المنشور

الاستقالة.. الموقف والإدانة..!!

خليل يوسف

ـ1ـ

أخيرًا، وجدنا شخصية عربية تستقيل من منصب دولي رفيع لأنها رفضت أن تكون إمعةً، او جزءًا من ثقافة قطيع السمع والطاعة، والهوان والمهانة، واللامبادئ واللاضمير، ويشهد لها أنها امتلكت الجرأة والوضوح حين قالت في حيثيات استقالتها «استقلت لأنني أرى من واجبي إلا أكتم شهادة حق عن أمور غير مقبولة ولا يمكن أن تصبح مقبولة بفعل الحسابات السياسية او سلطان القوة، وأصر على كل استنتاجات التقرير»، رافضة بذلك ضغوط إسرائيل وحلفائها على أمين عام الأمم المتحدة للتنصل من تقرير نشر في 15 مارس، وهو أول تقرير استقصائي علمي مبني على تعريف القانون الدولي لجريمة الأبرتايد، وهو موثق بالأدلة لسياسات إسرائيل وممارساتها تجاه الشعب الفلسطيني ويثبت أن إسرائيل دولة عنصرية وتمارس سياسات فصل عنصري وفقًا للقانون الدولي، الذي يعتبر أن نظام «الأبرتايد» من أخطر الجرائم ضد الإنسانية، وهو التقرير الذي هاجمه سفير إسرائيل في الأمم المتحدة مطالبًا الأمين العام للمنظمة الدولية للتنكر تمامًا من هذا التقرير الذي بحسب قوله يسعى الى تشويه سمعة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وسارع المتحدث باسم الأمم المتحدة الى الإعلان بأن التقرير لا يعكس آراء الأمين العام وتم وضعه من دون مشورة مسبقة مع الأمانة العامة في الأمم المتحدة، وهو الموقف الذي أيدته بطبيعة الحال السفيرة الأمريكية..!!

«ريما خلف» التي كانت تشغل منصب رئيس اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة «الأسكوا»، طلب منها أن تسحب التقرير المختلف عن كل تقارير الأسكوا كونه تقريرًا موضوعيًا دقيقًا احتوى على ما هو جديد وله معنى، رفضت خلف الطلب وكل الضغوط التي مورست عليها، ورفضت الانسياق لما يخالف قناعاتها ويرضي ضميرها، ويضرب في الصميم القيم السامية التي تأسست على قاعدتها المنظمة التي تنتمي اليها، استقالت وعرَّت واقع الحال الراهن المعبر عن عجز هيئات الأمم المتحدة، ودور إسرائيل ومن يدعمها ويقف خلفها من دول من ذوات السطوة والنفوذ، وهيمنة وتجبر على حد تعبيرها تتحكم بمفاصل قرارات الأمم المتحدة وتوظيفها حسب الأهواء والمصالح، وباتت أي آمال لدور منتظر من هذه المنظمة الدولية يقارب الأوهام، استقالة «ريما خلف» جاءت في زمن باتت فيه ثقافة الاستقالة عندنا معدومة من قاموس السياسيين بوجه عام، ولدى ومن يتولون المناصب العامة في هيئات ومنظمات دولية بوجه خاص كان لاستقالتها أصداء واسعة ليس فقط لأنها استقالة من منظمة دولية مرموقة، او كونها امتلكت الجرأة ورفضت التمسك بالمنصب من باب احترام النفس، ومن باب احترام الحقائق، ولكنها الى جانب ذلك فضحت ازدواجية هيئة الأمم المتحدة ونبَّهت الى كيفية توظيف الأهواء والمصالح لتكميم صوت الحق أمام غطرسات إسرائيل وجرائمها إزاء الشعب الفلسطيني، وأكدت في الوقت نفسه أن الاستقالة شكل من أشكال ثقافة تحمل المسؤولية.

أخيرًا، علينا أن نلاحظ أولاً انه ما من دولة عربية أدانت سحب الأمين العام للأمم المتحدة التقرير، ولا حتى القمة العربية فعلت ذلك، كما علينا ثانيًا أن نلاحظ بحذر ووعي أن هناك من يريد لنا المراوحة في التعاطي مع القضية الفلسطينية وعدم تجاوز حدود الوعظية في أحسن الأحوال، والتي تدور في فلك «ينبغي» و«يجب» و«أكد» وكل ما يشكل حس غارق في البؤس، وعلينا أخيرًا أن نلاحظ أن الشخصية الثانية في «الاسكوا» هي ابنة البحرين «د. خولة مطر» التي عرفناها لا تقل عن «ريما خلف» في الكفاءة والضمير الحي والانحياز للعدل والقيم الإنسانية وحقوق الإنسان، وشرفتنا في أكثر من موقف، يا ترى هل يمكن أن يوكل لها المنصب، ولكن طالما كانت الحسابات والاعتبارات إياها التي تحكم مسار عمل المنظمة الدولية.. فإن المسألة فيها وجهة نظر، لننتظر ونرى..؟!

ـ2ـ

من المؤسف جدًا أن يواصل الذين أصبحت خيباتهم أكبر من أن تحتمل، في التمادي الى تكديس الخيبات ووضع المزيد من المطبات والعراقيل أمام أي مسعىً وطني يستهدف تجاوز واقع الحال السياسي الراهن، او لنقل تجاوز بؤسنا، هذا البؤس الذي يجعلنا نبقى في رحلة التيه المضنية في صحراء قاحلة، والباعث على أسى أكبر أن هناك من لا يجد بأن المثابرة مطلوبة بشكل ملح الى حوار ونقاش، او خطوة او خطوات تفضي الى ما يرفع معنويات الناس في هذا البلد ويدفع في اتجاه أفق يدعو ولو لشيء من التفاؤل، لا بد من ذلك، ولا مفر من إنتاج مخرج في أقرب فرصة، وإذا ما خطر لمعرقلين هنا او هناك او هنالك ممن يتصرفون كما لو كانوا أوصياء على شؤون الوطن والمواطنين ان يواصلوا على ما دأبوا عليه لكي نبقي في حال المراوحة والإرباك والتوجس من محاولات تصيبنا بتصدعات تجرنا نحو المزيد من الانشطار والمزيد من الفتن، وكأن ما حدث لا يكفينا، والطامة الكبرى أن يبقى الوضع على ما هو عليه..!!

ـ3ـ

لحسن الحظ أنه لايزال بمقدور المواطن أن يرفع صوته محتجًا على إرهاقه برسوم باتت تنزل عليه كنزول الصواعق، يكفي التمعن هذه الأيام في حجم ردود الأفعال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحجم التعليقات المعبرة عن حالة التذمر السائدة على رسوم المخالفات المرورية التي فرضت أخيرًا، وقبلها على رسوم فرضت، ورسوم توسعت، ورسوم ارتفعت، ومنها ما يكاد أن يكون أقرب الى الارتجال، الأمر الذي فاقم من معاناة المواطنين، خاصة من «ذوي الدخل المهدود» المشغولين بالركض أثر لقمة العيش، والبحث عن سبل تخفف عنهم أعباء الديون والأقساط..!

يا ترى أين الوعود التي كانت في فترة قريبة قد تدفقت على المواطنين، وأين أصبحت التدابير التي أعلنت وكلها كانت تعزف على وتر أن مكتسبات المواطن لن تمس، وأن الميزانية العامة حافظت على هذه المكتسبات، وأن أي موضوع يتعلق بالدعم وفرض رسوم سيكون أساسه الاتفاق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ألم يصرح وزير المالية بذلك..؟ وهل تذكرون كيف رد أكثر من نائب نافيًا عدم صحة التشاور والاتفاق على فرض رسوم على المواطنين..!! ويستطيع المرء أن يعود الى هذه التصريحات والوعود في أي وقت يشاء بمجرد الاستعانة بمحرك البحث عبر جوجل. المشكلة أن المواطن لا يرى رؤية مالية واقتصادية معلنة وواضحة الأهداف والآليات والمنطلقات، بمعنى أن المواطن والتاجر والمستثمر لا يعرف الى أين نحن نسير، وعلى أي أرضية او رؤى نسير، وكيف يمكن ضبط الموارد ووقف أوجه الهدر الظاهر منه والمستتر، والى أي مدى هي الجدية في التصدي للفساد المالي والاداري، ومتى ستظل مخرجات تقارير ديوان الرقابة معاقة..؟! لا يرى المواطن سوى الكلام، ونزار قباني قال: كم دفعنا ضريبة الكلام..؟!