المنشور

تقرير الإيكونوميست.. حقائق مهملة!

التقرير الدولي الأخير الصادر عن وحدة الاستقصاء التابعة لـ «ذي ايكونوميست»، والذي حمل عنوان «مجلس التعاون الخليجي العام 2020 – منطقة الخليج وشعبها»، حمل حقائق اقل ما يقال عنها انها صادمة، كونها تؤشر بوضوح على مواقع خلل كثيرة باتت تعتري مختلف البنى الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية في جميع دول مجلس التعاون، وهي حقائق تحمل تحديات كبيرة، ستترتب عليها مستقبلا تداعيات سياسية وأمنية واجتماعية خطيرة، إذا لم يتم أخذ ما جاء فيها على محمل الجد، خاصة وأننا حتى في غياب هذا النوع من التقارير، بتنا نتلمس بحق بوادر تلك الحقائق، فهي بدت اليوم أكثر وضوحا عما كانت عليه من قبل، وها هي قد بدأت تلقي بظلالها على جميع دولنا وإن بدرجات متفاوتة. وقبل أن نسترسل في تحليل نتائج التقرير الأخير، يجدر بنا أولا قراءة بعض تلك المؤشرات، حتى تتضح الصورة بشكل اكبر. فالتقرير الذي هو الثاني ضمن سلسلة تقارير تبحث في أهم القضايا المرتبطة بعملية التطور الاقتصادي في دول المجلس خلال عقد من الآن، قد ابرز مجموعة من التحديات أمام صناع القرار في دول المنطقة، يأتي على رأسها نسبة النمو السكاني المتوقع زيادتها بحسب التقرير بنسبة ستبلغ الثلث من مجموع السكان الحالي، ليبلغ مجموع سكان دول المنطقة أكثر من 53 مليون نسمة مع حلول العام 2020، غالبيتهم العظمى ستكون تحت سن 25 عاما، كما يوضح التقرير بأن التغيرات الديموغرافية والاجتماعية الهائلة في دول مجلس التعاون أدت إلى تحولات كبرى فيها، وهي مهيأة للاستمرار خلال الفترة القادمة. وانطلاقا من تلك الحقائق الماثلة على الأرض، يطرح التقرير أسئلة عدة حول مسائل مصيرية حقا، لعل من بينها سياسات العمالة والهجرة، وقدرة وكفاءة البنى التحتية ونوعية الخدمات، والدور القادم للمرأة التي تحتل تدريجيا مواقع تأثير متزايدة ما كانت متوافرة لها في السابق، حيث الإسهام بشكل أكثر تأثيرا في عملية التنمية، والحضور الذي انتزعته النساء في عمومية المشهد في دول المنطقة. وفي جانب آخر يطرح التقرير مسألة جوهرية لا تقل خطورة عن ما سبق، تلك هي المتعلقة بحقيقة أن المجتمع السكاني الخليجي هو مجتمع شاب، بالمقارنة بمجتمعات شاخت وترهلت كالمجتمعات المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة، وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة على المشهد القادم، وهو يا ترى كيف ستتعامل دول التعاون خلال السنوات القليلة القادمة مع ما تتطلبه هذه الحقيقة من التزامات، حيث الأعداد المتزايدة من العاطلين في مقابل شُحة الوظائف وتراجع دور الاستثمارات والقطاع الخاص، وتضخم مؤسسات الدولة ببطالة مقنعة هي غير منتجة بالفعل، لكنها تستفيد في الوقت الراهن مما يوفره نظام الاقتصاد الريعي من ابتسار، فها هي بعض دول الخليج وتزامنا مع نشر حقائق التقرير أصبحت تجاهر بضرورة وجود نظام ضريبي وحقوق انتقال العمالة وغيرها. بالنسبة للبحرين، بدأت الدولة تتحسب لبعض تلك المؤشرات، وذلك عن طريق اتخاذ خطوات لإحلال وتمكين العمالة الوطنية، وبالتالي التخلص التدريجي من حجم وتبعات ما تفرضه العمالة الوافدة، المتوقع لها أن تكون قريبا عمالة مهاجرة، لها حقوق وأوضاع كتلك التي تتمتع بها في دولها الأصلية، وهي حقوق ذات طابع دولي ملزم في الغالب، حيث ترتبط بالحقوق والممارسات والحريات العامة والعمل النقابي والسياسي والأجور والامتيازات والعدالة والمساواة وغيرها، وهي بلا شك التزامات لا تبدو دولنا الخليجية ولا حتى تشريعاتنا، بل وحتى مجتمعات الخليجية مستعدة لها كما يجب! أضف إلى ذلك ما يعتري سياساتنا، مما سيخلط الكثير من أوراق اللعب حينها بأدوات ولاعبين جدد، سيفرضون شروطهم لحماية عمالتهم المهاجرة وأجورها وحقوقها، لتصبح معها دولنا في موقع لا تحسد عليه.. فهل سنستعد جيدا من الآن للاستحقاقات المنتظرة؟ وهل تكفي القرارات الفردية لكل دولة على حدة أم هو جهد جماعي من قبل الجميع، آن أوان التفكير فيه بشكل أكثر جدية؟!
 
صحيفة الايام
29 نوفمبر 2009