المنشور

صراع البضائع العالمي (3)

حين استخدمتْ الرأسمالياتُ الخاصة الغربية العنفَ كأداةٍ رئيسية لتطوراتها الاقتصادية المتباينة المتداخلة المتصارعة فيما بينها وبين العالم التابع، فقد اتضح جلياً أن القوة هي أساس النمو الاقتصادي للعالم كما كانت من قبل، وبهذا فقد شرعتْ العنفَ من جهةٍ أخرى للقوى المضادة في دول العالم التابع بصفةٍ خاصة وبقية الأمم الشرقية التي تغلغلتْ فيها أو أصدرتْ لها الرساميلَ النازفة لأسواقِها وقواها المنتجة.
ووضعُ اليد القوية على هذه الدول وتحديدُ مساراتِها من الخارج، أسس فترة من النهضة في هذه الدول المتخلفة كذلك، وحجرَ التطورَ الاقتصادي في تلك الأشكال من الرساميل الثلاثة السابقة الذكر وهي الرساميل؛ التجارية والمالية والصناعية.
وأدت تلك الأسبقية ونسبُ تلك الرساميل الأبنية الاقتصادية المشوهة التي تم تشكيلها من ذلك الخارج، وعبر فعل الفئات الاجتماعية المستفيدة من تلك الأشكال، إلى أن تكون دول آسيا وافريقيا وقد انضمت إليهما أمريكا الجنوبية بفعل هيمنة الشمال، مركز إنتاج الفوائض الاقتصادية لتلك الدول الغربية الكبرى وعبر عقود أو قرون من التاريخ الحديث.
إن اصطفاف الرساميل الشرقية ونسبها تعبر عن تلك العلاقة التبعية الاستنزافية، ومن دون قلب هذه العلاقة ومن دون جعل رأس المال الصناعي في الأولوية والطليعة، لا يمكن يحدث أي تقدم جوهري شامل في هذه البلدان.
كان التطور الغربي قد اعتمد على ذلك بجعل التجارة تابعة للصناعة، وجعل تراكمات الرأسمالين التجاري والمالي في خدمتها، ولكن عملية القلب الاقتصادية في دول الشرق، وجعل الملكية الخاصة الصناعية في المقدمة كانت غير ممكنة، بفعل الأبنية المشكلة حسب الطريقة السابقة الذكر.
لقد قامتْ فتراتُ النهضةِ الليبرالية الشرقية بدروها التحويلي المفيد، لكنها اصطدمت بالسيطرات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للقوى الغربية المسيطرة والقوى التقليدية المتحالفة معها، وحدث العجز عن إحداث التراكم البدائي الذي تكون في الدول الغربية خلال عدة قرون ووفر السيولة الكبيرة وقوى العمل الرخيصة، وطور العلوم، وبهذا فقد برزت الحاجة إلى عامل القوة لتغيير هذه الأبنية الاقتصادية العاجزة.
وظهرت القوة على أشكال مختلفة؛ حروب تحرير وطنية، وثورات، وانقلابات عسكرية، واستقلالات سياسية الخ..
كانت مكائنُ الدولِ الشرقية جاهزة للقيام بدور التحويل، فدولُ الشرق على خلاف الغرب كما ذكرنا آنفاً، دولٌ حكومية في كل التشكيلات الاقتصادية الاستغلالية السابقة، وكانت الدولُ فيها تلعب دوراً مركزياً في الاقتصاد، تنهضهُ لقرنٍ أو قرنين ثم تقومُ بشلهِ وإعاقته أو تخريبه كلياً.
ويتمظهر ذلك فكرياً عبر القومية والوطنية والمذهبية، فهذه النزعات تعبر عن مضمون محلي مضاد للخارج، بهذه الدرجة أو تلك من الانغلاق والجمود، وصعود هذه النزعات وانتشارها لابد أن يتغلغل في الأجهزة العسكرية التي تغدو هي مفاتيح التحول، ومن هنا جاءت سلسلة الانقلابات والثورات المسلحة.
بهذا بدأتْ الرأسمالياتُ الحكومية في الظهور في عالم الشرق، حسب مستوى تطور القوى المنتجة والأسواق والقوى العاملة ووجود الرساميل ودرجات الصراع الاجتماعي ومستوى الأفكار وطبيعة التقاليد، فتباينت أشكالُ ظهورِ الرأسماليات الحكومية، مبتدئة من فرض الرسوم الجمركية حتى تشكيل القطاعات العامة.
ومن جلب وتقليد النقود الغربية إلى سك عملات محلية معدنية أولاً، إلى استعمال النقود الورقية الرمزية، ومن ظهور المشروعات الحكومية التي لا تتجاوز مستوى مشروعات الترميم القديمة حتى ظهور التخطيط الجزئي أو الكلي للاقتصاديات الوطنية.
كانت للدول سابقاً أملاكٌ معينة أو اشرافٌ على ملكيات على شكل أوقاف، وفي القديم كانت الدولُ مسيطرة على جزءٍ كبيرٍ من الاقتصاد الزراعي على شكلِ أراضي الصوافي كما في الدول العربية، وبعض الدول الحديثة أنشأت قطاعاً عاماً صناعياً للجوانب العسكرية خاصة، فكانت كل هذه مقدمة للدور الحكومي الموسع في الاقتصاد، وقد اندفع العديد من الدول تحت رايات الاشتراكية الوطنية أو القومية أو الماركسية في تملك جوانب من الاقتصاد، فغدت مصانع ومزارع ومتاجر مملوكة للحكومات.
لقد غدت الدول ذات ملكيات حكومية، وهو الشكل الاقتصادي المُسمى رأسمالية حكومية، حيث تغدو الدولة هي المالك والمتصرف بالمنشأة الاقتصادية، من حيث توفير الرساميل وجلب قوة العمل المناسبة للمشروع، وتحديد كيفية توزيع العمل داخل المنشأة، وتوزيع العمل على المستوى الوطني كذلك المتداخل مع توزيع العمل الداخلي للمؤسسة، والتصرف بمنتجات المؤسسة وكيفية تصريفها في الأسواق، وكيفية توزيع الفائض الاقتصادي الناتج وغير ذلك من مهمات تعود للمالك وأهدافه السياسية والاقتصادية.
وتغدو الملكية الحكومية الرأسمالية ذات مصدر سياسي، فإما أن يشرعها برلمان، وإما أن تفرضها القوة السياسية المتحكمة في الحكم، وتشريعها من قبل برلمان يجعلها ذات مصدر ديمقراطي، خاضع لشروط التحولات الشعبية، والمراقبة والتغيير، أما تشريعها من قبل حكم فيجعلها خاضعة لها في التصرف كيفما ترى ومندمجة في الإدارات الحكومية.
وبهذا فإن الرأسمالية الحكومية تغدو منشأة سياسية، ذات وجود اقتصادي، تخضع للمسار السياسي، فتغدو قطاعاً عاماً شاملاً كاسحاً أو تغدو قطاعاً عاماً جزئياً، وللمسارين أسبابٌ فكرية وسياسية، عند المتحكمين في المُلكية، وتغدو لكل من المسارين علاقة معينة بالقطاع الخاص، وبالملكية الخاصة، على مدى الزمن التاريخي في تحولات تشكيلة الدول النامية، السائرة من الإقطاع نحو الرأسمالية الحديثة.
ويكمن حضورُها في الرأسمالية ليس بسبب الطابع التاريخي للمرحلة فحسب، بل من طبيعة التملك وشراء قوى العمل، فمهما كان شكلُ التملك من عام ديمقراطي أو شمولي أو تعاوني، فهو يقوم على وجودِ مالكٍ رأسمالي ووجود قوى عمالية تبيعُ قوة عملها، حسب الأسعار المحددة في السوق.

صحيفة اخبار الخليج
29 ابريل 2009