المنشور

الفرد مخفور للجماعة


في نظام السجون في الصين قاعدة تعرف باسم «السجين الحر»، فكرتها نابعة من أن إدارات السجون تختار من بين السجناء الذين يقضون أحكام الأشغال الشاقة أكثرهم نشاطاً وهمة في إنجاز الأشغال الموكلة إليه لتكافئه بأن تجعل منه مراقباً على بقية السجناء وهم ينفذون هذه الأعمال.
 
يبدو هذا التعبير المركب الذي صاغه الصينيون عن السجين الحر تعبير طريف. فالحرية نقيض السجن، ولا يمكن للإنسان أن يكون طليقاً طالما لا يزال ينفذ عقوبة السجن حتى لو سمي حراً. على الرغم من ذلك فإن السجان، سواء أكان في الصين أم في سواها من البلدان، إنما يشتغل وهو يطبق هذه الفكرة على جانب سايكولوجي مهم. انه يداعب لدى السجين المعني شهوة الحرية وشهوة السلطة في آن. فوضعه كمراقب لزملائه يتيح له هامشاً من الحرية ليس متاحاً لهم، حتى لو كان يقضي الليل معهم في الزنزانة ذاتها، أما شهوة السلطة فتكمن في ما يمارسه من نفوذ على الآخرين، حتى لو كانوا زملاءه ورفاقه، وهي ممارسة ترضي في نفسه غروراً ما.
 
لكن تعبير «السجين الحر» ليس طريفاً فحسب، وإنما هو تعبير عميق أيضاً لأنه يحثنا على التأمل في أوضاع الطلقاء من الناس، لنرى ما إذا كانوا حقاً أحراراً، أم انهم خاضعون لعبودية لا تقل صرامة وقسوة عن تلك القيود المفروضة على السجين. وهذا يذكرنا بتلك الأطروحة النافذة لهربرت ماركوز التي صاغها بين نهاية الستينات ومطالع السبعينات من القرن الماضي عن «الإنسان ذي البعد الواحد» الذي هو نتاج الأنظمة الشمولية، وإذا كانت الحياة نفسها قد حكمت على التجربة الشمولية بالفشل، لأنها بين أسباب عديدة، لم تحترم حق الإنسان في الحرية، فإن تجربة البلدان التي تصنف بأنها ديمقراطية وحرة، هي ليست كذلك تماماً، فاطلاق العنان لعفريت السوق أن يحكم المجتمعات قد أخضع الانسان لمنطق الآلة، حيث بات هذا الإنسان امتداداً لها وليس العكس، كما يجب أن يكون. كأن هذه المجتمعات أطلقت طاقات جبارة، الكثير منها شرير، خرجت عن مقدرة الإنسان على التحكم فيها، فمجتمع الإنسان ذي البعد الواحد هو مجتمع قمعي ولكن في صورة جديدة، حيث تؤدي وفرة البضائع وإمكانات الإنتاج الضخم وكذلك الـتأثير المهول لوسائل الاعلام الحديث ووسائط الإتصال الى جعل سيطرة المجتمع على أفراده أكبر وأشد مما سبق، وتأخذ هذه السيطرة شكل الاحتواء العقلي والغريزي للفرد الذي يصبح مخفوراً للجماعة، مسلوب الارادة أمام سطوة نفوذها الذي يتغلغل في الثنايا وأدق التفاصيل التي قد لا تكون مرئية بالعين المجردة، وربما هنا بالذات يكمن المصدر الأهم لخطورتها.