المنشور

معركة الأمعاء الخاوية

الدكتور حسن مدن

أحيا الفلسطينيون، ومعهم كل من لا زالت قضية فلسطين تعنيه في عالمنا العربي وفي العالم، أمس «يوم الأسير الفلسطيني»، كمناسبة لتجديد التضامن مع قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون «الإسرائيلية»، الذين يعدون بالآلاف، ويواجهون ظروف احتجاز قاسية.

ونظّم الفلسطينيون مسيرات في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة للفت النظر إلى قضية المعتقلين، أما الأسرى أنفسهم فقد أحيوا هذه المناسبة على طريقتهم، بأن بدأوا إضراباً مفتوحاً عن الطعام، للمطالبة بتحسين ظروف اعتقالهم، في محاولة منهم لكسر الصمت المحيط بقضيتهم، والذي وصفه رئيس نادي الأسير ب «صمت القبور».

نادي الأسير الفلسطيني قال إن الإضراب يهدف إلى «تحقيق عدد من حقوق الأسرى أبرزها إنهاء سياسة العزل وسياسة الاعتقال الإداري»، كما تشمل تلك المطالب مجموعة أمور تتصل بالملف الطبي للأسرى، تتضمن إجراء الفحوصات الطبية الدورية وإجراء العمليات الجراحية بالسرعة المطلوبة، وإطلاق سراح الأسرى المرضى، خاصة من ذوي الإعاقات والحالات المستعصية.

في السجون «الإسرائيلية» اليوم نحو 6500 أسير فلسطيني موزعين على 22 سجناً بين سجون مركزية ومراكز تحقيق وتوقيف، من بينهم 62 أسيرة بينهن 14 فتاة قاصراً ونحو 300 طفل، وعمد المحتلون الصهاينة إلى مصادرة بعض الحقوق التي انتزعها الأسرى في الإضرابات السابقة، ومن بينهم قيادات بارزة في المقاومة الفلسطينية كالأسيرين مروان البرغوثي القيادي في حركة «فتح»، وأحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

الإضراب الذي أطلقه أسرى فلسطين أمس يلفت الأنظار إلى معاناتهم الصعبة في ظروف الأسر القاسية، حيث يستخف العدو بما استقر عليه المجتمع الدولي والهيئات المعنية بحقوق الإنسان من معايير في التعامل مع سجناء الرأي والنشطاء الوطنيين المدافعين عن القضايا العادلة لشعوبهم، وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني الذي يواجه عسف وبطش المحتل منذ نحو سبعة عقود.

هذا الإضراب يعيد التذكير، أيضاً، بالمأثرة النضالية للشعب الفلسطيني المصمم، رغم كل الصعوبات والتخاذل والبطش الصهيوني، على التمسك بحقوقه المشروعة، ومن أجل هذا يستمر في تقديم التضحيات الغالية، ومن بينها تضحيات هؤلاء الأسرى الشجعان، الذين يوجّهون عبر «معركة الأمعاء الخاوية» رسالة للضمائر في العالم كله، بما في ذلك إلى ضمائر أشقائهم العرب، من أجل ألاّ تنسى القضية الوطنية العادلة للشعب الفلسطيني وسط ما نحن فيه من حروب واقتتال وتمزقات وخيبات.

وإضراب الأسرى الفلسطينيين هو في جانب منه رسالة للقوى الفلسطينية المختلفة، وفي الضفة الغربية وغزة بشكل خاص، بأن تنهي حالة الانقسام المريع التي هي عليه، وأن تكون عند مستوى المسؤولية الوطنية وتوجه جهودها المشتتة في صراعات عبثية نحو مواجهة الاحتلال، والاحتلال وحده.