المنشور

من وحي الحفل التكريمي لنقابة “البا”… مشاعر وذكريات بعد ثمانية وثلاثين عاماً…

لم احسب نفسي وأنا أقف أمام ذلك الحشد العمالي الكبير أن أكون ضمن المكرمين من قبل نقابة عمال ألبا التي بفضل كوادرها البواسل أعادوا لي الشرف والعزة والكرامة. 

الحقيقة هي لحظة يختلط فيها الماضي المقبور بهمومه وعذاباته وظلمة سجونه من قبل رجال المخابرات البحرينية وبين لحظة الوقوف أمام عمال نقابة “ألبا” التي تعبر عن أصدق اللحظات في الاحتفال بأول مايو المجيد. 

قبل صدور قانون امن الدولة سيء الصيت وفي بداية الاستقلال 1971 تقدمت بطلب وظيفة إلى شركة ألبا وكانت في بداية الإنشاء، وكنت اعمل في الجزيرة التي أنشئت لتجميع المادة المصنعة للألمنيوم وهي جزيرة تقع في أطراف سترة تبعد عن المصنع قرابة ثلاثة كيلو مترات، تقدمت بهذا الطلب كما اعتقد في بداية شهر ابريل 1971 بوظيفة (انترمنت) تركيب الآلات الدقيقة وبعد الامتحان الصعب وإجراء الفحوصات والمقابلات المتكررة وبعد دراسة الشهادات التي حصلت عليها من ألمانيا الديمقراطية ومدى تطابقها مع طبيعة العمل الذي تقدمت إليه، تمت الموافقة وتم فيها تحديد الراتب وهذه الإجراءات جرت وفق طلب شخص انجليزي الجنسية ويدعي جون وهو الذي طلب مني التقدم للحصول على هذه الوظيفة حيث قام بمساعدتي بملء الاستمارة وفعلاً بعد يومين من تقديم الطلب تحت الموافقة على طلبي، لم اصدق ذلك إذ الأحلام كانت تراودني في بناء مستقبل زاهر. 

 المهم بعد أسبوع واحد أرسل لي خطاب من الشركة مضمونه انه لا يوجد لدينا في الوقت الحاضر أي عمل في اختصاصك ونأمل في المستقبل أن نتواصل لتحقيق طلبك ،وكانت الرسالة تحمل تاريخ 14/4/ 1971 ورقمها MAS/4250 وتحمل توقيع مسئول الشركةM.A.Shaher.
 
قدمت هذه الرسالة المشئومة إلى جون وقام مشكوراً بالاستفسار عن ذلك، وبعد التمحيص والبحث في الكواليس المظلمة جاء الرد منه (ممنوع عليك العمل في ألبا لأنك تحمل الأفكار اليسارية وفوق ذلك الشهادات التي حصلت عليها من إحدى الدول الاشتراكية وهي ألمانيا الديمقراطية وكذلك أنت عضو في إحدى المنظمات السرية.
 
هذا الخبر لم يكن مفاجئاً بالنسبة لي لأن في الأمور شخص ثاني هو الذي كان وراء ذلك وعلمت عنه في أثناء الاعتقال في 1972 وهذه من إحدى الخروقات التنظيمية.
 
المهم تبخرت الأحلام الوردية التي حملتها على كتفي وبعد يومين من استلام الرسالة جاءني مسئول كبير في الشركة وطلب مني أن لا أتواجد في الشركة فوراً وبدون سابق إنذار، فلما عرض الأمر على مستر جون ذهب تلاسن معهم في ذلك، لكن الرياح كانت قوية حيث أشار لي أن هناك جهات عليا أنت تعرفها، وفي المستقبل سوف تعرف المزيد عنهم، المهم توخ الحذر وقال ليست المخابرات وحدهم دائماً، هناك أشياء كثيرة آمل أن تعرفها مستقبلاً، لكنه كان رءوفاً بي حيث أرسلني إلى المنامة اعمل في “براند رود”.
 
ومنذ ذلك الوقت بدأت الملاحقات البوليسية عبر جواسيسها تلاحقني حتى انتهى بي المطاف معتقلاً في 17/3/1972 بسبب دوري القيادي في اللجنة التأسيسية لاتحاد عمال البحرين، مكثت في المعتقل الأول سبعة شهور وهو شهر العسل وبعد الخروج كنت على موعد مع المولود الأول بدر وهو الاسم الحركي الذي كنت انتقل به ، وصنته في حياتي عبر تسمية ولدي بدر.
 
في 1973 بدأنا نضع اللمسات التأسيسية في إقامة الاحتفال بأول مايو وتعميق الأفكار المطلبية في أوساط الطبقة العاملة وبجانب الاعتقالات المتكررة وملاحقة البوليس السري استطعنا أن نخلق كيانات نقابية، نقابة عمال البال والصحة والكهرباء وكذلك نقابة عمال الإنشاء، لكن وتيرة الأحداث المتلاحقة لم تمهلنا في تحقيق المطالب العمالية، لكننا استطعنا أن نضع اللبنات الأولى في شركة ألبا وبعد الاحتفال بأول مايو في المحرق عام 1974 تم اعتقالي في شهر يونيو، وأخذت أتنقل في سجون البحرين حسب مزاج إدارة السجون من سجن المنامة والقسم الخاص إلى الزنزانة المعروفة باسم أم البول مروراً بسجن الكنارة ومن ثم سجن الحورة وبعدها سجن الجفير في القاعدة الأميركية ومن ثم الى جدا حيث البعوض كان في انتظارنا، وبعدها في سافرة حيث اعدوا لنا صندقات خشبية باردة شتاءاً وحارة مثل مصهر ألبا صيفاً، مساحتها لا تتعدى مترين في مترين وانتهى بي المطاف في سجن جو وكنا أول نزلائه وأكملنا فيه العام السادس على منذ اعتقالي متنقلاً بين سجون البحرين.
خرجت وإذا بدر في صفه الأول في الدراسة وحرمت من تنشئته كطفل لكي يحس بدفء حنان الوالد، هذه ضريبة النضال العمالي.
 
الحقيقة هذا مشوار عمالي بدأته في بداية السبعينات وختمته في بداية الثمانينات وهو بمثابة شرف احمله في تثقيف وخدمة الطبقة العاملة.
 
بعد هذا المشوار الطويل المشبع بالجراح وعذابات السجون وآهات الليل ودموع الأمهات والزوجات وحسرة الشوق في تنشئة الأولاد، وبعد 38 سنة أقف بقامتي شامخاً والابتسامة تعلو وجهي أمام هذا الحشد العمالي وأكرم من قبل نقابة عمال ألبا البواسل، وبالتحديد أكرم من قبل هذا الطفل القوي المدلل علي البنعلي الذي حملته بين ذراعي في 1973 في بيروت عند ضاحية برج البراجنة وهو في الأشهر الأولى مع ولدي بدر. حقاً إنها ساعة اختلطت فيها دموع الفرح بدموع الحزن حقاً انه يوم سعيد من أيام مايو المجيد 2009.
 
والآن بعد هذا العمل الطويل تذهب بي الذكريات إلى شطحات رجال المخابرات وملاحقاتهم غير الإنسانية، تذكرت مستر شور وكيف كان يتفنن في تعذيبي و الاهانات غير الأخلاقية يرميها في حق أهلي وزوجتي، تذكرت مستر هندرسن الذي أمر بقطع لقمة العيش ودأب على ملاحقاتي في كل منعطف من حياتي، تذكرت كل هذه الويلات وأنا احمل شهادة التكريم.
الآن بعد 38 سنة حق لي أن ارفع راسي أمام العالم الحر وأقول في نفسي المعذبة هل الدولة التي استعانت بهؤلاء البرابرة والمرتزقة استطاعت أن تبني الدولة الحديثة.
 
تحية لنقابة عمال ألبا وتحية لعمال البحرين البواسل
لا الليل سيطفي أنواري
لا الريح ستمحو أسفاري
فخطو الخمسين بدايتنا
غرساً نارياً في الشمس.
 
خاص بالتقدمي