المنشور

من وجهة نظر يابانية

هل خطر في بال أحدنا يوماً التمعن في الطريقة التي ينظر بها اليابانيون إلينا؟،وكيف يرون مصادر علتنا؟، هم الذين قطعوا أبعد الأشواط في طريق النهضة، وكيف يقيمون مساعينا للتغلب على عوامل ضعفنا، انطلاقًا من كوننا، نحن العرب، أمة شرقية مثلهم؟ حول هذا السؤال يكتب مختص، هو المستعرب الياباني نوبو أكي نوتوهارا. لقد عاش هذا الدارس للغة وللحضارة العربيتين سنوات طويلة في القاهرة، وزار وأقام في مدنٍ عربية أخرى، وقد كتب كتاباً طرح فيه وجهة نظره في الموضوع دون أن يغفل مجال المقارنة الذي أشرنا إليه، فهو يتذكر أن عمره كان في الخامسة فقط عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، وكيف أنه رأى وطنه اليابان مهزوماً أمام الولايات المتحدة، وواجه مع أسرته مصيرهم بلا أي عون، ثم أنه رافق عملية إعادة البناء. يذكر الكاتب أن طوكيو التي عاش فيها مع عائلته طفلاً وشاباً كانت قد هدمت بالكامل حياً حياً وشارعاً شارعاً في الأيام الأخيرة مع الحرب دون أن ينسى الحديث عن دمار ورعب القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي، لكنه يتذكر أيضاً كيف نهضت اليابان من جديد: “أول ما فعلناه هو أننا وعينا خطأنا”، يقول الرجل، وهذا احتاج إلى سنوات طويلة وتضحيات كبيرة، لذا فإن السؤال الذي يطرحه على العرب هو لماذا لا يستفيدون من تجاربهم؟ لماذا لا ينتقد العرب أخطاءهم؟ لماذا يكرر العرب الأخطاء نفسها؟! ويقدم الكاتب هذه الملاحظة المخيفة من واقع مشاهداته في المدن العربية: “الناس في شوارع المدن العربية ليسوا سعداء وليسوا مرتاحين. الناس صامتون لا يتحدثون، ولكننا نسمع صرخة من خلال ذلك الصمت الخانق”، ولا نسعى لتلمس جذور أو أسباب تلك الصرخة، وإذ يقدم الينا الرجل بعض النقاط التي تتسم بها الشخصية العربية، فإنه يرد الأمر إلى غياب العدالة الاجتماعية في المجتمعات العربية، وبرأيه أنه بهذا الغياب تتعرض حقوق الإنسان للخطر، ويصبح الفرد هشاً وساكناً بلا فعالية، لأنه يعامل دائماً بلا تقدير لقيمته كإنسان. في اليابان يقولون، والكلام له، عندما لا يستطيعون الحديث بحرية: “عندما أفتح فمي فإن هواء الخريف ينقل إلى البرد”، وبرأيه أن على العربي أن يقول عندما لا يستطيع التصريح برأيه: تحت لساني جمرة، وأخطر نتائج ذلك، برأيه، هو شيوع الشعور باللاجدوى حتى لدى المثقفين العرب. المثقف العربي الذي نهل الحداثة غالباً من مصادر غربية لم يكلف نفسه عناء البحث عما في تراثه من مساهمات فكرية وإبداعية هي بمقاييس ذلك الزمان حداثية. وهذا يتطلب الكف عن وضع الحداثة في مواجهة القدامة، ولا اعتبار الحداثة مجرد أحداث تعاصرنا في مواجهة أحداث أو أفكار نشأت في الماضي لأن نصاً تراثياً أو سيرة مفكرة عاش في العصر الأموي أو العباسي قد تكون أكثر حداثة ونضجاً ومعاصرة من نصوص تكتب اليوم وقد تكتب في المستقبل. الذي يحدث اليوم هو أننا نستل من تراثنا أكثر الصفحات تخلفاً، التي وضعت في أشد الحقب ظلامية وانحطاطاً لنجعل منها منهاج الحاضر، فننشغل بالأصل والفصل ونوع النقاب وشكله وما إلى ذلك من توافه، لننصرف عن أسباب المعرفة والوعي والبناء، مراوحين في الدائرة المغلقة التي لن تفضي إلى شيء ما لم يجري كسرها.
 
صحيفة الايام
31 اكتوبر 2009