المنشور

أسئلة العصـــر


يميّز الدكتور جورج طرابيشي بين أمرين هما التحديث والتغريب، في إطار حديث له عن الثقافة العربية والتراث. وهو تفريق ضروري رغم تأكيده على أن الحضارة الآن تتجه لأن تكون حضارة عالمية منطوية على ثقافات عدة.
 
والتفريق هنا ليس مجرد تفريق لفظي، وإنما يتصل بفروق عميقة بين مفهومين مختلفين حتى لو كان مركز الحضارة العالمية في المدى الزمني الراهن مركزا غربيا، لأن هذا لم يعنِ ولا يجب أن يعني أن على كل الأمم اقتداء هذا الأنموذج، ليس لأنه سيئ أو جيد، وإنما لأن عملية تحديث أي مجتمع لا بد وأن تراعي الخصائص التاريخية والعيانية، لا بل والتكوين النفسي والثقافي المختلف لأفراده.
 
لسنا هنا إزاء دعوة توفيقية من تلك التي اعتدنا عليها بين ما يوصف بالأصالة والمعاصرة، بل إزاء دعوة تقذف بنا في أتون الحداثة التي من دون أن ننصهر فيها لن نتمكن من الإجابة على الأسئلة الكبرى التي تواجهنا اليوم، وهي أسئلة جديدة في ظروف مختلفة جذريا عن ظروف الأمس. انها دعوة للحداثة وللتحديث تقهر عقدة الازدواج النفسي الذي نعاني منه في تمزقنا بين الخيارات المختلفة، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن نقرن التحديث بالتغريب، من حيث كون هذا الاقتران هو المعادل للاستلاب والانبهار المغالي فيه بالغرب وبما يوصف بتفوقه الحضاري، وهو تفوق لا نجادل في أمره، ولكن ندعو إلى دراسة أسبابه ومقدماته التاريخية، فكريا وعلميا وسياسيا.
 
ولدينا ما نستند إليه في هذا المجال، فاليابان ليست بلداً غربياً ولا تقع في أوروبا، ومع ذلك فإنها قوة اقتصادية مقررة لا يمكن إلا أن يحسب لها ألف حساب. والصين لا تخطو خطوات، بل تقفز قفزات إلى المستقبل بمعدلات من النمو الاقتصادي تدهش القريب والبعيد. وما تحقق ويتحقق هناك إنما يتم على قاعدة التحديث مع سبق الإصرار على التمايز عن الأنموذج الغربي، والتمسك بالخصائص التاريخية والقومية.
 
مشكلة النخب الثقافية والسياسية العربية أنها سيجت نفسها بسياجين لا ترغب في كسرهما: إما سياج العودة إلى الماضي بوصفه ملاذا من الوضع البائس الذي ألنا إليه، وإما سياج التغريب الذي تحدثنا عنه. ودعاة هذا التغريب القائم على الانبهار والصدمة تجاه ما حققه الغرب، يسقطون من حسابهم أن التحديث عملية معقدة، تدريجية وطويلة الأمد، وأن الأنموذج الغربي لا يمكن تجليسه على أرض ليست هي أرضه، لأنه نتاج ملابسات مختلفة من التطور. هذه النخب، الماضوية منها والمتغربنة، تعوّض عن ضعف فاعليتها الميدانية بخطابة رنانة ومزايدة لفظية لا طائل من ورائها، لأنها تهرب من الأسئلة الحقيقية عبر افتعال أسئلة مجازية خارج السياق التاريخي الملموس الذي تجتازه مجتمعاتنا اليوم.