المنشور

التوجــه والتوجيـــه والفعـــل.. !

أن يوجه مجلس الوزراء الموقر قبل أيام كافة الوزراء إلى تكريس سياسة الباب المفتوح في التعامل مع قضايا المواطنين وأن يكونوا أكثر التصاقاً بالمواطن وهمومه، وأن يقترن هذا التوجيه مع توجيه آخر يقضي بتطويع التكنولوجيا بشكل فعال وإعداد الأدوات الفنية والقانونية التي تكفل متابعة عمل الوزارات وإنجازاتها وضمان تميز الخدمات التي تقدمها الحكومة من أجل المواطن وعدم التباطؤ في حصول المواطن على ما يريده من هذه الخدمات، والكشف عن التوجه لإيجاد نظام لقياس سرعة إنجاز الخدمات الحكومية ومعرفة مواقع الخلل فيها، فذلك توجيه وتوجه مرحب بهما إلى أقصى الحدود، حيث إن الأصل في الإدارة خدمة المواطن، وأن الإدارة الفاعلة هي التي تكتسب مبرر وجودها من خلال تنفيذها لهذه المهمة الحيوية وسعيها لتقديم هذه الخدمة بكفاءة وسرعة وبأقل كلفة ممكنة وعلى أساس الجودة والجدوى والأداء الأفضل والإتقان والنزاهة والشفافية وتقبل المساءلة. وأن يقوم وزير أو أي مسؤول تنفيذي كبير بجولة تفقدية إلى أحد مشاريع الوزارة، أو إلى إحدى إداراتها أو مرفق من مرافقها ليعاين ويتابع المشاكل أو ليوجه إلى معالجة أوجه القصور فيها، فهذه مسألة طبيعية وبديهية ومطلوبة دوماً ، وأن يقوم الوزير أو المسؤول التنفيذي الكبير ليناقش خطط الوزارة أو ليتداول مع قيادات أو أركان وزارته موضوعاً من موضوعات الشأن العام ذات الصلة بمشاكل ومصالح الناس والتسهيل عليهم والتي تدخل ضمن اختصاصات الوزارة ، فهذا هو الآخر أمر طبيعي وبديهي ومطلوب دوماً. ولكن ما هو غير طبيعي وغير بديهي وغير مطلوب أن يحول الوزير أو الوكيل أو أي مسؤول تنفيذي آخر جولاته التفقدية أو الاستطلاعية لأي من أجهزة وزارته أو تفقد أحوال مشاريعها إلى زفة إعلامية يرافقه فيها كوكبة من المسؤولين ومن أصحاب العلاقة وغير العلاقة، ومندوبي وسائل الصحافة والإعلام المحلية وأحياناً غير المحلية وكأنه يقود مظاهرة تأييد لسعادته، مظاهرة غير مرخصة مليئة بكل أنواع الشكليات والمظاهر الفجة التي تعكس صورة من صور هدر الأموال والإمكانات والطاقات والتي يراد بها مجرد الإيحاء بأن ما يقوم به الوزير أو المسؤول هو حدث فريد من حيث المعنى والإنجاز، وقد يضاف الى ذلك الإيحاء بأن كل حديث يدلي به لابد أن يكون له صداه، وكل خبر يخص سعادته لابد أن يحتل حيزاً واسعاً في صدر صفحات كل جريدة، وأن كل حركة يقوم بها هو حدث بذاته حتى وأن كان استقبالاً لزائر عابر أو اجتماعاً من اجتماعات المجاملة، أو من تلك النوعية من الاجتماعات المضيعة للوقت. وأن يظهر وزير أو مسؤول تنفيذي كبير بين فترة وأخرى ليعلن عن برامج ومشاريع وسياسات وأولويات وزارته ، فذلك هو الآخر أمر طبيعي وبديهي ومطلوب، خاصة اذا كان الهدف هو إحاطة الناس بآخر التطورات والمستجدات حيال هذا المشروع أو ذاك أو للتعريف ببعض السياسات والتوجهات الجديدة أو لشرح الأولويات وتبيان جدولة تنفيذها وإحاطة الرأي العام بأن هناك من سوف يلتزم بها، ولكن ما ليس طبيعياً ولا مبرراً ولا مقبولاً أن يشخصن العمل الرسمي ليظهر المسؤول التنفيذي الكبير في صورة تبيّنه بأن الزمان لم يجود بمثله، ومن دونه ستصيب وزارته وربما البلد في شلل، مستهدفاً مرة أخرى الأضواء والجلبة والظهور والحضور واستعراض المهارات الكلامية ليخلق انطباعاً عن العمل والإنجاز. وأن يعلن وزير بأنه سيتصدى لأي ثغرات أو أخطاء في مسار عمل وزارته، وأنه لن يتردد في الكشف عن أي خطأ أو تجاوز وتقويم أي اعوجاج، فذلك أمر نؤيده ونعلم جيداً بأننا اليوم في حاجة إلى ذلك قبل الغد، ولكن ما لا نؤيده ولا نهضمه تكرار الأخطاء والتجاوزات، وحينما تكون هناك خطوة بالنظر فيها تكلف نفس الجهات أو نفس الأشخاص الذين ارتكبوا الأخطاء أو ساعدوا عليها مهمة تصحيح هذه الأخطاء. وأن يعلن وزير أو أي مسؤول تنفيذي كبير بأنه يؤمن بحرية الرأي والتعبير، ويؤكد ترحيبه بالنقد البناء ويعتبره حالة ديمقراطية، فذلك أمر جميل لا ريب وباعث على التقدير، ولكن ما ليس مفهوماً على الإطلاق أن يضيق صدر هذا المسؤول بأي نقد أو ملاحظة ويعلن حالة الطوارئ للرد على من تجرأ بتوجيه نقد أو ملاحظة في صحيفة يتخطى ذلك بالإيعاز لجهة الاختصاص بجرجرة الصحفي إلى المحاكم. وأن يعلن وزير أو أي مسؤول تنفيذي رفيع بأنه يؤمن بسياسة الأبواب المفتوحة، والتواصل المباشر مع المواطنين ، والوقوف على مشاكلهم ويؤكد دوماً جاهزيته بالإيماءات التي تؤكد هذا المعنى، فذلك أمر هو الآخر إيجابي ومطلوب دوماً، ولكن ما ليس إيجابياً ولا مطلوباً أن نكتشف عندما نلتفت وننظر لواقع الحال أن الأفعال عكس الأقوال كلية. وأن يظهر لنا وزير أو أي مسؤول تنفيذي كبير بمظهر أنه حامل لواء الرؤية الاقتصادية 2030، وأنه ملتزم بمبادئها وبمحاورها وأهدافها، وأن كل أعمال وزارته، وسياساتها وبرامجها ومشاريعها باتت ترتكز على هذه الرؤية فذلك أمر جميل ومطلوب بل ولازم، ولكن الاستسهال في الإشارة إلى الرؤية في كل شاردة وواردة، في كل صغيرة وكبيرة وبرمجة كل التصريحات والمواقف والخطب والمشاريع لتكون متلازمة بمناسبة ومن دون مناسبة بالرؤية للإيحاء بأنه يسرع الخطى وبهمة في مناكب الرؤية والوفاء بأعبائها وتحمل مسؤولياتها، دون تعمق أو استيعاب حقيقي لمضمون هذه الرؤية وبموجبات الالتزام بها وبما تستهدفه من مبادئ ومحاور، فذلك أمر مرفوض وليس في صالح هذه الرؤية على الإطلاق. ما نريد أن نخلص إليه هو أن الموضوع يتصل بالمعضلات والتحديات، والسؤال الجوهري هو كيف يتحول التوجيه والتوجه إلى الفعل ليصبح تحديث الإدارة العامة وتطورها وإصلاح حالها بجرأة والتزام وعلى قاعدة الشفافية والمساءلة حقيقة ملموسة للعيان.. !!
 
صحيفة الايام
31 اكتوبر 2009