المنشور

باكستان دولةُ القبائلِ العسكريةِ (2-3)

خلافاً لتطور الهند النهضوي الديمقراطي توجهت باكستان نحو تصعيد القوة العسكرية الشمولية الحاكمة ضد أغلبية الشعب في تناغمٍ وصراع مع الطبقةِ الغنية الحاكمة، فالقياداتُ العسكريةُ الإصلاحية الكبرى تتناغمُ مع هذه الطبقة وتحاولُ كذلك فرضَ إصلاحٍ لا يتحقق فتستمرُ باكستان في أزمتِها البنيوية السياسية عبر العقود.
توجهتْ الهندُ نحو معسكرِ الحياد والتحرر الوطني والديمقراطية والثورة الصناعية فيما بعد، فيما سلكتْ باكستان طريقَ التبعية والتخلفِ والعداء لمعسكر التحرر والديمقراطية، وكان فرضُ الجيشِ المدعوم من قبلِ الهيمنة الأمريكية قد صنعَ بصماتٍ مريرةً على التطور التاريخي اللاحق.
حاولتْ الهيمنةُ الأمريكيةُ أن تجعل من أيوب خان كمال أتاتورك ثانياً في باكستان من دون نجاح بسببِ ترددهِ في تشكيلِ علمانية ديمقراطية وفي إيجاد إصلاحاتٍ عميقةٍ للأغلبية الشعبية تستند إلى الموروثِ الإسلامي الديمقراطي، فكانت العملية السياسية بحاجةٍ إلى أن تكون مركبة وليست إصلاحات جزئية تضرُ أكثرُ مما تنفع، وتحتاج إلى ديمقراطية وعلمانية وإصلاحات عميقة لجمهور الفلاحين والنساء والفقراء، وبأضعف الإيمان أن تجرى مسايرة الهند في الحداثة. لكن العسكريين الباكستانيين الإصلاحيين أخفقوا على الجانبين بالصراعِ مع الهند وبعدم التماثل معها.
في حين كانت الهند قد قفزت بقوة في المسار الديمقراطي العلماني، مُبعدةً أي قوةٍ سياسية اجتماعية عن التحكم الأبدي في الحكم، فاستطاعتْ إحداثَ التراكمات الرأسمالية المتصاعدة فيها فوسعتْ أسواقَها الهائلةَ أصلاً وأحدثت طبقةً وسطى كبيرة ذاتَ فرصٍ لا تُحصى، وهَزمتْ باكستان التي مَزقتْ أسواقَها عبر شطري البلد، ثم عجزتْ عن تشكيلِ تجربة ديمقراطية تبادلية للسلطة لتحجر السلطات السياسية والاجتماعية والمناطقية فدخلت كذلك في تمزيقِ بلدها نفسه.
كان العجزُ عن تشكيلِ مسارٍ ديمقراطي علماني وبدلاً منه تصعيد القبائل والطوائف وهيمنة الجيش قد جعلتْ من باكستان دولةً متخلفة عاجزة عن القيام بثورة صناعية ديمقراطية كالهند.
إن القادة العسكريين الكبار كأيوب خان تداخلت فيهم العلمانية والحداثة مع الوعي الديني المحافظ، وتغلغلتْ الرغبةُ في التطور الوطني الواسع مع العجزِ عن مكافحةِ الفساد وعن تفكيكِ سيطرةِ الطبقة الثرية الإقطاعية – البرجوازية من على السلطة، فلم يكن مثل أتاتورك أبداً:
(اتسمتْ حقبةُ أيوب خان بثورة صناعية في الدولة. فقد ابتكرَ بيئةً تشجعُ على إنشاءِ القطاعِ الخاص والصناعات الصغيرة والمتوسطة في باكستان، وهذا التوجه فتحَ آفاقاً لفرصِ عملٍ جديدة مما أدى إلى ارتفاع الخط البياني الاقتصادي للبلاد، وقدمَ إصلاحات في مجالاتِ التعليم والزراعة والقانون والإدارة وقوانين الأسرة وما إلى ذلك، وغير العاصمة من كراتشي إلى إسلام آباد عام 1962)، موقع المعرفة.
إن كل قائد عسكري كبير في باكستان يسيطر على البلد يحاول القيام بإصلاحاتٍ من دون أن يقبل بدولةٍ ديمقراطية علمانية حقيقية، تحرر النساء والفلاحين والعقول من هيمنة الإقطاعين السياسي والديني المتسلطين على المجتمع المعرقلين لتنامي قواه المنتجة، فيقومُ بتلك الإصلاحات الجزئية ثم تثور عليه القوى الاجتماعية الغنية الكبرى المهيمنة على الحياة. فهو ذاتهُ كذلك يشكلُ جماعةَ فساد جديدة، ولهذا فإن السباق بين الهند وباكستان يغدو غير متكافئ، فتلك تمضي بالتوحيد والثورة الصناعية التقنية وهذه تتفككُ وتدخلُ حروباً استنزافية. ويعبر أيوب خان عن سمات الحكم العربي الإسلامي المحافظ جميعه.
إذاً لقد خابَ أيوب خان وجاءَ بعدهُ رؤساء ومنهم برويز مشرف وحدث له ما حدث:
(وخاض العسكرُ حرباً أخرى في جبهة مع الإقطاعيين الموالين للأحزاب المدنية الكبرى، فحسب بعض الإحصائيات فإن خمسين أسرة ثرية – وهم رؤوس الإقطاعيين والصناعيين الأثرياء – تحكمُ باكستان وتتولى مصيرَ البلاد بيديها، وقد حاول برويز مشرف التخلصَ من هؤلاء، فأعلن في فبراير 2000 عزمه عن بدءِ مشروعِ إصلاح الأراضي، الذي يعني توزيعها لقطعِ أوصال الإقطاعيين، لتنمو بدلها طبقة متوسطة تقدرُ على دفع الضرائب وتستطيع الحكومة تطويعها، وقد تكهن الاقتصاديون بأنه لو استمرتْ الظروفُ على غرار ما هي عليه الآن، فإنها ستمحو تدريجيا الطبقة المتوسطة، لتحل محلها الطبقتان الفقيرة والثرية.)، موقع إسلام أون لاين.
هنا نجدُ مثالاً للدولةِ الدينية التي لاتزالُ في مرحلةِ الإقطاع، وترفضُ الحداثةَ، وهو مصيرُ الدولِ العربيةِ الإسلامية عامةً، حسب ذات القوانين والسببيات الاجتماعية، فهو عجزٌ عن تكوينِ دولةٍ حديثة ثم الدخول في التفكك بسبب ذلك، وسنجدُ التفككَ في باكستان ينتقلُ من الحواضر والمدن، ثم يتوسع هذا التناقضُ العميقُ حتى يصل إلى الأرياف والجبال، ونجدُ في رؤساء الجمهورية عنصري الإصلاح والفساد، حتى يغدو الرئيس بلا قيمةٍ محوريةٍ مع غليان التفكك، فيما ينتقل المرضُ الإقطاعي إلى الأرياف والجبال، ليصبحَ كل شيخِ قبيلةٍ ذا عسكرٍ رئيساً وزعيماً مطلقاً.

 
صحيفة اخبار الخليج
25 يوليو 2010