدماتية الأخرى والثقافية والبيئية وبناء القاعدة العلمية – التقنية والكادر الوطني المؤهل للاضطلاع بهذه المهام. وتكون الصين عادة مستعدة لدعم تمويل كل تلك المشاريع. وإذا ما أبرمت اتفاقية بين الصين وبلد ثان، فإنها تجتذب استثمارات بلدان ثالثة أخرى للانخراط في مشروع التعاون الاستراتيجي.
ومع أهمية أن يسود مثل هذا التفكير لدى صانعي القرار، إلا أنه لا يكفي لوحده. فمثل هذه المهام الكبرى لا تتحقق بدون إشراك مؤسسات المجتمع وتفعيل طاقاته الخلاقة. فماذا لو أُعطي للسلطة التشريعية الوقت الضروري الكافي للدراسة والاستشارات التي هي من حقهم؟ وماذا لو تمّ، مثلا، أخذ رأي جمعيات الاقتصاديين والمحامين والمهندسين في مثل هذه الاتفاقية؟ أما كان من الممكن أن يقترحوا ما يحسن شروطها في أضعف الحالات؟
ها وقد تحدثنا عن كل ذلك، بقي أن نتساءل: ماذا عن الاتفاقيات المماثلة، القادمة في الطريق؟