المنشور

يا.. محنة الإخوان في آخر الزمان!!

عرضت بعض وكالات الأنباء والصحف وبالخط العريض عن اعتقال قادة الإخوان المسلمين، وطبعا بعض من أعضاء التنظيم الدولي والذي بعض أعضائه في الشتات واللجوء السياسي كالداعية وجدي غنيم، والمقيم في جنوب أفريقيا كلاجئ سياسي، بعد أن تم وضعه على قوائم بلدان شتى بما فيها مملكة البحرين. ليست هذه أول مرة يتم فيها كشف النقاب عن تلك الخيوط التنظيمية، في مصر أو خارجها فهي تمتد لزمن امتد لعقود من تأسيس هذا التنظيم، بل وفي عز أزمنته وازدهاره، وكثيرا ما تم الكشف عن تلك الحقائق لدعاة عدة «خلعوا» بزتهم أو عباءتهم الدعوية والتنظيمية «معلنين البراءة» بعضهم بسلام دون ضغوطات وبعضهم تحت الضغوطات، أو نتيجة انشقاقات تنظيمية وجد بعضها أن تنظيم الإخوان انحرف عن مبادئه وأسسه التي دعا لها المؤسس الأول. لسنا هنا بصدد أهمية استعراض قائمة وسلسلة تاريخ هروب قادة تنظيم الإخوان في مراحل مختلفة من القمع والضربات التنظيمية، وإنما ما يهمنا في هذه المقالة هو انغلاق ذلك الزمن الذي فتحت فيه الأنظمة لهم أحضانها بالترحيب بالأموال والتدليل والتسهيلات، فوجدوا أنفسهم في قمة المجد والمال والثراء، بل وطاب بهم العيش بين عز النفط ورخاء الغرب المالي الذي هربوا نحوه كألمانيا واسبانيا وبريطانيا والقليل من دول غربية متناثرة فضلوا أن يكون قادتهم موزعين عليها بدلا من «التمركز» في موقع جغرافي واحد، حيث ظل خيط التنظيم الدولي قائما وبوجوه وغطاءات عدة، دون أن يكفوا عن التغلغل في جميع الأنشطة الخيرية والشعبية، التي من خلالها يستمر «عصب المال» وهو الدينامو المحرك لكل أنشطتهم، متدفقا من جميع الأوردة والشرايين العالمية، فمن خلال مناطق النفط يحاول ذلك التنظيم استخدام قناعه الديني منذ فترة أفغانستان وحربها مع السوفيت وتحت مظلة عالمية وبقيادة أمريكية، وهي ما نعتبره المرحلة الأولى من عمر الربيع المزدهر، حيث خرج لنا كتاب ومجلات ومراكز ومحطات وعالم لا يمكن تخيله لهذا التنظيم الأخطبوطي. وقد سعى مشروعه السري إسقاط أنظمة عربية مركزية في مرحلة الصراعات الإقليمية، ولكنه اخفق فما كان عليه إلا الهروب نحو أبار النفط واستغلال أوضاع سياسية متقلبة، دون أن ينسى ضمن مخططه الموقع الغربي للحراك السياسي الواسع ولأسباب دبلوماسية. خلال عقود أربعة أو يزيد استطاع بناء شبكة واسعة ومنظمات جماهيرية وقوة مالية ومؤسساتية وبنوك امتدت من سويسرا حتى جزر الواق واق! ومع ذلك كلما يتم ضبطهم يبدؤون في التباكي وتعليق سياسياتهم نحو مسألتين لا غير الانتخابات وإسرائيل، ولكنهم لا يمتلكون الشجاعة بقول حقيقة واحدة لا غير هو إنهم يمتلكون برنامجهم الفكري نحو تأسيس مشروع «دولتهم وحلمهم العظيم» وعندما وقعت انتكاسة مشروعهم في أفغانستان ومع حكومة طالبان، بل وتمدد الانهيار مع انهيار البرجين وشن العالم هجومه الواسع على كل مكامن ومواقع ذلك التنظيم، المتعدد الأسماء والأشكال والصيغ والأقنعة، وجدناه مجددا يعود لنفس الاسطوانة، بل والجديد فيها هذه المرة ولعهم الكبير بترديد اسطوانة جديدة شائعة هي حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية، وهم في حقيقتهم يدركون أن ذلك مجرد قناع لمشروع مختلف، المهم أولا الانقضاض على السلطة وبهدوء، لكون أن العنف مشروع فشل من أساسه، فلهذا استلام المؤسسات الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي مشروع استراتيجي لتنظيمهم، يبدأ بالدعوية وينتهي بقرض المؤسسات الرسمية تدريجيا وتنحيتها من الأسفل حتى الأعلى. اعتقد أن البكائية الإعلامية غير مجدية، إذ باستطاعتهم إقناع الإنسان العادي بها، أما من عاصروهم من المثقفين والساسة في العالم العربي فإنهم يدركون خفاياهم، ولا يحتاجون اكتشاف أنظمتهم، فأهل مكة أدرى بشعابها، ولا يحتاج المواطن تلمس تفاصيل جدرانه ورطوبتها! المساكين هم أولئك المثقفون من التنظيم الذين عاشوا لحظة الازدهار ومازالوا يتكيفون كالأسماك الملونة مع المياه العميقة والضحلة، وكل ما يكتبونه في الصحف هو ذاكرة سيئة للزمن، لعلهم يتذكرون ما قالوه ذات يوم، وفي لحظة خداع الذات، ونسوا عبارة شهيرة كثيرا ما سخروا منها في لحظتها «أن من يضحك أولا يبكي أخيرا». ما كتبه الدكتور الكويتي عبدالله النفيسي كواحد من رجالات الإخوان في الكويت في كتابه الهام «الإخوان رؤية مستقبلية» حيث أشار لوجود أسماء خليجية في التنظيم الدولي للإخوان باعتبار أن التنظيم له جذور قديمة تمتد لما بعد فترة أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات، حيث هلت علينا طلائعهم آنذاك فكان لهم علينا فضل الأولوية الدعوية. هكذا غابت شمس التنظيم الدولي للاخوان من زمن الاحتضان والتدليل والمال والأعمال إلى زمن الهروب نحو كهوف أفغانستان ووزير ستان حتى جنوب أفريقيا وأدغالها.
 
صحيفة الايام
28 يوليو 2009