المنشور

في الوعي النهضوي الأولي (3 – 3)

يسيطر وعي التناقضِ مع الغرب على وعي الإنسان العادي، نظراً لأن الغربَ الذي يراه هو سياسة السيطرة المرئية بكلِ نتائجِها وعبر التمدد في العالم بالاقتصاد والسلاح وبكل اصطداماته، كذلك فإن مشروعَ التحرر العربي لم يُستكمل، والكثير من الموارد منهوبة، لكن هذا الإنسان العادي من جهةٍ أخرى يحس بأن الغربَ هو الحضارة القائدة، وهو القيمُ الديمقراطيةُ التي انتشرت، وهو الحداثة التي أضاءت وصنعت، لكنه بطبيعة الحال لا يستطيع أن يربطَ ويحلل هذه التناقضات.
خاصةً أن المجتمعَ السعودي تنخرُ فيه قوةٌ متطرفة تعادي الغربَ بشكلٍ كلي، وتستخدمُ الموادَ الصحفية اليومية والأحداث الشنيعة التي تكشفُ تناقضات الغرب، محرضةً العوامَ على الاستمرار في التصدي للغرب العام هذا، ومقاومته، وحربه!
ولهذا فإن حادثة الممرضات البلغاريات اللواتي قمن بتسميم الأطفال الليبيين تُؤخذ كمادةٍ تحريضة قوية، فتظهرُ الصفقات المشينةَ بين سلطات استغلالية بشعة عند كل الأطراف، وتُقارن مجزرة الأطفال واستقبال الممرضات المجرمات حين وصلن إلى بلدهن بعد تلك الصفقة بالورود!
إن موضوعية التحليل هي فوق الخرائط القومية والوطنية، ونقد الاستغلال والاجرام والأخطاء لا يتعلق بعرق أو منطقة أو مرحلة، ولهذا فإن التعميمات مضرةٌ خاصةً لوعي نهضوي في منطقةٍ مليئةٍ بالتعصب! مثل هذا التعميم عن الأخلاق المذكور عن البليهي:
(ان القيم الأخلاقية عندهم مازالت أقوى مما هي لدى المسلمين في المجتمع الإسلامي، معتبراً أن من يتحدث عن ذلك الانهيار الأخلاقي “يعتبر عادة أن الأخلاقَ ليست إلا الجنس، وهو هنا كمن يدخل قصراً مبهراً فلا يرى فيه إلا صندوق القمامة”).
بطبيعة الحال مستوى التطور الأخلاقي لدى الغرب أفضل من لدى المسلمين بحكمِ التطور النهضوي الديمقراطي الطويل حيث تعرية الفساد وكشف الرذائل وعدم التستر عليها وغير ذلك من أدوات، ولكن ليس ذلك بإطلاقٍ وتجريدٍ وتعميم كحالة الممرضات البلغاريات أو غيرها من ملايين الحوادث.
ويغدو النقدُ الموجه للمسلمين حالةً مرضية، بغيابِ التحليلات الموضوعية الطويلة وبعدم تعريض التاريخ للتشريح، فالبليهي يتوجه إلى تجريد التاريخ الإسلامي من الجوانب الإيجابية ومن الدور الإنساني!
(وشكك البليهي في الادعاءات التي يرددها المسلمون حول فضل العرب على الحضارة الغربية، واعتبر أن تلك الحالات كانت حالات فردية لا تعبر عن وجود مناخ عام علمي وثقافي في العالمين العربي والإسلامي خلال عصور نهضته، وأكد أن العلماء الذين نقل عنهم الغرب كانوا في الأصل ناقلين عن الحضارة الغربية مثل ابن رشد الذي شرح فكر أرسطو الغربي).
لم يكن أرسطو غربياً، ولم يكن العربُ ناقلين بشكل نسخي للحضارة الإغريقية المغايرة عنهم، وليست كل نهضة هي غربية بالضرورة، أو أنها هي المقياسُ الوحيدُ للتاريخ، وحتى العرب الآن والشرقيون في نهضتهم لا ينسخون الموديلَ الغربي، بل يستفيدون منه في جوانب، خاصة المنهجية والأدوات التحويلية المختلفة، عبر ظروفهم وتقاليدهم وتنامي تجاربهم، أي داخل عوالمهم ومجتمعاتهم.
تماثل رؤية البليهي رؤى بعض رواد النهضة العربية الأولى كسلامة موسى التي كانت تقومُ على نقلِ المواد الثقافية الجاهزة، حيث لم تسعفها أدواتُ الإنتاجِ للتحليلِ الوطني، لهذا كانوا يريدون إزاحةَ عالمٍ متخلفٍ عبر استقدام العالم المتطور دفعةً واحدة، من دون الإنتاج والتحليل والصدام مع الظاهرات السلبية في شتى حقول السياسة والحياة الاجتماعية والفكرية، ومن هنا يركز البليهي في التنوير وبث علوم الإدارة من دون أن يقوم بتحليل الهياكل الاقتصادية خاصة هياكل الصناعة والمؤسسات السياسية وكيفية تحكمها في الفوائضِ الاقتصادية وطرقِ توزيعِها لهذه الفوائض على الأقاليم والناس والطبقات، أي على إعادة الإنتاج المادي المتقدم وحفز أشكال الإنتاج الفكري المتطور.
أشكالُ النهضةِ ناجزةٌ وجاهزةٌ لدى الغرب وما على المتخلفين سوى استنساخها حسب هذا التصور، ومن هنا يغدو عرب الماضي غير مبدعين، رغم أن حراك الفئات الوسطى الحرة بدأ لدى اليونان، وتوسع وتعمق بالمدن العربية، التي حُوصرت من قبل الإقطاع، وذهبتْ الموادُ المشعةُ لمدنِ الغرب القلاع (البرجوازية) التي تمكنتْ من إزالةِ تقليدها المتخلف، والانطلاق بقارتِها وبالإنسانية نحو آفاق تقدم متناقضة كذلك، فهي تحررُ وتستعبد، ولدينا الآن إمكانية تجميع مختلف مواد الحرية السابقة والراهنة، لتحويل فسيفساء كل بلد، وإيجاد تطورات حرة. ولهذا فإن بحث وجود هذه الفئات الحرة ومدى شروط تطورها وتفكيك قيودها، هي مهماتُ البحث التحليلي الذي لا يقتصر على التنوير الثقافي المجرد!

صحيفة اخبار الخليج
29 مارس 2010