المنشور

ثقافة العطالة العقلية: غياب التراكم

لعبت الايديولوجيات القومية والتقدمية أدوارها في إعطاء فاعلية أكبر للثقافة والفكر العربيين، رغم رفضها لليبرالية، وبالتالي عدم خلقها التراكمية القومية الديمقراطية التحديثية المطلوبة، عبر جعل أي مادة فكرية أو أدبية ذات جذور في الواقع، وهذه الجذور قد تصل لتاريخ القوم وما سائد فيه من فهم، أو تتوجه لجذور الواقع الراهنة وصراعاته الاجتماعية، مما جعل أي مادة معروضة، تتشبع بقوى الحياة الخلاقة.
والنزعتان السابقتان تمثلان الاتجاهين القومي والماركسي، باعتبارهما أكثر الاتجاهات حضوراً فقط على مستوى المرحلة السابقة، وهما يتماثلان في التصدي للاتجاه الليبرالي، حيث ان الأخير بعكسهما يسير نحو إيجاد مجتمع تعددي، ديمقراطي، فيما هما يسيران نحو مجتمع شمولي مضاد للغرب المهيمن، وفي افتراضهما أن التعددية تقود للتبعية، فيرونها بشكل آلي، وتقود عملية القطع مع الغرب إلى مشكلات فكرية عميقة.
وتقود الشمولية بطبيعتها إلى تصفية الآخر، وهما يمثلان نمو رأسمالية الحكومات العربية في أول تجلياتها الغامضة السديمية وهي تخرجُ من رحم القرون الوسطى، وفي البدء تتلاقح هذه الرأسمالية الحكومية مع الليبرالية، في زمن صعود الرأسمال الخاص التجاري خاصة، لكن الليبرالية وهي تنشئ مجتمعات ديمقراطية جنينية تبقى في دوائر الإصلاح الاقتصادي العام، وفي شعارات التنوير المجرد، بسبب طبيعة هذا الرأسمال وعدم وجود مشروع جذري له، وبالتالي فإنه يفقد حراكه ويتواصل صعود القوى الشعبية ذات المدارك البسيطة لحل المعضلات الكبرى بصور اختزالية شعارية، لتنشئ المجتمعات الشمولية العسكرية ذات الاتجاهات السابقة الذكر.
هنا تظهر الرأسمالياتُ الحكومية العربية بتوجهاتِ الوطنية والقومية والماركسية، لتقوم ببناء بعض أسس القواعد الاقتصادية الكبيرة.
وقد حدث تلاقح فكري بين هذه الاتجاهات من دون أن يكون عميقاً، وقد كان الاتجاه الماركسي الأوسع في بناء الثقافة العربية وتجذير ارتباطها في الواقع وتاريخ الأمة العربية، وحين ترنحت رأسمالياتُ الدول كونت ليبرالية سطحية، لا تستند إلى تاريخ متجذر سابق وإنما هي شعارات عن الحرية والتعددية والشفافية مع استمرار السيطرات الحكومية الواسعة، وبالتالي فقد رئي الواقع السابق ومفرداته بذات النظرة.
فحول الاشتراكية تمت رؤيتها كسقوط، فقد رأت(المعسكر الاشتراكي)، باعتباره عالماً اشتراكياً متوجهاً لإزالة الطبقات ذات الوجود الخالد، وانه قد فشل وانتهى. وبالتالي فإن النظرات لاستعادة هذا العالم غير ممكنة، والعالم كله عالم رأسمالي بحت.
إن الرأسماليات العربية الحكومية لم تحافظ على الهيكل الاقتصادي الصناعي العام ولم تقم بتطويره، وساحت الليبرالية من ثقوبه وفساده، ورددت القطاعات الخاصة ذلك.
فلم تقم الليبرالية العربية لا باستعادة تاريخها ودرسه، ولا بالمحافظة على القطاع العام وتنميته باعتباره أداة إزالة التخلف، فإذا كانت الاتجاهات القومية والتقدمية شكلت القطاعات العامة وضربت الليبرالية، فتقوم الليبرالية هذه بتصفية حساباتها مع القطاع العام ومع الفكرين القومي والتقدمي، فترجعُ لقشور الواقع وجزئيات التحليل والشعارات المفصولة عن النسيج العربي وتاريخيته.
هذا على المستوى السياسي يشكل قادة إما متصلبين وإما بلا ملامح قومية تقدمية، قادة مفرغين من وعي الأبنية الاجتماعية، ذوي اختصاصات محدودة معزولة.
قادة إما رافضين بشكل كلي لأي خصخصة في القطاع العام وإما مستعدين لبيعه. وكتاباً يوميين يرددون الشعارات الليبرالية المهمة لكن من دون تحليلات معمقة، خاصة فيما يتعلق بالاستفادة من الاتجاهات العربية الأخرى. فتظهر تلك الرأسمالية المجردة من دون درسها ونقد تجربتها عربياً.
أما على مستوى رؤية الأبنية الاقتصادية الحالية، واكتشاف أنها رأسماليات حكومية ولم تكن اشتراكية، على المستويين العالمي والقومي، فهي قراءة غير ممكنة بطبيعة الحال، لكون اكتشاف التاريخ العالمي يحتاج إلى مادية تاريخية متطورة.
إن التيارات المختلفة عموماً في تركيزها في صراعاتها الخاصة وإيجاد المجابهات بينها، هي مظاهر لتخلف الأبنية العربية التقليدية في إنشائها لرأسماليات حكومية شمولية، في مسارات اقتصاد بيع المواد الخام وتصنيعها الجزئي في أغلب الأحوال.
وبالتالي من الصعب في مثل هذا الوعي ظهور قادة لديهم القدرة على فهم ما هو المطلوب للتطور الوطني في كل بلد عربي، والمطلوب على المستوى القومي، وإنشاء التناغم التحديثي التصنيعي بين القطاعين العام والخاص، واستثمار الرساميل لتغيير البُنى الاقتصادية المتخلفة في الأرياف، والانتقال لتعليم مواكب للثورة التقنية، وغيرها من المهام العامة الكبرى، التي هي رؤى ناتجة عن تراكم الخبرات العربية المريرة السابقة، التي ركزت في التناحر الايديولوجي، وهو تعبيرٌ عن تناحر القطاعات الاقتصادية وعدم وجود تعاون استراتيجي لإحداثِ نهضة وطنية شاملة، يلعبُ فيها اليسارُ واليمين، القطاعُ العامُ والقطاع الخاص، دوريهما لتشكيل تلك النهضة التصنيعية المشتركة، كلٌ من موقعهِ الاجتماعي، ومن رؤاه، وبالتالي فإن للثقافة القومية والتقدمية، والليبرالية، لها مسارات مشتركة، ومتقاطعة كذلك، سوف يعمقها مسار الديمقراطيات الوطنية.
ويتمثل غياب التراكم بصورة أشد حدة في نشوء التيارات الدينية التي تريد أن تبدأ مما قبل المرحلة الليبرالية العربية قبل مائة سنة!
وعلى هذا الصعيد تنشأ مشكلات أكثر خطورة، لكون التيارات الدينية تمثل كذلك القنوات غير الصناعية، والعديد من أشكال رأس المال المالي، وهي أشكالٌ عولمية، تتوجه للاستثمار الخارجي غالباً، مما يجعل النصوص الدينية المستخدمة من قبلها نصوصا شكلانية دينية، أي أنها لا تصنعُ رأس المال الاقتصادي، ولا تكتشف مضامين النصوص الدينية، فيقود ذلك للمزيد من الفوضى الاقتصادية والانقطاع عن الجذور والقوى العربية الأخرى السابقة والراهنة.
هذا التكوين الفكري المؤسس المضطرب المتمزق للثقافة العامة هو المشكل للثقافة العقلية العاطلة في الوقت الراهن.

صحيفة اخبار الخليج
28 يوليو 2009