المنشور

السياسة والثقافة والتحولات (1)

في مجتمعٍ صغيرٍ يشتبكُ بحدةٍ وبأشكالٍ سريعةٍ وينطفئُ بسرعةٍ كذلك ويهمدُ سنين عدة ثم يثورُ بحدته السابقة الذكر ويحترقُ بضعة أشهر ثم يهمدُ ثانية، وليس فيه اتساع لتجذر الظاهرات السياسية والثقافية تجذراً عميقاً في الأرض، أو لتراكمها الواسع الكبير. والأرضُ عادة هي الناس، والناس ليست فيها شرائح واسعة لتعميق السياسة أو لحب الثقافة، تعتبرُ المناضلين مجردَ محركين للعيش، وقوىً قادرة على الغضب والصراخ في الشوارع أو على الورق، أما أن يكون لهم مؤلفاتٌ ونتاجاتٌ ليستْ على التصاقٍ مباشرٍ بلقمةِ العيش ونقدِ المؤسسات بقوة، فهذا الأمر لا يعنيها.
التصقتْ السياسةُ والثقافةُ في البلد التصاقاً مباشراً، فليس للثقافة تاريخٌ عميقٌ سابق، وحين كوّن التجارُ والبحارةُ والفلاحون المدينتين المحرق والمنامة، قاربوهما بأحياءٍ زراعية وبحرية تنضم إلى أبنية تنمو بشكل عفوي، وكان ما هو سائدُ في وعيهِم من أشكالٍ تعبيرية: المواويل والبوذيات والشيلات الحسينية وغيرها من وسائلِ التعبير المباشرة في المجالس والشوارع، التي كانت واضحةً في معانيها، بسيطةً في نسيجها.
وبهذه عبروا عن ضيقِهم من الفقر والعسف، وكان المعبرون المبدعون عنهم جزءاً منهم، وربما كانوا أميين مثلهم، وربما عاشوا البحر ومخاطره والأرض وظلمها والحرف وشقاءها، ومن هنا لم يكونوا قادرين على الاستقلال الثقافي، وتنمية أدواتهم، إلا النادر منهم، وغالباً ما يكون شيخُ دينٍ لديه موردٌ يجعلهُ مستقلا وقادرا على النمو في صناعة التعبير الدينية.
وبهذا كان الشاعرُ إبراهيم العريض ابنُ عائلةٍ تتاجرُ في أهم سلعة وقتذاك وهي اللؤلؤ، وبهذا الظرف، وبسببِ فترةِ إعدادٍ ثقافيةٍ طويلة في مجتمعِ أكثر تطوراً هو الهند، أمكنهُ أن يرتفعَ عن مستوى الثقافة الأميةِ الشعبيةِ السائدة في ذلك الوقت سواءً بإيجابيتها أم بسلبياتها. كان هو من عالمٍ آخر، وكان عالمُ الغوصِ ينهار، مما جعلهُ يبحثُ عن موردِ رزقٍ مغاير، وغدا التعليم عملاً وفكراً، فالمجتمعُ بحاجةٍ شديدةٍ إلى التعلم، والمدرسةُ هي بؤرةُ المرحلة السياسية – الاجتماعية، والمعلمُ هو مناضلٌ وأديب، وكان ثمة طريقان هنا: طريقُ العريض في تأسيس تعليمٍ ثقافي (رفيع) غير مباشر في منحاه السياسي، يتوجه للنصوص الأدبية الكلاسيكية ويشكلُ تحضراً بعيدَ المدى، وطريق عبدالرحمن الباكر والمعاودة في تأسيس تعليم سياسي مباشر يتوجه لهموم العامة، وفيما قاد الطريقُ الأولُ إلى الأدبِ المنفصل عن المباشرة والآلية، قاد الطريقُ الثاني إلى المنشور والمقالة النارية السياسية والتحقيق الصحفي وصياغة الأخبار المؤدلجة الموجهة وإلى الشعر السياسي، وتغلبَ الطريقُ الثاني خاصةً مع ظهورِ الصحافة شبه الحرة في أوائل الخمسينيات، حيث تُكتب في حرارة البلد وتُطبع في لبنان.
الطريقتان الكتابيتان متضادتان على نحو كبير، فأدبيةُ العريض عازفةٌ عن التلاصقِ الحميمِ مع حرارةِ الحياة، تنأى عن الموضوعاتِ الشعبية وفنونها وجمالياتها، وتتوجهُ للتأملِ البارد في العديد من الأحيان، وتصطنعُ موضوعات، وتغرفُ من عمقِ اللغة العربية والتراث، وتؤسسُ أدبيتَها في المجلاتِ العربية ، وتهتمُ بقضايا تغدو مركزيةً في الحياة العربية المخضبة بالدماء خاصة قضية فلسطين التي تغدو مهمة حيناً ومشجباً في أحيانٍ عدة، تُعلقُ عليها عملياتُ التخفي والهروبِ والنقد المراوغ.
رغم شحوب هذه الطريقة فإن لها اتصالاً بما هو عميق، بقوانين الأنواع الأدبية والفنية، بالاتصال بالثقافة العربية ولكن فترة العريض الكلاسيكية كانت تضعُها في قوالب عبر الشكل والوزن والمعاني، لهذا لم تتصل بالطريقة الكتابية الثانية ولم تقم بتحليل الواقع بهذه المواد الغنية القادمة من الثقافة العربية، رغم أن شعراء استفادوا من العريض ووظفوا القالب نفسه في الهتاف السياسي والنقد الاجتماعي.
كانت طريقةُ العريض ترفضُ توظيفَ الثقافة في الحياة الاجتماعية والسياسية، لكن المجتمع كان ساخناً ويدخلُ معركةَ الصراع ضد الاستعمار البريطاني وكانت أدواتُ الكتابة المختلفة مهمة، لكن كانت أدوات الكتابة هذه سطحية كذلك، فهي ليست انقلابا جذريا على الموال، فهي تعتمد المباشرة، والنظرة الجزئية، ونقد اللحظة الراهنة، مما يعبرُ عن عاطفية شديدة ومحدودة وعن غياب النظرات الموضوعية العميقة، ولهذا بعد غياب الأحداث الخمسينية وهدوء العواطف السياسية المتلهبة، أخذت هذه الكتابات تدخل في نفق، فإمكانية تطوير المقالة قلت كثيراً بزوال الصحافة في البلد، والقصة القصيرة غدت نادرة، وتوجهت الكتابات للقضايا الجزئية ومعالجة المشكلات المحدودة كالطلاق وأوضاع اليتامى وضرورة الإحسان الخ، وحين عادت الصحافة في أوائل الستينيات كانت ابرز الأقلام قد تغيرت، فملكيةُ الصحفِ وما تعطيه من مداخيل قد أوجدت لغةً صحفيةً مختلفة عن لغة “المانشيتات” الملتهبة السابقة، وعن التركيز في كشف الأخطاء وطرح الموضوعات السياسية الوطنية، وأخذت الصحافةُ ترتبطُ بالدوائر الحكومية وأخبارها، وابتعدت عن القضايا المثيرة، وتخصصت وتنوعت أبوابها بسبب ذلك، وكان هذا يقود أيضاً لنمو بعض الكتابات وتجذرها في الأرض، وكانت هذه فرصة مهمة لنمو الأنواع الأدبية والفنية والفكرية على أسسٍ مختلفة عن فترة الخمسينيات.

صحيفة اخبار الخليج
29 نوفمبر 2009