المنشور

بعد عقد من اندلاعها‮.. ‬حرب التصفيات بين أمريكا والقاعدة في‮ ‬أعلى ذراها‮!‬

تنجح القاعدة في‮ ‘‬زرع‮’ ‬أحد أفرادها بين زحمة ركاب إحدى رحلات الطيران الأمريكية المتجهة إلى ولاية ديترويت الأمريكية وذلك بهدف تفجير الطائرة وقتل جميع ركابها وطاقمها البالغ‮ ‬عددهم أكثر من‮ ‬300‮ ‬راكب وإحداث صدمة سياسية ونفسية ومعنوية لدى النظام السياسي‮ ‬الأمريكي‮ ‬والأمريكيين عامةً،‮ ‬ليلة أعياد الميلاد،‮ ‬لولا أن‮ ‘‬القنبلة البشرية‮’ ‬فشلت هذه المرة،‮ ‬في‮ ‬آخر لحظة،‮ ‬في‮ ‬نزع فتيلتها أو صاعق تفجيرها،‮ ‬وتمكُّن ركاب الطائرة من السيطرة على الإرهابي‮.‬
وقبل فترة وجيزة من ذلك حاولت القاعدة تحقيق اختراق أمني‮ ‬جديد داخل الولايات المتحدة والقيام بعملية إرهابية نوعية إلا أن أجهزة الأمن الأمريكية نجحت في‮ ‬إلقاء القبض على الإرهابي‮ ‬المكلف بالمهمة‮.‬
إنما في‮ ‬المرة الثالثة،‮ ‬وحيث تمكنت القاعدة من تضليل وخداع المخابرات الأمريكية بإيهامها بتحول أحد عناصرها للعمل لصالح المخابرات المركزية الأمريكية،‮ ‬بينما كان في‮ ‬الواقع‮ ‬يعمل عميلاً‮ ‬مزدوجاً‮ ‬لدى الطرفين،‮ ‬في‮ ‬هذه المرة،‮ ‬وبعد بضعة أيام فقط على فشل محاولة تفجير طائرة ديترويت،‮ ‬نجحت القاعدة،‮ ‬بواسطة عميلها المزروع من قتل‮ ‬7‮ ‬من عملاء السي‮.‬آي‮.‬ايه في‮ ‬أفغانستان في‮ ‬ضربة أمنية موجعة لإدارة أوباما وأجهزتها الأمنية‮.‬
بالمقابل تنشط الولايات المتحدة،‮ ‬في‮ ‬حربها المفتوحة على الإرهاب منذ أن باغتتها القاعدة بهجمات الحادي‮ ‬عشر من سبتمبر‮ ‬2001‮ ‬الإرهابية،‮ ‬مجندةً‮ ‬في‮ ‬ذلك ومستنفرة كافة إمكاناتها وأجهزتها الأمنية‮. ‬حيث كانت خصصت فيلقاً‮ ‬سرياً‮ ‬يقوم بتنفيذ عمليات تصفية واغتيالات في‮ ‬الخارج في‮ ‬تكتم شديد،‮ ‬وكان‮ ‬يرفع تقاريره مباشرة إلى نائب الرئيس السابق ديك تشيني‮ ‬من دون علم المؤسسة التشريعية الأمريكية‮. ‬ورغم انكشاف هذا الأمر إلا أن الأجهزة الأمنية الأمريكية،‮ ‬لاسيما السي‮.‬آي‮.‬أيه‮. (‬وكالة المخابرات الأمريكية‮) ‬لازالت تقوم بدور نشط في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬على صعيد جمع المعلومات والملاحقة والاختطاف والتصفية الجسدية‮.‬
أسطع مثال هنا تقدمه لنا الغارات التي‮ ‬تشنها طائرات التجسس الأمريكية التي‮ ‬تطير من دون طيار وتنفذ عمليات‮ ‘‬جراحية دقيقة‮’ ‬داخل معقل القاعدة الرئيسي،‮ ‬أي‮ ‬المنطقة القبلية الباكستانية المحاذية لأفغانستان،‮ ‬حيث زادت فعالية وكثافة هذه الطلعات في‮ ‬الأشهر القليلة الماضية وبلغت عمليات القصف الصاروخي‮ ‬الموجه التي‮ ‬نفذتها في‮ ‬العام الماضي‮ ‬وحده‮ ‬44‮ ‬غارة قتلت خلالها أكثر من‮ ‬700‮ ‬ممن استهدفتهم من عناصر القاعدة المتموضعين في‮ ‬وزيراستان‮.‬
ولا‮ ‬يقتصر هذا الأسلوب التكنولوجي‮ ‬بالغ‮ ‬التعقيد المستخدم في‮ ‬الحرب‮ (‬بوجهيها الخفي‮ ‬وشبه العلني‮) ‬على القاعدة،‮ ‬لا‮ ‬يقتصر على معاقل القاعدة في‮ ‬باكستان رغم كثافتها واستمرارها وانتظامها هنا،‮ ‬وإنما‮ ‬يمتد ليشمل،‮ ‬وفقاً‮ ‬لما هو معلوم وحسب،‮ ‬اليمن والصومال وبعض البلدان الأفريقية التي‮ ‬اتخذت القاعدة من بعض أجزائها الصحراوية ملاذات آمنة وقواعد انطلاق لشن عملياتها الإرهابية‮. ‬وقد أدت هذه الغارات الخاطفة والمباغتة إلى قتل أعداد كبيرة من عناصر القاعدة بمن فيهم بعض الرؤوس القيادية الميدانية‮. ‬كما أن الحرب التي‮ ‬تشنها قوات الجيش والأمن الباكستانية في‮ ‬إقليمي‮ ‬سوات ووزيرستان الباكستانيين ضد ميليشيات طالبان باكستان المتفرعة عن طالبان أفغانستان والقاعدة،‮ ‬بالوكالة عن الولايات المتحدة،‮ ‬قد حجَّمت الطاقات البشرية والمادية للتنظيم وأفقدته تركيزه الأمر الذي‮ ‬يجد تفسيره في‮ ‬ذلكم الجنون المتفجر في‮ ‬شكل عمليات انتحارية عشوائية مدمرة لم توفر حياً‮ ‬أو جماداً‮ ‬في‮ ‬المدن الباكستانية‮.‬
هي‮ ‬إذن حرب تدميرية وتصفيات جسدية مفتوحة طرفاها حلفاء الأمس القريب‮: ‬القاعدة وجهاز المخابرات الأمريكية‮ ‘‬سي‮.‬آي‮.‬أيه‮’‬،‮ ‬إبان الحرب‮ ‘‬المقدسة‮’ ‬ضد الاتحاد السوفييتي‮ ‬في‮ ‬أفغانستان‮. ‬القاعدة وكبار المشرفين على معسكراتها في‮ ‬أماكن إقامتها المعروفة وعلى رأسهم أسامة بن لادن الذي‮ ‬اعتبر نفسه المساهم الأكبر في‮ ‬الجهود الأمريكية لإطاحة الاتحاد السوفييتي‮ ‬والمرشح الأوفر حظاً،‮ ‬افتراضاً،‮ ‬لنيل جزء من‮ ‬غنيمة تقهقره وانهياره‮ .. ‬والولايات المتحدة ممثلة في‮ ‬أجهزتها الأمنية خصوصاً‮ ‬السي‮.‬آي‮.‬أيه‮.‬
وفي‮ ‬حين اجتمع الطرفان وحاربا تحت راية محاربة الشيوعية كإطار أيديولوجي‮ ‬جامع استخدماه لتحريض واستنهاض واستقطاب الشباب المسلم والزج به في‮ ‬ميدان القتال في‮ ‬أفغانستان،‮ ‬فإنهما اضطرا للبحث عن محرض أيديولوجي‮ ‬لكل منهما بعدما افترقا وانتقلا إلى مرحلة الصدام والحرب المفتوحة التي‮ ‬مازالت مندلعة بينهما إلى اليوم،‮ ‬وذلك من أجل تبرير حربهما ضد بعضهما البعض ولإذكاء جذوة الكراهية والانتقام لدى محازيبهما من الدول والجماعات والأفراد‮.‬
فكان أن استقر رأي‮ ‬القاعدة ورؤوسها على أيديولوجيا الجهاد ضد الغرب الصليبي‮ ‬وذلك في‮ ‬محاولة ماكرة لاستدعاء التاريخ وإسقاط الحروب الصليبية للقرن الثالث عشر على المعركة الثأرية التي‮ ‬قرروا خوضها ضد أمريكا بعد تخليها عنهم عقب انتهاء‮ ‘‬المهمة‮’ ‬في‮ ‬أفغانستان،‮ ‬بينما اهتدت الطبقة الحاكمة في‮ ‬الولايات المتحدة لفزاعة الإرهاب كأيديولوجيا لتأليب الرأي‮ ‬العام والمجتمع الدوليين على القاعدة وتفريعاتها وامتداداتها في‮ ‬الجماعات الإسلامية المتطرفة وتحقيق إجماع دولي‮ ‬على محاربة تنظيم القاعدة وتفريخاته باعتباره تنظيماً‮ ‬إرهابياً‮ ‬فكراً‮ ‬وممارسةً‮.‬
وكان أن نجح الطرفان في‮ ‬تحقيق الاستقطاب المطلوب لتعزيز صفوفهما في‮ ‬المعركة التي‮ ‬قررا خوضها كل وفقاً‮ ‬لإمكاناته ومصالحه وحساباته،‮ ‬فحولا العالم بأسره إلى ساحة حرب مفتوحة‮ ‬يتناطحان فيها‮ ‬غير عابئين بالضحايا الأبرياء الذين‮ ‬يسحقونهم في‮ ‬خضم تطاحنهما الدموي،‮ ‬وبآثار هذه الحرب المدمرة على الدول والمجتمعات والأفراد اللائي‮ ‬زُج بهم على الضد من إرادتهم في‮ ‬هذا الصراع المجنون‮.‬
هي‮ ‬إذاً‮ ‬حرب انحراف واصطدام المصالح مغلفة بأغلفة إيديولوجية لاهوتية وأخلاقية انتقاها الطرفان بعناية شديدة لإيقاع أكبر قدر من التأثير بواسطة خطابيهما التبشيريين على‮ ‘‬أسواقهما البشرية‮’ ‬المستهدفة‮. ‬ففي‮ ‬مقابل أجهزة الميديا الغربية الاخطبوطية التي‮ ‬تم تجنيدها في‮ ‬الحرب الإعلامية والنفسية ضد القاعدة وفكرها الاستئصالي‮ ‬المدمر،‮ ‬واستخدام التكنولوجيا المتقدمة لرصد ومتابعة مواقع القاعدة على شبكة الانترنت والتشويش عليها أو استغلالها دعائياً‮ ‬بتقديمها لكتلة المتلقين عبر العالم بوصفها دلائل على الطبيعة الإرهابية والهمجية التي‮ ‬يتصف بها منظرو ومنفذو فكر القاعدة والجماعات الإسلامية السائرة في‮ ‬ركبه‮ ‬‭-‬‮ ‬في‮ ‬مقابل ذلك سارع قادة تنظيم القاعدة منذ البداية إلى إلباس معركة تصفية الحسابات بينهم وبين حليفهم السابق جهاز السي‮.‬آي‮.‬أيه وبقية المنظومة الأمنية الأمريكية ومستواها السياسي‮ ‘‬البيضاوي‮’‬،‮ ‬لبوس الدين،‮ ‬إذ اعتبروا أنهم إنما‮ ‬يخوضون معركة نيابة عن الإسلام والمسلمين ضد الغرب الكافر أو أحفـاد الصليبيين الذين‮ ‬يستهـدفون الإسلام والمسلمين‮. ‬وقد نجحوا‮ ‬‭-‬‮ ‬والحق‮ ‬يقال‮ ‬‭-‬‮ ‬إلى حد كبير في‮ ‬استدرار عطف واستدراج تأييد ودعم قطاعات واسعة من العرب والمسلمين الذين لم تترك واشنطن والغرب عموماً‮ ‬سانحة إلا واستدعت فيها‮ ‬غضبهم وسخطهم على سياساتها المعادية للعرب والمستفزة لمشاعرهم‮. ‬حيث حققت لهم هذه الاستثارة وهذه البروباغاندا الإيديولوجية المحمومة نتائج باهرة على صعيد التعبئة البشرية وعلى صعيد الإمدادات المالية والدعم الإعلامي‮ ‬والسياسي‮ ‬سُخرت خلاله منابر الجوامع والمساجد والصناديق والمؤسسات الخيرية المنتشرة كالفطر في‮ ‬عموم الساحة العربية تحت تأثير صعود الموجة الدينية مطلع ثمانينيات القرن الماضي‮ ‬نتيجة للثورة الإيرانية في‮ ‬عام‮ ‬‭.‬1979
اللافت والغريب في‮ ‬الأمر أنه مثلما أن الولايات المتحدة لا تستهدف التطرف وهو مصدر الإرهاب وإنما تستهدف المتطرفين المتحولين إلى إرهابيين،‮ ‬فإن القاعدة بالمقابل لا تستهدف إسرائيل رغم انها تعتبر بمثابة ولاية أمريكية‮ ‬غير متوجة وإنها أكثر من آذى العرب من الدول الغربية التي‮ ‬لم توفرها‮ ‬يد القاعدة‮. ‬حيث بقيت إسرائيل بمنأى ومأمن من استهدافات القاعدة وعملياتها‮.‬
وبقدر ما‮ ‬يثير هذا الأمر علامات التعجب والاستفهام بقدر ما‮ ‬يدلل على الطبيعة الثأرية الحصرية للحرب بين حلفاء الأمس‮. ‬واليوم وبعد مرور عشر سنوات من‮ ‘‬تدشينها‮’ ‬فإن هذه الحرب العدمية راحت تطاول أعلى ذرى الطيش والجنون الجنائزي،‮ ‬مدخلة العالم في‮ ‬دوامة التيه واللايقين الكاتمين على أنفاس سكانه بمجملهم‮.‬
 
صحيفة الوطن
30 يناير 2010