المنشور

دروس صفقة تبادل الأسرى “2-2”


حينما يتحقق إنجاز وطني كبير مشرف بحجم تحرير عميد الأسرى اللبنانيين المناضل سمير القنطار الذي رزح في سجون العدو الإسرائيلي 29 عاما عقابا له على دوره البطولي في عملية ” نهاريا ” والتي لم يشف العدو الصهيوني غليله بعد من كل هذه الفترة الطويلة التي أمضاها متوعدا بملاحقته داخل وطنه لبنان، وحينما يتحقق انجاز وطني مشرف كبير بحجم تحرير أربعة مناضلين لبنانيين آخرين من مقاتلي حزب الله أسرهم العدو الإسرائيلي خلال عدوانه في يوليو/ تموز 2006م على لبنان، وحينما يتم تحقيق إنجاز وطني مشرف كبير بحجم إعادة رفات وجثامين 199 شهيدا لبنانيا وفلسطينيا وعربيا من ضمنهم الشهيدة البطلة دلال المغربي، هؤلاء الشهداء الذين بدوا لفترة من الزمن قد طواهم النسيان في ظلمات الليل العربي المدلهم الطويل..
 نقول حينما يتحقق انجاز وطني كبير بحجم كل ذلك فلا مجال للمكابرة أو الحسابات الفئوية والحزبية الضيقة أمام هذا الانتصار والمكسب الوطني الكبير المشرف
أيا تكن الحركة أو الجهة العربية التي يجرى على يدها تحقيق هذا الانتصار. ذلك أن مثل هذا الانتصار الكبير إنما يمثل في المقام الأول الإرادة الوطنية الجمعية ورد اعتبار للكرامة اللبنانية والعربية التي طال استباحتها على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني. والمناضلون الذين افتدوا بأرواحهم في تلك العمليات البطولية إنما افتدوها من أجل الوطن وحريته بصرف النظر عن الراية الحزبية التي ناضلوا تحتها. ولو لم يكن الأمر كذلك لما سعى حزب الله الى جعل اسم سمير القنطار في مقدمة أسماء الأسرى الذين طالب بتبادلهم في الصفقة بالإضافة الى أسماء شهداء من مختلف الجنسيات العربية لاستعادة رفات جثثهم.
 ولعل عظمة الشعب اللبناني تتجلى في قدرته على التسامي على جراحه عند المنعطفات الصعبة والشدائد، هكذا ظهر في التفافه حول المقاومة ووقوفه صفا واحدا في وجه العدوان الإسرائيلي في يوليو/ تموز 2006، وهكذا ظهر لدى تحقق الإنجاز الوطني الكبير المشرف المتمثل في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، وهكذا جاء الاحتفاء بهذا النصر شعبيا ورسميا. فالقيادة السياسية والحكومة لم تزنا ما تحقق بالموازين الضيقة بل اعتبرتاه انجازا وطنيا كبيرا شاركت فيه على أعلى المستويات، وهكذا أقيمت منصة شرف على أرض المطار وهي المنصة التي لا تقام عادة إلا لقادة ورؤساء الدول الى جانب فرش سجادة حمراء.وكان في مقدمة مستقبلي الأسرى المحررين رئيس الجمهورية ميشيل سليمان ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة ورئيس البرلمان نبيه بري. هذا الى جانب رؤساء الحكومة السابقين وجميع وزراء الحكومة الجديدة والسفراء العرب والأجانب.
 لم يحدث قط في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي أن شاركت حكومة عربية شعبها في الاحتفال بمكسب وطني كبير تحقق على يد إحدى قواه السياسية سوى الحكومة اللبنانية. يكفي الشعب اللبناني فخراً بما حققه من إنجاز وطني كبير ان يرى ما انتاب قيادة العدو من مشاعر هستيريا غاضبة تعبر عن جزعه وحنقه من إرغامه صاغرا ذليلا على ما قدمه من تنازلات في الصفقة، وبلغ الأمر برئيس الوزراء أولمرت الى استخدام لغة الشتم بقوله: ” ويل لدولة تحتفل في هذه اللحظات بالإفراج عن حيوان بشري سحق جمجمة طفلة عمرها 4 سنوات”، فيما قال الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز: ” ” نشاهد في لبنان احتفالا رسميا لاستقبال القنطار المجرم الذي حطم بعقب البندقية اينات ذات الأعوام الأربعة ” على حد زعمه. وقال دافيد دوركمان حاخام مدينة كريات موتسكين: ” انه اليوم الأكثر سوادا. لا أتمنى ذلك لألد أعدائي.. انها نهاية مأساوية “.
ولعل من المؤسف حقا، ان نصرا لبنانيا وعربيا وطنيا كبيرا كالذي تحقق على يد المقاومة الوطنية اللبنانية والذي احتفل به كل لبنان رسميا وشعبيا ولم يخضع للحسابات الفئوية أو الحزبية الضيقة لدى كل اللبنانيين على اختلاف فئاتهم ومشاربهم الفكرية والحزبية، أن يخضع لدى قوى ودول عربية لتلك الحسابات الضيقة. أما كان جديراً بكل الدول العربية على الأقل تهنئة لبنان ولو رسميا بهذا المكسب الوطني الذي شاركت في الاحتفال به القيادة السياسية والحكومة في لبنان على أعلى المستويات؟
أخبار الخليج 28 يوليو 2008