المنشور

مؤشـر الحـرية !


مع كل ما يمكن أن يُثار من ملاحظات انتقادية وما قد يدور من شكوك وشبهات حول الطابع الغرضي والأجندات السياسية المعلنة والخفيّة لبعض المؤسسات الدولية “أو بالأحرى المؤسسات الغربية” الناشطة في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات، إلا أنّه من الخطأ الاستخفاف بما تعده هذه المؤسسات من مؤشرات وما تصدره من تقارير.
 
وقد صدر قبل أيام التقرير السنوي الجديد لمنظمة “بيت الحرية” حول وضع الحريات في العالم للعام 2012، وتحديدا حول مؤشري الحقوق السياسية والحريات المدنية، حيث يقسّم التقرير بلدان العالم إلى ثلاث مجموعات: دول حرة؛ وهي التي تقع درجاتها بين 1 إلى 2.5 ضمن المؤشر المكوّن من سبع درجات، ودول شبه حرة تتراوح درجاتها بين 3 إلى 5 درجات، ودول غير حرة تزيد درجاتها عن 5.5 وتصل إلى 7 درجات.
 
وفي التقرير الأخير نلحظ بعض التحسّن الذي طرأ على وضع الحريات في تونس ومصر وليبيا؛ وذلك تحت تأثير التحوّلات الثورية التي شهدتها هذه الدول الثلاث، إذ انتقل تصنيف تونس من دولة غير حرة في تقرير العام الماضي إلى دولة شبه حرة في التقرير الأخير، فيما حدث تحسّن طفيف جدا لدرجات مصر وليبيا ضمن المؤشرين؛ إذ إنّهما تصنفان إلى الآن ضمن الدول غير الحرة، ما يعني أنّ هناك تحديات ليست قليلة أمام هذه البلدان لتحقيق الانتقال الفعلي إلى الديمقراطية، حيث لا يكفي سقوط الرموز الاستبدادية الحاكمة لضمان تحقيق هذا الانتقال بصورة تلقائية؛ بل لابد من تلبية الاستحقاقات والمتطلبات الديمقراطية…
 
 أما دول مجلس التعاون الخليجي فالمؤسف، وهذا هو الواقع، أنّ خمسا من هذه الدول الست لا تزال تصنّف ضمن الدول غير الحرة، مع ما يُلاحظ من تراجع في درجات بعض هذه الدول الخليجية ضمن التصنيف ذاته، إذ تراجع خلال العام الماضي مؤشر الحريات المدنية في البحرين والسعودية والإمارات، فيما لم يطرأ أي تحسّن على المؤشر المتدني بالأساس للحقوق السياسية فيها…
 
 أما الكويت فقد تمّ تصنيفها كالعادة ضمن الدول شبه الحرة، مع ملاحظة تراجع مستوى الحريات المدنية فيها عن مستوى الحقوق السياسية!
 
إنّ تصنيف الكويت ضمن الدول شبه الحرة يعني أنّ الهامش النسبي المتوافر من الحقوق السياسية والهامش المتقلّص من الحريات المدنية ليسا كافيين ضمن المعايير الدولية للقول إنّ الكويت دولة حرة تتمتّع بنظام ديمقراطي… فهناك حقوق سياسية لا تزال منتقصة مثل التجمّع والتظاهر؛ وإشهار الأحزاب السياسية؛ والتداول الديمقراطي للسلطة التنفيذية في ظل احتكار مناصبها، وعدم انتخاب كامل أعضاء مجلس الأمة جراء منح الوزراء غير المنتخبين عضوية المجلس، فيما هناك انتقاص متواصل للحريات المدنية، بدءا من حرمان الكويتيين البدون من معظم هذه الحريات، مرورا بالقيود المفروضة على الحريات الشخصية للأفراد في الكويت، وصولا إلى تقييد حرية الإضراب عن العمل؛ وانتهاء بالوصاية الحكومية المفروضة على حرية تكوين مؤسسات المجتمع المدني ونشاطاتها…
 
ويضاف إلى ذلك ما شهده العامان الماضي والأسبق من إجراءات أمنية متعسفة؛ واعتقالات متعددة؛ وملاحقات سياسية للمعارضين؛ وتضييقات على المدونين والمغردين، وغير ذلك من ممارسات مؤسفة ضيّقت بالملموس على الهامش النسبي من الحقوق السياسية المتاحة وقلّصت أكثر من الهامش المحدود جدا للحريات المدنية، وإن تراجعت في الأسابيع الأخيرة وتيرة مثل هذه الممارسات.
 
والمهم، أنّ واقعا جديدا بدأ يتشكّل وسيفرض بالضرورة حدوث تطورات ديمقراطية ملموسة خلال السنة الحالية في العديد من البلاد العربية، وبالأخص المغرب؛ والأردن؛ وتونس؛ وليبيا؛ ومصر؛ واليمن، ولابد أن تنعكس آثار هذه التطورات الديمقراطية على أوضاع المنطقة العربية، وبينها بالطبع دول مجلس التعاون الخليجي، التي لا يمكن أن تكون بمنأى عن منطق التطور التاريخي.
 
 
عالم اليوم  22 يناير 2012