المنشور

عميد الأدب الروسي بوشكين وتراثنا العربي (2-2)

خلصنا في الحلقة الماضية، انه بالرغم من تأثر عميد الأدب الروسي الكبير الكسندر بوشكين بتراثنا العربي – الاسلامي، وهو التأثر الذي انعكس على مختلف جوانب عديدة من انتاجاته الابداعية، بما في ذلك تأثره بقيم الاسلام الانسانية والاشادة بها، فإن هذه القامة الادبية السامقة تكاد تكون مجهولة تماما في ثقافتنا ومغيبة من مناهجنا التعليمية ومكتباتنا.
لقد كان عصر ازدهار الحضارة العربية – الاسلامية يأسر لباب هذا الشاعر والأديب الروسي العظيم وعلى الأخص فيما يتعلق بازدهار ورقي المجالات الادبية والثقافية والفنية، ويمكننا ان نشير على سبيل المثال إلى تأثره بالاثر الادبي – الفني العربي الكبير الخالد “ألف ليلة وليلة”، الذي جاء مرآة لازدهار الحياة والحضارة العربيتين على مدى ستة قرون، ولعل قصة بوشكين الشعرية “رسلان ولودميلا” تجسد في بعض جوانبها الابداعية تأثره بكتاب “ألف ليلة وليلة”.
كما لم يكن التراث الشعري العربي بمنأى عن تأثر بوشكين به في سياق استلهامه وشغفه بشتى اجناس التراث الثقافي والادبي والفكري العربي، وكانت قصائد بوشكين العاطفية وشبه الغزلية تعكس تأثره بالبديع الشرقي، وعلى الأخص في التراثين العربي والفارسي. كما تأثر بوشكين بشخصية وسيرة الخليفة العباسي هارون الرشيد لما تركه من أثر في تراث الحضارة العربية – الاسلامية حتى انه حرص على حضور مسرحية اقيمت في بطرسبورج تتناول شخصية ذلك الخليفة.
وتميزت ابداعات بوشكين الادبية بالمزج ما بين المدرستين الغربية والشرقية، ويحسب لبوشكين انه افضل من تمكن من الادباء واللغويين الروس من امتلاك ناصية اللغة الروسية وجعلها مطواعة بين يديه لاستيعاب الثقافة الانسانية العالمية من دون ان تفقد هذه اللغة هويتها الوطنية المميزة.
وفي الوقت الذي كان فيه الكثير من المستشرقين الغربيين قد أخذ عليهم انهم اساءوا، بقصد او من دون قصد، لتراث الاسلام فإن اخلاص واعتزاز بوشكين بتراثه المسيحي الروسي لم يحل دون ابداء اعجابه بالاسلام وتراثه من منطلق انفتاحه الرحب المستنير على مختلف الثقافات الانسانية من دون تعصب أو أحكام مسبقة.
ولقد كان القرآن الكريم مصدر الهام للبطولة والشجاعة للمثقفين التقدميين الروس عشية انتفاضة الديسمبريين. وكذلك الحال فيما يتعلق بالسيرة النبوية التي تأثر بها رواد تلك الانتفاضة. وكان بوشكين في طليعة شعراء روسيا الذين تأثروا بالقرآن كما تجلى ذلك في قصائده “قبسات من القرآن”، وقد جذبته شخصية الرسول (ص) لتفانيه البطولي وصموده الاسطوري في الدعوة للديانة الجديدة الاسلام التي سرعان ما انتشرت عالميا بعد وفاته وتمكنه من توحيد القبائل العربية.
واعتبر المؤرخون والنقاد ان ديوانه “قبسات من القرآن” 1824م هو الشاهد الأكبر على تأثره الكبير بالتراث الروحي العربي- الاسلامي، وعلى وجه الخصوص بما تملكه آيات القرآن الكريم من قوة اشعاعية روحية جذابة للتغلغل في نفوس الناس في كل زمان ومكان وتجبر حتى من لا يدينون بالاسلام على احترامه إذا ما تجردوا من أي تعصب مغلق على ثقافتهم وشرائعهم الدينية.
لقد كان بوشكين على حد تعبير أحد النقاد الروس “يعرف الشرق الاسلامي افضل من كل شيء وأكثر من أي شيء”.
وما كان بوشكين ليقدر التراث العربي – الاسلامي حق قدره ويتأثر به اعجابا وانبهارا ايما تأثر من دون انكبابه الشغوف على مأثورات ذلك التراث الثقافية والدينية. وفي الوقت الذي لعب فيه هذا الشاعر المبدع الروسي الكبير دورا في جذب الروس وتنويرهم من خلال ابداعاته بالتراث العربي – الاسلامي من موقعه كمسيحي وكمثقف تقدمي مستنير في عصره فاننا نرى وبالرغم من تقدير الثقافة والادب الرسميين خلال الحكم السوفيتي لهذا الشاعر فان هذا الحكم لم يبرز ذلك الدور بما فيه الكفاية الذي لعبه بوشكين ولتوظيفه في تعميق صلاته بشعوب الجمهوريات الاسلامية السوفيتية من جهة وبشعوب الشرق العربي والاسلامي من جهة أخرى وهو ما أفضى إلى جانب عوامل اخرى إلى تجهيل تلك الشعوب بما يحظى به بوشكين من مكانة مفترضة في استلهام التراث العربي – الاسلامي.
فهل تبادر الجهات الروسية الرسمية والشعبية المعنية بالتراث والثقافة الروسيين إلى القيام بفعاليات ومبادرات لإحياء تراث بوشكين وسائر رموز الابداع والادب ممن كانوا يقدرون التراث العربي حق قدره لتوعية الاجيال الحالية الروسية والمخضرمة بدورهم في الاعتراف بينابيع الثقافة والحضارة العربيتين والاسلاميتين وبما يسهم في احياء وتعزيز جسور العلاقة التي تربط روسيا بالعالم العربي؟ وهل تبادر الأوساط والجهات العربية بدورها وبخاصة المطلعة منها على الدور الذي لعبه الروّاد المثقفون والمبدعون الروس الأوائل في انصاف التراث العربي الاسلامي والتأثر به واعلاء شأنه الانساني والحضاري بكل تجرد وانصاف لرد الاعتبار إليهم تعليميا وثقافيا في دولنا العربية؟

صحيفة اخبار الخليج
27 يونيو 2009