المنشور

ثورة أم انقلاب؟


يعبر الجدل البيزنطي الطويل حول الحدث الكبير في 23 يوليو عام 1952م بأنه انقلاب أو ثورة عن عدم حل الاختلافات الفكرية العميقة بين قوى التحرر العربية، التي تباينت رؤاها في مثل هذا الحدث، ورغم اتفاقها على أهميته التاريخية التحولية فإنها تتباين في رصده وتقييمه. ولا تزال القوى القومية ذات النزعة الشمولية تعتبرُ الحدثَ ثورةً ناصعةً منذ أن تدفقت من (العُلا)، وكتبَ سطورَها شبانٌ (آمنوا بربهم وبفجر أمتهم) وغيرها من العبارات الرومانتيكية التي كانت سائدة بقوة في تلك العقود الجميلة من التاريخ العربي.
ولكن (الانقلاب) العسكري الذي حدث في ذلك اليوم كان قطعاً مع التراكم الديمقراطي الذي كان يتدفق خلال عقود عديدة في مصر، وقد صنع الانقلاب طيفٌ سياسي عريض من الضباط المستقلين عن أي تنظيم وهم الذين أسسوا الحركة ووضعوها في أيديهم، وانضمت إليها القوى الدينية والماركسية من دون أن تدرك بحصافة من يقود هذا التنظيم وأهدافه وطبيعة عمله ووعيه، نظراً إلى طابع الوعي السياسي العفوي حينذاك وعدم القراءة البعيدة للتطور. ونظراً إلى الطابع الخاص لهذه الحلقة التي سُميت (الضباط الأحرار) فان النقاشات الديمقراطية لم تجر وسطها، ولم تتمثل القوى السياسية تمثلاً يعبر عن أحجامها في المجتمع، ولم تتضح آلية عمل هذه المنظمة السرية التي تعمل بمثل هذا الخفاء، وهذا كان كله يجري عبر آلية تنظيم عسكرية لها طريقتها الخاصة في الضبط والربط وعدم الإيمان العميق بالحوار ويصعد الفرد فيها بالطاعة فلا تنضج نظرة ثورية حقيقية داخلها. وكان ما يجري داخل حلقة (الضباط الأحرار) يماثل ما يجري في التنظيمات السياسية الدينية والماركسية فكلها تقوم على دكتاتوريات جماعة واستيراد وعي وطاعة عمياء، رغم أن التنظيمات بها مساحة أكبر من الفهم للمجتمع وتشكلت بها ثقافات أكثر عراقة من ذلك التنظيم السري. وهكذا فقد وضعت تلك التنظيماتُ السلطةَ في يد العسكريين الوطنيين، التي بدأت كحلقة كبرى ثم تركزت القرارات في يد مجموعة ضيقة ثم في يد فردين هما الرئيس جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر. لقد وظفت التياراتُ السياسية جمهورَها وحشدته من أجل الضباط الأحرار والانقلاب العسكري، لكن قيادة الانقلاب راحت تتفرد بالسلطة على نحو متسارع، حتى احتكرت الحكم طوال العقود التالية. كانت العفوية السياسية والمعاناة الطويلة من النظام الملكي التابع وورثة هائلة من الفقر والاستغلال والمؤامرات الجنونية للنظام تدفع ربما أحكم العقلاء ليجري مثل تلك المغامرة العسكرية المذهلة والجبارة، وقد حدثت المغامرة ونجحت ومن دون تكلفة كبيرة من التضحيات، ولكن مهمة التغيير صعبة ومحفوفة بالمخاطر خاصة مع ذلك الانفراد بالسلطة وعدم تكوين جبهة وطنية ديمقراطية تحكم البلد. ولم يكن للضباط الأحرار دراية بمشكلات الواقع ولا بكيفية إصلاحه، واعتمدوا على سلسلة طويلة من التجارب المريرة، بدءًا من إصلاح زراعي محدود، حتى القيام بتأميم المصانع وترك التجارة السوداء والبيروقراطية تنهشان في القطاع العام. وما بدأ بشكل انفرادي وبتسارع كبير نحو القمة انتهى بانكسار سريع كذلك، وبدا أن كل المنجزات قد ضاعت، بسبب تلك الشمولية الرعناء، وجاءت الهزائم العسكرية لتقوض الأحلام الكبيرة في ستة أيام. لقد اخطأت التنظيمات السياسية في تصعيد مثل تلك الحلقة، ثم تتالت الضربات عليها، ثم قدمت مشروعات إما ذيلية متقزمة أمام النظام وإما انتحارية تلجأ إلى اسوأ الأعداء، فضاعَ الشعبُ بين طرق متعاكسة سياسية حادة، وبقيت مثل هذه الطرق حتى الآن تاركة للعسكريين امتصاص الوطن كبقرة حلوب جفتْ كلُ «أثدائها«. لم تقم التنظيمات بإعادة النظر في أدوارها تلك، ولم تر الحركة العسكرية الوطنية إلا بمناظيرها المحدودة، فقد تغير الانقلاب إلى عملية ثورية كبيرة قوضت الكثير من الظروف السيئة التي رزح تحتها الناس، ونقلت عملية التغيرات إلى الوطن العربي، وكانت الجماعة الثورية الحاكمة بحاجة إلى قوى سياسية مساندة ومنتقدة كذلك، وكان من الضروري الإيمان ببطلها جمال عبدالناصر الذي كان ضميره نقيا ولم يدخلهُ الفسادُ من كل الأبواب التي حاولها، ولا ينفي هذا ضرورة الاختلاف مع رؤاه السياسية ولكن التي كان من الممكن نقدها بشكل رفيق بناء. ويبقى أن يلتفت الناصريون والقوميون إلى هذه الظاهرة كمركب معقد وليس كظاهرة احادية، فالوطن العربي بحاجة إلى تراث الثورة الناصرية العظيمة ولكن عبر تمثل جوانبها الإيجابية ولفظ سلبياتها الشمولية وعاطفيتها الحادة، لأننا نريد تغيير الحاضر ولا نريد الدعاء بين الأطلال.


أخبار الخليج 30 يوليو 2008