المنشور

صراعات الحداثة في القالب الديني

عتمدت خطابات الإصلاحيين في إيران على التداخل بين المصطلحات الدينية والمصطلحات الحديثة.
إنهم يشكلون جسماً حداثياً يحاول أن يخرج من نظام تقليدي، محافظين على أساسياته ومطورين بعض الجوانب السياسية فيه.
وهذا يمثل غموض وضع الفئات الوسطى، فهي لا تقدر أن تكون طبقة وسطى لديها مشروع سياسي متكامل.
إن تشتتَ وبعثرة الفئاتِ الوسطى يبدو في كون أغلب المؤثرين فيها من هم من الموظفين الحكوميين أصحاب القرارات والنفوذ على مدى ثلاثين عاماً، وبعضهم مدني وبعضهم عسكري، وتتعدد مثل هذه الجوانب وتتضارب.
توحدهم صيغة الدولة المهيمنة كلياً مثل بقية المجتمعات العربية الإسلامية.
وتنوعهم بين مدني وعسكري وديني بشكل شبه كلي وحداثي بشكل غير كلي، يعبر عن الجوانب الفكرية لهذه الطبقة.
إن هذه الأغلبية المنبثقة من السيطرة على الحكم والموارد، تعبر كذلك عن السيطرة على المادة الدينية التراثية المنتجة خلال أجيال، وهي في توجهها لإدارة البلد عبر نهج البقاء في الإرث، تختلف في إدارة الحكم وما هو الجانب الذي يبنبغي أن يكون مسيطراً، الجانب المدني أم العسكري.
القسم الإصلاحي لا يُعرف برنامجه الاقتصادي، هل هو عودة للقطاع العام الصناعي المسيطر الذي بدأ به موسوي قبل سنوات أم اقتصاد التنوعات وإعطاء القطاع الخاص عملية الحسم فيه؟
على الرغم من شعارات الرئيس المختلف على ولايته نجاد التي أظهر فيها عمله الكبير من أجل التخصيص فإن ذلك لم ينجح وبقي القطاع العام مسيطراً على الاقتصاد عبر البيروقراطية عامة والعسكرية خاصة، مما يشير إلى أن مصطلح (الإصلاح) العام المجرد في هذا السياق يشير كذلك إلى الرغبة في زيادة رقعة القطاع الخاص في تملك الثروة، وهو ما يقلقُ أغلبية الإيرانيين من هذا التوجه وعدم حماستهم له.
قام النظام الإيراني على دعم العامة وتضحياتهم الجسيمة، وراحت البيروقراطيات تنمو في أجهزة الحكم وتسيطر على الثروة العامة وتوجهها حسب البرنامج العسكري بدرجة خاصة، الذي وجد القوة والاتساع، وحين لم يجد جبهات عسكرية كما في البداية، شدد على خط المواجهات وافتعل بعضها ليبقي على هذه السخونة العسكرية التي يستفيد منها.
بطبيعة وضعه فإنه يوظف الملايين، وفي حالة تقزمه فإنها ستفقد وظائفها.
وهذا ما جعل أحزاباً يسارية معروفة بمعارضتها للدينيين تؤيد الدينيين المحافظين على المجددين!
فلايزال هنا ذلك الفهم التقليدي بأن أي قطاع عام هو أفضل من الخصخصة ومشكلات انفتاح السوق وفوضاه!
كذلك فإن بعض الدول ذات العلاقة بالقطاع العام أو بإنتاج السلاح وبيعه كروسيا، ترى في تغير إيران نحو اقتصاد السوق، ضياعاً لفرص استثمارها!
ولا تبتعد الأحزابُ اليسارية العائشة في هذه المناخات من تأييد ذلك، ولا ترى في اقتصاد السوق مستقبلاً جيداً، وبعضها ينطلق من موقف مبدئي متصلب، وبعضها ينطلق من منافع تجارية!
والدول الغربية لا تنطلق فقط من قضايا الحريات بل أيضاً من عملية الصراع الاقتصادي مع روسيا والصين وغيرهما، على السوق الإيرانية الواسعة المهمة.
وتحمل عملية الصراع بين المحافظين والإصلاحيين ذلك الغموض التجريدي الضبابي، بسبب عدم ظهور مصطلحات الصراع الاقتصادي، وكون الفئتين هما نتاج نظام تقليدي واحد، وهما تمثلان حالة هذه الفئات الوسطى المتفتتة، المعتمدة على نظام اقتصادي استخراجي خدماتي بشكلٍ أساسي، ولم تصهرهُ الصناعة الثقيلة لكي يجعل تلك الفئات طبقة صناعية تغير المجتمع ككل.
ومن هنا تجد كلٌ من الفئتين قوتها في النظام ومؤسساته وليس في الفئات التجارية والصناعية المتقزمة بسبب هيمنة الدولة الكلية.
وهذا على المستوى الفكري يجعل مفردات الدين خاضعة لهذه السيطرة شبه الكلية، فالإلهُ الواحد يعبرُ عنه فقيهٌ أعلى واحد، وهو أمرٌ يجعل المؤسسات السياسية البشرية تابعة كلياً لهذا الفقيه، وبالتالي تغدو مهمشة، وذات دور تابع.
وقد عجز الإصلاحيون عبر إنتاجهم الفكري من تطوير هذه المسألة التي طورها فلاسفة إسلاميون حتى في العصور السابقة، فنجد السيد خاتمي يرفضُ أساسيات الحداثة من علمانية وديمقراطية غربية، ويؤيدُ النظامَ الديني الكلي، وتغدو الخيارات السياسية داخله، مما يجعله من جهةٍ أخرى مؤيداً للنظام الشمولي هذا، فيغدو الخيار السياسي الراهن توسيع الحريات ضمن النظام الديني الشمولي! إنه تناقضٌ من الصعب حله.
ولكن المجتمع الآن يصطدم بقرارات المرشد الأعلى من تأييده للرئيس المختلف على نجاحه، وكذلك لخيار المواجهة المكلفة مع الغرب، وتصعيد التسلح وتشديد القبضة السياسية على المجتمع.
وهذا الموقف للمرشد يرتبط مع القوى العسكرية والبوليسية المتنفذة، التي اصبح نفوذها يعرقل تطور المجتمع ككل، وبالتأكيد إن هذا لا يعبر عن هدف الدين الإنساني.
إن هذا لا يتعلق بمواقف الشخصيات المجردة بل بقوى الفئات الوسطى المتذبذبة الممزقة الاتجاهات، لم يرفعها نظامُ الإنتاج المادي لتكون طبقة، ذات مصالح مشتركة، وعبر فكر تحولي ديمقراطي واسع النطاق، ومؤثر، وهي في مخاضها النضالي الراهن تكتشفُ بعضَ ذلك، وتتوحد على مستوى فكري يظل ناقصاً وبحاجة إلى تحولات عميقة.
وستظل إيران مدرسة ومعملاً نضالياً لتطور الأمم الإسلامية.

صحيفة اخبار الخليج
30 يوليو 2009