المنشور

في محنة عبور “الانتقالية”


في محنة الانتقال أو العبور التي تجتازها المجتمعات العربية، بدرجات متفاوتة الحدة، حسبما تمليه ظروف حالة كل مجتمع عربي على حدة، من الكساد والركود إلى الصحوة والنهوض والفاعلية، تختلط وتصطدم بشدة التشكيلات أو “الخلطات”، إن شئتم، غير المتناسقة، من البنى الاقتصادية التي لا تعبر أشكالها بالضرورة عن محتواها، والبنى الاجتماعية بفوارقها الطبقية الصارخة، والبنى الثقافية التي لابد وأن تكون مخرجاتها متولدة بالضرورة من “بيئات” البنى الاقتصادية والاجتماعية إياها.
 
وفي محصلة إفرازات ذلكم الخليط غير المتجانس لتلك التشكيلات البنيوية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تبرز بصورة ضاجة التضادات الحادة بين الوعي بالقناعات، بصرف النظر عن الخلفيات الايديولوجية أو المناقبية المؤسسة عليها، وبين الإيمان بها، وأخيرا ممارستها.
 
والملاحظ بصورة لافتة أن الأمر ليس قصرا على عوام الناس وإنما يشمل أيضا الأوساط النخبوية المثقفة التي أخذتها أقدار الانعطافات التاريخية الجارية على نحو درامي إلى حيث يقع مستقرها الماضوي الأخير الذي كانت غادرته يوما على أمل أن يكون ذلك بلا رجعة مكسورة ومعطوبة.
 
فلقد بدا الافتراق صارخا بين خطابات ودعوات التسامح والتآخي، بمختلف منطلقاتها ومرجعياتها الايديولوجية، والادعاءات الجوفاء باحترام الآخر، وبين الفعل الحي المُمَارَس على الأرض، حيث ظهر ضيق الصدور على حقيقته، فلجأ قسم كبير من العامة وقسم أكبر من الخاصة، لأساليب النيل من الآخر المختلف والتشكيك في نواياه ومحاكمة ضمائره، بل ووصمه بشتى صنوف النعوت والأوصاف التسقيطية بهدف الحط من شأنه وقدره.
 
يستوي في ذلك العامة والخاصة (أي النخبة) كما أسلفنا، بل إن الافتراق بين خطاب النخبة التنظيري العليائي لمعشر المثقفين عن بيئاتهم التي طالما اعتقدوا أنهم ينتمون إليها ويعبرون عن آلامها وآمالها، كان أصرح وأكثر بؤسا، حيث ذهبت دعاوى ومزاعم احترام الآخر أدراج الرياح.
 
ماذا يعني هذا؟ 
  
انه يعني في التحليل السوسيو-اقتصادي الصارم أن موروث الثقافة المحافظة بكل أثقالها لازال حاضرا بقوة في اللاوعي الفردي والجمعي، وانه لا يفوت الفرصة حين تتاح له للتعبير عن مكنوناته باجتياح كافة التنميطات المكتنزة للمنظومات المعرفية إنما غير المؤسسة شرطيا بتكامل مكوناتها الثلاثة الأساسية: الوعي بها، والإيمان بها، وممارستها (بما يُقرَن القول بالفعل).
 
وهو يعني أيضا أن حزمة المصالح، الفردية والكلية، تبقى المرجع الأساس الذي يحكم حركة الناس، العامة منهم والنخب، في تحديد مواقفهم من اتجاهات التغيير، وهو ما يعد أمرا مفهوما ومعتادا على أية حال!
 
ولما كانت المجتمعات العربية عبارة عن فسيفساء دينية ومذهبية وطائفية واثنية وقبلية وعشائرية، فان الحضور الطاغي لهذا المتغير الثابت، وهو هنا، في الحالة الانعطافية التي نحن بصددها تحديدا، لن يساعد بالتأكيد على تهيئة الأرضية لإنشاء إجماع وطني على شكل ومحتوى وسقف التغييرات المنشودة شعبيا، خصوصا مع “الانسحاب” الفجائي والغريب للعقلاء ولعقلانيين بعد ان علا صوت المناكفين و”الفزعويين” بإطلاق قاذوفاتهم غير البنَّاءة، المحاكية في الشكل، والمحتوى للأسف الشديد، لتلك الهجائيات التي كانت إحدى أدوات إدارة الصراعات بين القبائل العربية قبل ما يناهز الألفي عام.
 
من هنا فان الاستعصاء الذي يميز المراحل الانتقالية التي تجتازها اليوم مجتمعاتنا العربية ، هو استعصاء عضوي لا يمكن فصله عن التشويه التي يعتري الهياكل الاقتصادية العربية وضعف اتجاهات الأنسنة قبالة سطوة النزعات الماضوية.