المنشور

خلط أوراق


أصبح المحافظون والطائفيون قادة ثورات ومروجين لحركات تغيير، لكن للوراء، ولتصادم الشعوب، والأهم لديهم هو انتصار نماذج الأنظمة والحركات الطائفية التي أزمت بلداننا ومزقت أقطارنا وتحكمت بمجتمعات حداثية تريد خنقها.

نضال الشغيلة في تونس نضال طويل عريق، لكنه نضال في مجتمع تحديثي منفتح على الديمقراطية والعلمانية، والشغيلة هم أغلبيته الساحقة، ويعانون مثل ما تعاني الشعوب، لأسباب تعود لغياب الموارد الوفيرة في هذا المجتمع الحرفي والصناعي البسيط والزراعي الواسع، لكنه يقدم تجربة رائدة في الوطن العربي.

وهو بلد مثل بقية بلدان وأنظمة الشرق حيث الرأسمالية الحكومية هي المسيطرة بحزبها وإدارتها، لكنه في تونس شكل تعددية عريقة منفتحة ومتقدمة وهي لا تملك موارد الغاز والبترول والذهب، وشكلت نظام الحريات الاجتماعية والسياسية وبنت مجتمعاً يفخر بأنه يقارب الحضارة الغربية بقروشه الريفية، من دون أن يمتلك تلك الموارد الهائلة التي وجهتها مجتمعات أخرى للعودة للوراء ولنشر التخلف للأسف.
الحادثة بحد ذاتها تكشف الطابع غير العميق للأزمة:

(دارت في 19 ديسمبر اشتباكات في مدينة سيدي بوزيد، احتجاجاً على إقدام شاب تونسي على إحراق نفسه بعدما صادرت الشرطة عربته التي كان يستخدمها لبيع الخضر والفاكهة، مما أدى إلى إصابته بحروق لا يزال يعالج منها في المستشفى قرب العاصمة تونس) .

(وبعد خمسة أيام أقدم شاب تونسي آخر في المنطقة عينها على الانتحار بتعمد إصابة نفسه بصدمة كهربائية، فتوسعت التظاهرات لتشمل مدناً مجاورة مثل المكناسي وبوزيان والرقاب والمزونة).

تعاني المناطق والمدن الصغيرة والقرى الريفية عدم وجود الموارد الكبيرة، ومن بقائها في الاقتصاد الحرفي الفلاحي البسيط، وهذا لا يشكله فقط نقص الخامات الثمينة بل كذلك طبيعة وعي الشغيلة البسطاء غير القادرين على الانتقال للتقنيات والمعارف المتطورة.

وطبيعة الحوادث هذه توضح الآفاق المسدودة لهذا النمط من العاملين، حيث الفقر وغياب الوعي واليأس الاجتماعي، وأخطاء بعض الإدارات وعدم تعاملها بحكمة مع هذا اليأس والضيق ومحدودية العيش.

حين ينتحر العامل تغدو هذه علامة سلبية لوضعه ولوعيه، والترويج للانتحاريين هو ترويج لأفق اجتماعي مسدود، في حين كرس زملاؤه نموذج التضامن النضالي والاحتجاج على ظروفه السيئة، وهو أفق لمجتمع حداثي ديمقراطي يكرس التضامن وليس الانتحار والعنف والحرائق. هذه هي ردود الفعل الحضارية الديمقراطية وليس نشر الإرهاب وإرسال الطرود و(المقاتلين!)

(وتعليقاً على هذه الاحداث قال رئيس الفرع الجهوي لـ “الرابطة التونسية لحقوق الانسان” رؤوف النصيري إن “نسبة البطالة المرتفعة التي تطول خريجي الجامعات، وارتفاع أسعار المواد الاولية هما من أهم الاسباب الرئيسية للاضطرابات”.

ويعتبر تشغيل حاملي الشهادات العليا من أكبر التحديات التي تؤرق الحكومة التونسية التي تسعى الى توفير مزيد من فرص العمل في بلد تصل فيه نسبة البطالة الى 14 في المائة استناداً الى الارقام الرسمية.

ويتعين على الدولة أن توفر في السنوات الخمس المقبلة 425 الف فرصة عمل لتغطية الحاجات الاضافية وخفض نسبة البطالة بنسبة 1,5 في المائة لضمان مورد رزق واحد على الاقل لكل أسرة تونسية).

ومن جهةٍ أخرى فإن التضييق على الحريات النقابية والسياسية واعتقال القيادات أمرٌ يساهم في تأزيم الأوضاع وعدم تطور الإدارة التي يُفترض أن تشارك فيها الأحزاب اليسارية والرأسمالية.

مثل هذه المشكلات تتطلب التعاون والمساعدة من بقية الدول العربية، لكن لا نجد ذلك. ولا نرى الاهتمام من قبل الحكومات العربية ذات الثراء لتقديم أي مساعدة وتوظيف الشغيلة والعاطلين العرب سواء أكانوا تونسيين أم غيرهم، لكن تظهر بشكل غريب لغة التشفي والمزايدة والنقد المتعالي.
 
أخبار الخليج 31 ديسمبر 2010