المنشور

في الاحتفاء بأحد الرموز النضالية


لقد جاء الحفل ألتكريمي الذي أقيم في منزل المناضل والرمز الوطني (محمد جابر صباح) مساء يوم الجمعة الموافق 14 يناير 2011م، بمناسبة عيد ميلاده الثمانين، والذي حضره كوكبة من الوطنيين المناضلين والمثقفين والناشطين السياسيين.. مهيباً بكبرياء الشموخ الوطني والانتماء المبدئي.. رائعا بلمسات التقدير والوفاء.. متسما بتحية الإجلال والإكبار لطالما حقائق هذا الاحتفال، قد ترجمت بجلاء بأنه ليس بالضرورة، هو الاحتفال بعيد ميلاد المناضل (محمد جابر صباح) بقدر ما عبر (هذا الاحتفال) بالمحتفى به، بأنه لا يزال حيا يشم عبير الحياة، بقلب ينبض بحب الحياة، وبحب النضال، وبحب التضحيات، وبحب الوطن، الذي التصق (صاحب هذا الحب) بمفاهيم (هذا الحب) بحيث لازمه كظله، وجبل عليه بمعايشته دلالاته، وتعايشه مع تداعياته، طوال أكثر من خمسين عاماً من الزمان، حتى بلوغه الثمانين عاماً.. مدعوما (هذا الحب) بالإرادة الحرة، وبالضريبة الوطنية المضيئة، وباستشراف آمال الشعب المستقبلية.

ولعل ما رسخ (هيبة واعتبار) هذا الحفل العيد الميلادي والوطني والمبدئي.. هو كلمة المحتفى بعيد ميلاده، المناضل (محمد جابر صباح) التي ألقاها أمام الحضور والتي حملت في جوهرها مفاهيم الالتزام بقضايا الشعب والوطن والقضية والمبدأ.. مثلما عبر المتحدثون في هذا الحفل التكريمي الرائع بكلماتهم الصادقة، ومن بينهم المناضل والناشط السياسي والحقوقي (سلمان كمال الدين) الذي أبدع بكلمته التي تجلت مغازيها بتلك الشهادة الوطنية والتاريخية لسيرة المناضل (محمد جابر صباح) وما تمخضت هذه السيرة الذاتية، بنسجها أعظم الملاحم النضالية والوطنية والمبدئية.. وكذلك تلك القصائد الوطنية التي ألقاها الأستاذ (عبدالواحد البحراني).. تلك القصائد التي صدح بها بصوته الجهوري الجميل، قد تمازجت دلالاتها بالدماء المتدفقة في شرايين المحتفى به، لترسم معالم درب الرفاق الصعب.

لقد جاء حفل تكريم المناضل (محمد جابر صباح) بسمو المبادئ، والتزام المواقف، تليق معانيه وسيرة هذا الرمز الوطني النضالية، التي امتدت طوال أكثر من خمسة عقود، تمثلت بمختلف المحطات الوطنية.. ومن هنا فإن تاريخ (محمد جابر صباح) النضالي، قد نطق منذ أول انطلاقة وطنية، قد قامت ركائزها على أكتافه وكواهله، بمشاركته رفاق الدرب على منضدة النضال الوطني، حتى تم تأسيس أول حركة وطنية يشارك في إنشائها، ويلتزم بالانتماء الحزبي إليها.. ألا وهي (حركة الشباب العربي) المنبثقة في عام 1957م التي ضمت في عضويتها شباباً، قد تشربوا بالمبادئ القومية والناصرية، واتصفوا بمعايير المستعدين للتضحية لمحاربة الاستعمار البريطاني آنذاك.. الأمر الذي دفع هذه الحركة، إلى الاندماج مع (حركة القوميين العرب).. ضمن حركة وطنية واحدة، تجمعها مختلف الخلايا والقنوات التنظيمية، حسبما تنصهر في بوتقة الفكر ذاته.. ولكن هذا التنظيم الجديد بتشكيلته الحزبية، ما لبث ان انفرط عقد خلاياه وحلقاته ما بين (حركة الشباب العربي) و(حركة القوميين العرب).. لعوامل تعود أسبابها إلى وجود مركز القيادة التنظيمية لـ (حركة القوميين العرب) بدولة الكويت، وتلقيها مختلف الأوامر والتعليمات التنظيمية من هناك.. مما دفع (حركة الشباب العربي) إلى إعلانها رفض الدوران في فلك التبعية الحزبية للخارج.

لعل في ضوء ذلك سارع الأستاذ (محمد جابر صباح) بمعية من الشباب الوطني، إلى اتخاذهم زمام المبادرة من أجل تأسيس حركة وطنية بديلة، هي (حركة الثوريين العرب) التي بدورها واصلت المسيرة الوطنية، بحيث تجلت في قيادة حركة وانتفاضة مارس 1965م، بجانب (حركة القوميين العرب) و(حركة الناصريين) و(جبهة التحرير الوطني البحرانية) و(الجبهة الشعبية) وتنظيم (شرق الجزيرة).. وعلى إثر ذلك اعتقل المناضل (محمد جابر صباح) مثلما اعتقل الآخرون من مختلف الحركات الوطنية.

لعل ما يبعث على القول فخراً، ان نضالات المواطن (محمد جابر صباح) الدؤوب، قد تشربت بالمبادئ القومية والناصرية في عقدي الخمسينيات والستينيات.. ولكن تظل فترة ما بعد منتصف الستينيات.. أي ما بعد هزيمة يونيو عام 1967م، تمثل فترة تاريخية مفصلية، إزاء تحولاته الفكرية والأيديولوجية، بتوجهاته نحو الانتماءات التنظيمية الاشتراكية والمتصفة بالمبادئ الأممية، التي تجلى بها المناضل (محمد جابر صباح).. كادرا قياديا في تنظيم (جبهة تحرير الخليج) ذي التوجه الاشتراكي العلمي والوطني والأممي.. بمستوى التنظيم الناضج بنهجه، المتألق بايديولوجيته، عبر قنواته التنظيمية وخلاياه الحزبية والذي كان ينضوي تحت لوائه كوادره الواعية الناضجة بمقاييسها النوعية.. ولكن هذا التنظيم، هو الآخر لم يدم طويلاً، حين انفرط عقده وروابط خلاياه، و(انفلشت) قنواته وهياكله، في شهر فبراير عام 1971م.. بعد أن استمر يعمل بعمره القصير ما بين عامي (1967 ــ 1971م). لقد انتهى تنظيم (جبهة تحرير الخليج) على إثر خلافات تكتيكية عصفت به.. ولكن أحد قيادات هذا التنظيم وهو المناضل (محمد جابر صباح) بمواقفه المبدئية، قد تجلى بالتطور السياسي النوعي نحو النضج الفكري والأيديولوجي، بترسيخ التزامه بالفكر الاشتراكي والمبدأ الأممي.. ليصبح عضوا فاعلا في (جبهة التحرير الوطني) وبما جسدت عضويته التنظيمية تجسيدا تاريخيا متجليا بعضويته في (تكتل الشعب) ونائبا تحت قبة البرلمان(المجلس الوطني المنتخب) بعد فوزه في الانتخابات النيابية في 7 ديسمبر عام 1973م بجانب سبعة من أعضاء تكتل الشعب.
 
تم اعتقاله عام 1976م بعد حل البرلمان في أغسطس 1975م.. وبعد خروجه من المعتقل بعد أن أمضى فيه أربعة أعوام.. بادر إلى تشكيل (الحركة الدستورية) التي تمثلت في مشروع العريضتين: النخبوية عام 1992م والشعبية عام 1994م.. واتخاذ منزله منبرا حرا ومنتدى منفتحا لجميع القوى الوطنية طوال ثلاثين عاماً، أي منذ بدايات عقد الثمانينيات من القرن المنصرم.. وذلك على قدم المساواة مع فعاليات وأنشطة (جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي) الذي يمثل الأستاذ (محمد جابر صباح) أحد أقطابه ومؤسسيه.

في نهاية المطاف لم يبق لنا سوى القول بافتخار عظيم.. من أعماق الجوانح وأغوار الجوارح، وما بين جنبات العقل إليك أيها المناضل الرمز الوطني الرفيق الشامخ القامة والجبين (محمد جابر صباح).. أعذب التمنيات الرفاقية، بمناسبة عيد ميلادك الثمانين عاماً.. الثمانين عاماً المضيئة، التي نسجت من خلالها أعظم الملاحم النضالية والوطنية والمبدئية.. ستظل دوماً وأبداً تمثل تجربة انسانية رائدة ورائعة، يستنهض المناضلون من معينها إرادتهم.. ويستلهمون من حكمتها رغبتهم الأكيدة.. وتسترشد الأجيال المتعاقبة من مغازيها، دربهم واستشراف مستقبلهم.

وفي ذات السياق فإن ثمة حكمة لأحد الحكماء التي يقول فيها: “ليس ثمة رجل عظيم يعيش عبثاً.. إن تاريخ العالم ليس إلا تاريخ الرجال العظام”.. وهكذا يظل الرمز الوطني (محمد جابر صباح).. متألقاً بنضالاته الوطنية وتضحياته المبدئية، التي امتدت طوال أكثر من نصف قرن من الزمان، غير مساوم على مبادئه، ولن يتزحزح قيد أنملة عن مواقفه الوطنية.. بقدر ما زادته تلك الفترة التاريخية المفصلية صلابة، بإرادته الحرة.


 
أخبار الخليج 28 يناير 2011