المنشور

الماركسية بين الأمس واليوم – 4

غريب عوض

شبحها ما زال يطارد الرأسمالية

الماركسية بين الأمس واليوم – 4

ترجمة غريب عوض

ماركس و داروين

          تشارلز داروين Charles Darwin، الذي كان مادي فطري، شَرَحَ تطور الأنواع كنتيجة لتأثيرات البيئة الطبيعية. وشَرَحَ كارل ماركس تطور الكائن البشري من تطور البيئة ”الصِناعية“ التي نُسميها المجتمع. والفرق يقع من ناحية في الصِفة المُعقدة جداً للمجتمع البشري مُقارنةً بالبساطة النسبية للطبيعة، ومن ناحية ثانية في التغير المُتسارع لسير المجتمع مُقارنةً للسير البطيء غير العادي الذي بواسِطتهِ يكشف الانتخاب الطبيعي عن التطور.

          وعلى أساس العلاقات الاجتماعية للإنتاج – بعبارة اُخرى، العلاقات بين الطبقات الاجتماعية – يظهر هناك أشكال قانونية وسياسية مُعقدة بإنعكاساتها الأيديولوجية والثقافية والدينية المُتشعِبة إن هذا البِناء الكبير من الأشكال والأفكار أحيناً يُشارُ إليهِ بالبِناء الاجتماعي العُلوي. بالرغم من أنهُ يرتكز دائماً على قواعد اقتصادية، إلا أنهُ يرتفع فوق القاعدة الاقتصادية ويتفاعل فوقها، أحياناً بأسلوب حاسم. إن هذهِ العلاقة الجدلية بين القاعدة والبناء العُلوي مُعقدة جداً وليست واضحة دائماً. ولكن في التحليل النهائي، تُصبح القاعدة الاقتصادية دائماً القوة الحاسِمة.

          إن علاقات المُلكية هي ببساطة التعبير القانوني للعلاقات بين الطبقات. في البداية، تُساهم هذهِ العلاقات – بمعية تعبيرها القانوني والسياسي – في تطوير قوى الانتاج. ولكن تطور قوى الانتاج يميل إلى العمل ضد القيود التي تُمَثِلُها عِلاقات المُلكية القائمة. وتُصبح الأخيرة عائق لتطور الانتاج. وعند هذهِ النقطة ندخل في فترة ثورية.

          يرى المِثاليون الوعي البشري على أنهُ المنبع الرئيسي لجميع أفعال الإنسان، القوة المُحرِكة للتاريخ. ولكن التاريخ كُلهُ يُثبِت العكس. إن الوعي البشرى بصفة عامة ليس تقدمياً ولا ثوري. فهو بطيئ التفاعل مع الظروف ومُحافظ جداً. اغلب الناس لا تُحِب التغيير، وأقلها التغيير الثوري. إن هذا الخوف الدفين من التغيير مُتجذرٌ في اللاوعي الجمعي. إنهُ جزء من آلية دفاع التي تعود أصولها إلى الماضي البعيد للنوع البشري.

          وكقانون عام، نستطيع القول، أن المجتمع لم يُقرر قط أن يأخذ خطوة إلى الأمام إلا إذا كان مُضطراً أن يفعل ذلك تحت ضغط الضرورة القُصوى. طالما أنهُ من المُمكن أن يتخبط الإنسان في الحياة مستعيناً بِهدي الأفكار القديمة، مُتكيفاً معها على نحوٍ غير محسوس إلى واقع يتغير بِبِطء، سوف يستمر الرجال والنِساء لفترة طويلة التحرك مع الأساليب والطُرق المُستهلَكة. ومثل قوة القصور الذاتي في عِلم الميكانيكا تُشكل التقاليد والعادات والروتين عبءً ثقيلاً جداً على الوعي البشري، والذي معناه أن الأفكار تتخلف دائماً عن الأحداث. ولكي نتغلب على هذا القصور الذاتي نحتاج إلى ضربات مطرقة للأحداث العظيمة لتُجبر الناس على مُسائلة المجتمع القائم، أفكارهِ وقيمِهِ.

          إن كل ما تُبَيَّنُهُ الثورة هو حقيقة أن التناقُضات الاجتماعية التي أنشأها الصراع بين التطور الاقتصادي والبُنية القائمة للمجتمع، أصبحت لا تُطاق. إن هذا التناقض المركزي لا يمكن حلهُ إلا بالتخلُص من النظام الحالي وإحلال علاقات اجتماعية جديدة بديلة لهُ تجعل القاعدة الاقتصادية تنسجم مع البِناء العُلوي.

          في الثورة تُعاني القواعد الاقتصادية للمجتمع من التحول الراديكالي. ثم يتعرض البِناء القانوني والسياسي إلى تغيير جذري. وفي كلُ حالة، إن علاقات الإنتاج العُليا الجديدة قد اكتمل نموها في رِحم المجتمع القديم، وتُشكل حاجة مُلِحة للتحول إلى نظام اجتماعي جديد.

المادية التاريخية

          تُحلِل الماركسية المنابع الرئيسة الكامنة والموجودة وراء تطور المجتمع البشري، من المجتمعات القَبَلية المُبَكِرة إلى يومنا هذا. وتُسمى الطريقة التي من خلالها تَقتَفي الماركسية أثر هذا الطريق المُتَعَرج التَصوّر المادي للتاريخ. إن هذهِ الطريقة العِلمية تُمَكِنُنا من فهم التاريخ، ليس كَسِلسِلة من الحوادث غير المُترابطة وغير المُتَوَقَعَة، وإنما بالأحرى كجزء من صيرورة مُتَرابِطة ومفهومة بوضوح. إنهُ سِلسِلة من الأفعال وردود الأفعال تُغطي السياسة والاقتصاد وكامل طيف التطور الاجتماعي. إن شرح العلاقة الجدلية المُعقدة بين جميع هذهِ الظواهر هي مُهِمة المادية التاريخية.

          كَتَبَ المؤرخ الإنجليزي الكبير إدوارد جيبون Edward Gibbon، مؤلف كتاب (اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها)، أن التاريخ ”ما هو إلا مُسجل لجرائم وحماقات وسؤ حظوظ البَشَر.“ (جيبون، اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها، المُجلد الأول، صفحة 69). جوهرياً، إن آخر تفسير للتاريخ ما قبل الحداثة لم يتقدم خطوة واحِدة مُنذُ ذلك الحين. يُنظر إلى التاريخ بإعتبارهِ سِلسِلة من ”الروايات“ غير المُترابطة دون ارتباط عضوي ودون معنى عميق أو منطق. لا نستطيع القول أن هذا النظام الاقتصادي الاجتماعي أفضل من ذاك أو أسوء مِنه، ولهذا لا يمكن أن يكون هناك حالة تقدُم أو تَخَلُف.

          ويبدو التاريخ هُنا وكأنهُ سِلسِلة من الأحداث أو الحوادث العشوائية التي لا معنى لها بالضرورة. فهو لا تحكمهُ قوانين نستطيع فهمها. ولهذا فإن محاولة فهم التاريخ ستكون عملٌ لا طائل من وراؤه. والشيء المُغاير لهذا الموضوع، هي الفكرة، المُنتشرة الآن بين بعض الدوائر الأكاديمية، بأنهُ ليس هناك شيء يُسمى شكلٌ أعلى أو أدنى في عملية التطور الاجتماعي والثقافي. وهم يزعمون أنهُ ليس هناك شيء يُسمى الإرتقاء، والذي يعتبرونهُ فكرة قديمة من مُخلفات القرن التاسع عشر، حينما نشرها ليبراليو الحقبة الفيكتورية والاشتراكيون الفابيون – وكارل ماركس.

          إن هذا النكران للإرتقاء في التاريخ هو مِيزة سياكيولوجية البرجوازية في طور اضمحلال الرأسمالية. إنهُ انعكاس أمين لحقيقة أنهُ في ظل الرأسمالية وصل التقدم فعلاً إلى حُدودهِ القُصوى ويُهَدِد بالتراجُع. ومن الطبيعي جداً، أن تكون البرجوازية ومن يُمَثُلُها من المُثقفين غير راغبين بقبول هذهِ الحقيقية. بالإضافة إلى أنهم عضوياً غير قادرين على استيعابها. وقال لينين مَرَة، إن الإنسان الواقف فوق طرف الجبل إنسان غير عاقل. غير أنهم غير مُدركين الوضع الحقيقي إلا قليلاً، وهم يحاولون العثور على نوع من التبرير لِمأزق نظامهم عن طريق إنكار إمكانية الإرتقاء بِرُمَتِها.

          وقد غاصت هذهِ الفكرة عميقاً في الوعي حتى إنها انتقلت إلى داخل حيّز عملية التطور غير البشري. وحتى مُفكرٌ لامع مثل ستيفن جي غولد Stephen Jay Gould، الذي غيّرت نظريتهُ الديلكتيكية (التوازن الُنقطي) الطريقة التي يُنظَر من خِلالها إلى عملية التطوّر، قال أنهُ من الخطأ الحديثُ عن الإرتقاء من الأدنى إلى الأعلى في عملية التطور، حتى أنهُ لا بُد أن نضع الجراثيم في نفس مستوى الكائنات البشرية. هذا صحيح من ناحية، بأن جميع الكائنات الحية تُنسَب إلى بعضها البعض (وقد أثبتت بشكل حاسم مجموعة العوامل الوراثية البشرية صحة هذا). إن النوع البشري ليس خلقٌ الله الخاص، وإنما هو نتاج لعملية التطوّر. وليس صحيحاً أيضاً النظر إلى عملية التطور، النشوء والارتقاء كنوع من التصميم العظيم، الذي كان هَدَفهُ خلق كائنات على شاكِلتُنا. ومع ذلك، فإن رفض فكرة خاطئة لا يعني بالضرورة الذهاب إلى النقيض، مما يُفضي إلى أخطاء جديدة.

          إنها ليست مسألة القبول بِخطة ما مُقدَرَة سلفاً إما إنها مُرتَبِطة بتدخل إلهي أو بنهاية ما، ولكن من الواضح أن قوانين عملية التطور المُتأصِلة في الطبيعة لا تُحدد في الحقيقة التطوّر من أشكال بسيطة من الحياة إلى أشكال أكثر تعقيداً. إن الاشكال المُبَكِرة للحياة تتضمن الآن فيما بينها جنين جميع التطورات المُستقبلية. من المُمكن شرح تطور العينين والأرجُل وأعضاء اُخرى دون الإلتجاء إلى أى خِطة مُقدَرَة سلفاً. في مَرحلة مُعيّنة نحصل على تطور نظام الأعصاب المركزي والدماغ. وأخيراً مع الإنسان العاقل نَصِلُ إلى الوعي البشري. وتُصبِح المادة واعية بذاتها. لم يعُد هناك ثورة مُهِمة إلى الآن مُنذُ تطوّر المادة العضوية (الحياة) من المادة غير العضوية.

          وإرضاءً لناقدينا ربما علينا أن نُضيف العِبارة من وجهة نظرنا نَحنُ. إن كانوا قادرين على طرح وجهة نظر تَخُصُهم، ففي أغلب الضن إن التشكيك في مسألة الجراثيم من المُحتمل أن يُثير اعتراضات خطيرة. ولكننا بشر لا بُد أننا بالضرورة نرى الأشياء من خلال عيون البشر. ونَحنُ نؤكد فعلاً بأن عملية التطور لا تُمثل في الحقيقة تطوّر أشكال الحياة البسيطة إلى أشكال أكثر تنوع وتعقيد – بِعبارة اُخرى الارتقاء من الأشكال الأدنى للحياة إلى الأشكال الأعلى للحياة. إن الاعتِراض على مثل هذهِ الصِياغة يبدو أنهُ لا معنى لهُ، وغير عِلمي وإنما مُجرد إعتِراض مدرسي. وعندما نقول هذا، لا شك أننا ليس قصدنا إهانة الجراثيم، والتي هي في النهاية وجودها أطول من وجودنا بكثير، وإذا لم يتم التخلص من النظام الرأسمالي، فربما هو من يضحك في النهاية.

القوة المُحَرِكة للتاريخ

          في نَقدِهِ للإقتصاد السياسي يُوضح ماركس العلاقة بين قوى الإنتاج و ”البناء العُلوي“ على النحو التالي:

          ”في الإنتاج الاجتماعي الذي يقوم بهِ الإنسان يدخل في علاقات مُحدد ضرورية خارِجة عن إرادتهِ؛ وعلاقات الإنتاج هذهِ تستجيب لمرحلة مُحددة لتطوّر قوى الانتاج المادي لديهِ … إن اسلوب الانتاج في الحياة المادية يُحدد الصِفة العامة لصيرورة الحياة الاجتماعية والسياسية والروحية. ليس وعي الإنسان هو الذي يُحدد وجوده، وإنما على العكس من ذلك، الوجود الاجتماعي للإنسان هو الذي يُحدد وعيه.“

          وحيثُ أن ماركس وأنجلز بذلا جهوداً جبارة ليوضِحا، أن المُشاركين في التاريخ قد لا يكونوا على وعي دائماً بالمُحَفِزات التي تُحرِكُهُم، فهُم يحاولون تعقل تلك المُحَفِزات بطريقة أو بأُخرى، ولكن تلك المُحَفِزات موجودة ولها أُسُسُها في العالم الواقعي.

          تماماَ مثلَ ما يَشرح تشارلز داروين إن الأنواع ليست ثابِتة وأن لها ماضي وحاضر ومستقبل، تتغير وترتقي، وكذلك يَشرَح ماركس وأنجلز بأن نظام اجتماعي مُعيّن ليس ثابت إلى الأبد. ذلك هو وهم كلُ حَقبة من الزمن. يعتقد كل نظام اجتماعي بأنهُ يُمَثّل الشكل الوحيد المُمكن لوجود الكائنات البشرية، إنها أعرافهُ ودينهُ وأخلاقهُ، وهذهِ أخر الكلمات التي يمكن أن تُقال.

          ذلك ما آمَنَ بهِ بحماس آكِلة لحوم البشر والكُهان المصريون القُدَماء وماري أنطوانيت والقيصر نِكولوس. وذلك أيضاً ما ترغب البرجوازية والمُدافعين عن الدين لديها أن يُظهِروه لنا عندما يُطمئِنوننا، دون أدنى أساس، بأن ما يُسمى نظام ”السوق الحُرة“ هو النظام الوحيد المُمكن – ولكن مع الأسف بَدَأ يتداعى.

          والآن بشكل عام تم قبول فكرة ”التطوّر“ على الأقل من قِبَل الأشخاص المُثقفين. وأفكار داروين، التي كانت ثورية في عَصرِهِ أصبحت مقبولة الآن وكأنها قضية مُسَلَم بِها تقريباً. إلا إن التطوّر يُفهَم عموماً كصيرورة بطيئة تدريجية دون إعاقات أو فَوَرَانات عنيفة. في السياسة كثيراً ما يُستخدم هذا النوع من المُحاجات كمُبَرر للإصلاح. وتتأسس على سؤ فهم، لسؤ الحظ.

          إن الآلية الحقيقية للتَطوّر تبقى حتى اليوم كِتاباً مختومٌ بسبعة أختام. وهذا ليس أمرٌ مُفاجئاً بتلك الدرجة حيثُ أن داروين نفسهُ لم يفهمها. فقط في العقد الماضي تقريباً تم الكشف عن أن التطوّر ليس عملية تدريجية، بمُساعدة الاكتشافات الجديدة في عِلم الأحياء القديمة التي توصل إليها ستيفن جي غولد Stephen Jay Gould، الذي اكتشف نظرية التوازن النُقطي. هناك فترات طويلة لم يُلاحظ خلالها تغيُرات كبيرة، ولكن في لحظات مُعيّنة، ينكسر خط التطوّر بإنفجار، ثورة بيولوجية مُتنوّعة تتميز بإنقراض واسع لبعض الكائنات الحية وبظهور سريع لكائنات أخرى جديدة.

          إن التشابُه بين المجتمع والطبيعة، لا شك أنهُ مُجرد تقريبي. ولكن حتى أكثر الاختبارات سطحية للتاريخ تُبيّن أن تأويل الذين يزعمون بالتدرج لا أساس لهُ من الصحة. إن المجتمع مثل الطبيعة يمرُ بفترات طويلة من التغيّر المُتَدرج البطيئ، ولكن هنا أيضاً تعترض الخط تطورات انفجارية – حُروبٌ وثورات، التي من خلالها تتسارع عملية التغيّر بِكثافة. وفي الواقع إن هذهِ الحوادث هي التي تقوم بدور القوة المُحرِكة الرئيسة للتطور التاريخي. وإن السبب الجذري لقيام الثورات في الحقيقة هو أن نظاماً اجتماعياً اقتصادي وصل إلى حُدُدِهِ القصوى وهو غير قادر على تطوير قوى الإنتاج كما كان يفعل ذلك في السابق.