المنشور

حكايات من تاريخنا (76)

* الأجانب في مصر عام 1927م
لأسباب متعددة، سياسية واقتصادية ووطنية وسكانية، لربما تعد مصر أكثر البلدان العربية تشددا في قانون الجنسية وضوابط حقوق التجنيس واكتساب الجنسية، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب بطبيعة الحال الانفجار السكاني المزمن الذي تعانيه مصر، وعلى الأخص بالنظر إلى مواردها الطبيعية المتوسطة الحجم أو شبه المحدودة.
ولولا ذلك، أي لو كان الباب مشرعا على مصراعيه بلا قيود للتجنيس وحق الإقامة الطويلة من دون ضوابط، لصعب تخيل حال مصر اليوم وشعبها من الأزمات في ظل انفجار سكاني أعظم مما هي عليه الآن. ومصر إلى ذلك تكاد تكون الدولة العربية التي لا توجد فيها مشاكل هجرة وافدة من أي نوع، مع مهاجرين إليها أو مقيمين إقامات دائمة سواء ممن يحسبون على الأقليات العرقية أو الدينية مثلا.
فليس لديها مشكلة مع من يعرفون خليجيا وعلى الأخص في الكويت بفئة “البدون”، وليس لديها مشكلة عمالة أجنبية أو عمالة عربية وافدة أو مهاجرة مستوطنة منذ مدد طويلة تزاحم أبناءها في أرزاقهم وتزيد أعدادهم على عدد المواطنين كما في شقيقاتها دول مجلس التعاون، وليست لديها كما لدى شقيقاتها دول الطوق الشامية (لبنان وسوريا والأردن) مشكلة وجود مخيمات فلسطينية مزمنة على أراضيها أو أي شكل من الوجود الفلسطيني الآخر الناجم عن النكبتين (1948، 1967)، وليست لديها مشاكل اثنية وعرقية ومذهبية تعقد من مسألة الجنسية والتجنيس فغالبيتها العظمى من العرب المسلمين السنة، مع وجود أقلية من الأقباط والمذاهب الإسلامية الأخرى، وحتى الأقلية القبطية لا تواجه أي مشاكل مع حكومتها فيما يتعلق بحقوقها الثابتة المقرة دستوريا وتاريخيا في حق اكتساب الجنسية، وعلاوة على ذلك فالأقباط العرب لا يستطيع أحد أن يشكك في عروبتهم أو انتمائهم الأكثر أصالة للتربة المصرية، كما هو الحال في المنازعات والمجادلات السجالية المحتدمة التي تدور رحاها في بلدان عربية حول التشكيك في الأصول العربية والولاءات الحقيقية لجماعات استوطنت تلك البلدان وعلى الأخص في الخليج العربي.
أرض الكنانة باختصار شديد أفاء الله عليها برحمته الواسعة بعدم تحميلها عبء كل تلك المشاكل السكانية النوعية بمختلف أشكالها التي ابتليت بها دول عربية عديدة، ذلك بأن لديها ما يكفي ويفيض كثيرا من المشكلات الداخلية الكبرى الأخرى على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسكانية (باستثناء التضخم السكاني فقط)، إذ لو كانت إلى جانب تلك المشكلات الداخلية الكبرى تغرق في المشكلات السكانية على اختلاف أنواعها، التي تعانيها شقيقاتها الدول الخليجية والشامية، ومن ضمنها قضايا التجنيس والعمالة الوافدة الزائدة والمهاجرة ومشاكل الأقليات والصراعات العرقية… الخ لصعب تخيل مدى أوضاع مصر الراهنة، لا بل لقلنا على “المحروسة” السلام.
وأيا كانت المآخذ اليوم على “ثورة يوليو” وما وقعت فيه من أخطاء سياسية تاريخية جسيمة، إلا أنه ينبغي الاعتراف موضوعيا بأن الفضل الأول يعود لها في حماية مصر وشعبها العربي من مزاحمة الأجانب لهم في بلدهم، ووضع قيود وضوابط مشددة على إقاماتهم في مصر، وهذا مكسب كبير لم يتحقق إلا بعد الثورة عام 1952م، حيث كانت مصر قبل ذلك أشبه بالباب المفتوح لكل من هب ودب من الأجانب ليقيم فيها أو لينهب ويلعب فيها كما يشاء على حساب مصالح وحقوق أبنائها الأصليين. ولنأخذ أوضاع السكان والأجانب في مصر عام 1927م كدلالة على ذلك، فالقاهرة بلغ سكانها في ذلك العام 000،060،1 نسمة في حين بلغ سكان الاسكندرية 000،573 نسمة.
وكان عدد الأجانب في مصر في ذلك العام قد بلغ 000،180 أجنبي ومقيم ثم قفز هذا الرقم خلال الحرب العالمية الثانية إلى أكثر من 000،250 أجنبي، أي أكثر من ربع مليون، أي أكثر من ربع سكان العاصمة وحدها حينذاك. وكانت الجالية الكبرى هي الجالية اليونانية، وبخاصة صغار التجار منهم الذين يمتهنون المضاربات المالية والربا وبيع الخمور، ثم أضحى العديد منهم في فترة قياسية من كبار التجار ومديري البنوك ورجال الصناعة، ولاسيما في مرفأ الاسكندرية، ثم تأتي الجالية الإنجليزية ووصل عددها في ذلك العام إلى 000،60 وبضمنهم بعض المهاجرين من سكان مستعمراتها في مالطا وقبرص والهند، ومعظمهم كان يعمل في التصدير أو رجال بنوك ومقاولين وخبراء شركات ومندوبين لشركة شل النفطية.
ثم تأتي الجالية الإيطالية ووصل تعدادها إلى 000،50 من الإيطاليين نصفهم يقيم في الاسكندرية وكانوا مشهورين بالمهن الحرة والتجارة وإنشاءات المباني والمساكن الراقية في تلك المدينة وتزيين واجهاتها بالزينات الكلاسيكية والتماثيل.
وأخيرا فإن على رأس ذيل القائمة تأتي الجالية الفرنسية التي وصل تعدادها في ذلك العام (1927م) إلى 000،25 معظمهم من اليهود المغاربة والتونسيين، وتشغل غالبيتهم مراكز مرموقة في حقلي الثقافة والمال ودراسة الآثار والتنقيب عنها.فوزية رشيد

صحيفة اخبار الخليج
28 مايو 2009