المنشور

الفلـــول


الثورات التي عرفها التاريخ، الناجزة منها أو التي تعثرت بفعل الاختلال في توازن القوى وعدم نضوج شروطها، تميزت بالمحتوى الانساني وفلسفة العدالة والانقلاب على الظلم السياسي والاجتماعي، وبالمفكرين والشعراء والرومانسيين الحالمين في مجتمع عادل تتحقق فيه حرية الانسان وكرامته ويتساوى فيه المواطنون أمام القانون. هي سمة الثورات البرجوازية والاشتراكية وتلك التي قامت ضد الاقطاع والانظمة الدكتاتورية على حد سواء، مما اعطى فكرة الثورة هذه الهالة التي تصل أحيانا الى درجة القدسية ويصبح روادها رمزا لملايين الناس الطامحين للحرية والعدالة الاجتماعية والسياسية. هي الثورات التي حملت أهدافا وبرامجَ لبناء نظم جديدة على أنقاض القديم وحملت مبادئ وقيماً أكثر تقدمية مما سبقتها.
 
نبحث هنا عن شيء من هذه السمات في التطورات العربية من حيث المحتوى الفكري التغييري ومن حيث المكون القيادي المبدع والانسان فلا نرى الا شعارات وغضب ومطالب عادلة وحفنة من الشعراء المبدعين من صلب الكادحين تُردد أشعارهم أغان تصدح بها أصوات بعض المغنين من الشباب في الميادين وقد تلمست حريتها بعد أن كانت تسجيلات على أشرطة يتداولها الناس سرا وفي الغرف المغلقة.
 
ما أجمعت عليه قوى «الربيع» هو إسقاط النظام ” الشعب يريد… “، ولكن ماذا يريد هذا الشعب بعد إسقاط النظام؟ ما هي برامج هؤلاء الناطقين باسم الشعب وما هو النظام السياسي والاقتصادي والاخلاقي الذي سيقوم بعد سقوط النظام؟ من هي القوة التي تتولى ادارة اسقاط النظام ومن ثم ادارة المرحلة الانتقالية عبورا الى النظام الجديد؟ من هي العقول التي تحتضن فكر التجديد وفلسفته وتنير الطريق امام الجماهير وتنقلها من حالة الهيجان الى العمل البناء؟ خلت جميع الانتفاضات في المنطقة من الفكر والمفكرين والبرامج الثورية.
 
والاحزاب التي تأسست وناضلت للوصول الى هذه اللحظة الثورية بقيت عاجزة وجرفها تيار الشعبوية فطغى شعار الاسقاط على أية شعارات أخرى ولما تنحى حسني مبارك تحت ضربات «الشعب يريد…»، تسلحت قوى الحراك بشعار اسقاط آخر وهو «يسقط يسقط حكم العسكر» وحين اقترب موعد انسحاب المجلس العسكري بتسليم السلطة الى الرئيس المنتخب ظهر شعار «الشعب يريد اسقاط الفلول»، والشعب في دوامة التجمعات والهتافات والدولة على حافة الانهيار ودعاة الخلافة والدولة الدينية يتهيأون للسلطة على صهوة الحراك الشعبي الذي لازال بعد أكثر من عام جسدا بلا رأس.
 
حين تفتقد الثورة أو أي حراك ثوري الى الفكر والبرامج والقيادة الواعية تتحول الى حالة هيجان تدميرية كردّة فعل على الظلم والفقر والاستبداد وتسود روح الانتقام ويُسترخص الدم لتتشكل بيئة خصبة لجماعات الاقصاء والتكفير وعصابات المال والطامحين الى الثروة والسلطة وأجهزة الاستخبارات الأجنبية بأذرع مدنية, ويزج بالمجتمع الى التناحر الطائفي والفئوي ويصبح كل فرد عدوا للآخر تحت شعار «الاجتثاث».
 
ولما كانت تطورات «الربيع العربي» لم تؤد الى حسم عملية التغيير وافتقدت البرامج الوطنية والقيادات الجامعة فإن القوى التي وصلت الى السلطة أو تكاد لجأت الى ازاحة خصومها السياسيين بما تهيأ لها من حيلة وقوة لعل ابرزها مصادرة حقوق الآخر ونفيه وتصفيته، فكان شعار الاجتثاث والعزل سلاحا يشهر في وجه كل من يخالف أصحابه. في الوضع الطبيعي تؤسس الثورة لحكم جديد بارادة الشعب الحرة في صناديق الاقتراع دون الحجر على أحد إلا من ارتكب جرائم ضد الشعب من خلال محاكمة عادلة تتوفر فيها كافة الضمانات القانونية.
 
في واقعنا المؤلم أصبح القانون أول ضحايا «الثوار» والعدالة مشانق تعرض في الميادين وخناجر يردى بها الأسرى والمخطوفون في ثورات «التحرير». وحين تسنى الامساك بالسلطة قذفت في وجه المعارضين قوانين الاجتثاث والعزل و” قوائم العار”، وهي ليست اختراعا «ربيعيا» فحقوق الملكية تعود للديمقراطي الفذّ بول برايمر مؤلف قانون «اجتثاث البعث» في العراق. هذا القانون الذي هلل له البعض ولا يزال مسؤولا عن عمليات التصفية والطرد من الوظيفة ومصادرة المنازل وتشريد الملايين خارج الوطن. لقد طالت الحملة آلاف المواطنين العراقيين من كبار الضباط الى صغار الموظفين ليحل محلهم ابناء التنظيمات الطائفية والميليشياوية والوصوليون ومن أفسد الحياة السياسية، و ليرمى بآلاف العاطلين الى أحضان الارهاب والاجرام. هو الفكر الاقصائي الذي ينخر السياسيين العراقيين على امتداد بلاد الرافدين.
 
وفي مصر أقر الاخوان والسلف في البرلمان الذي هيمنوا عليه، قبل أن تحله المحكمة الدستورية، قانون العزل السياسي الذي فُصّل خصيصا للمرشح أحمد شفيق المنافس الاقوى والاشرس للاخوان. هو ذات القانون الذي أقرته الحكومة الليبية لتجريم «تمجيد القذافي» الذي صب الزيت على الحرب القبلية المشتعلة في عموم ليبيا «الديمقراطية «, وتم إلغاؤه لاحقاً.
 
القوى التي تسن قوانين العزل والاجتثاث والتي تشرّع للقمع والاضطهاد وتتجاوز الدساتير والقوانين إنما تدوس على أهم المبادئ الثورية ألا وهي العدالة وسيادة القانون، وتحول الضحية الى جلاد وتكرس نظاماً قمعياً تقوده قوى تدّعي الحرية والتغيير. ونحن هنا لا نجادل في أمر حل الأحزاب التي كانت وعاءً وغطاءً للطغاة وإنما نجادل في ثورية هؤلاء الذين جاءوا الى السلطة أو هم في الطريق اليهـــا تــحت شعار التغيير ومدى التزامهم بالقيم الثورية والانسانية.