المنشور

المهمة المستحيلة للإبراهيمي

هناك نوع من الإجماع على أن المبعوث الدولي الجديد لإدارة البحث عن حل للأزمة السورية الأخضر الإبراهيمي شخصية تتمتع بالمهارة في إدارة التفاوض حول النزاعات التي شهدتها بلدان مختلفة، وأنه راكم خبرة يُعتد بها في هذا المجال من خلال نجاحه في إنجاز المهام التي أوكلت له، من الهيئات الدولية، في غير بلد، وهو ما لم يتمتع به سلفه، الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان .

 
ثمة أمر آخر في رصيد الإبراهيمي لم يتوافر عليه عنان هو كونه ابن هذه المنطقة، وعلى دراية أفضل وأعمق بالخصائص النفسية والثقافية لأهلها، وبالتضاريس السياسية الداخلية في سوريا ومحيطها، لكن كل ذلك لا يجعل من مهمته مضمونة النجاح، فهي أيضاً بإجماع المراقبين تبدو شائكة وصعبة، لا بل ومستحيلة، وهذا ما يُدركه الإبراهيمي نفسه حين ربط نجاح مهمته بدعم الدول الكبرى لها .

من علامات استحالة هذه المهمة، وفي أحسن الأحوال صعوبتها ما وُوجه به الرجل، وهو لم يبدأ مهمته بعد من سوء فهم، لا بل وهجوم من قبل طرفي النزاع في سوريا، أي من المعارضة والحكومة معاً،فقد أثار الإبراهيمي سخط المجلس الوطني السوري، الذي طلب منه الاعتذار عما عده “استهانة بحق الشعب السوري في تقرير مصيره” بسبب تصريح نُسب إليه، جاء فيه أن “من المبكر الحديث عن رحيل الأسد”، فيما انتقدت الحكومة السورية حديث الإبراهيمي عن حرب أهلية “طاحنة”، معتبرة أن ذلك ينافي الحقيقة، وطلبت منه “التمسك بالإطار الذي حدد لسوريا، إن كان “يريد النجاح لمهمته ويريد تعاون الحكومة السورية” .

وكما هو متوقع منه أظهر الإبراهيمي رباطة جأش في مواجهة هذه الانتقادات، وحدد الهدف الأول لمهمته في التغلب على انقسامات مجلس الأمن، قائلاً إن الحديث عن أي تدخل عسكري لن يفشل مهمته فحسب، بل سيفشل عملية السلام برمتها، وبدا دقيقاً في تشخيص طبيعة الأزمة التي يتصدى للبحث عن حلٍ لها حين رأى: “أن سوريا تشهد حرباً أهلية، على خلاف ما يراه الكثيرون من أنه يجب تجنب الحرب الأهلية في سوريا، فأنا أعتقد أننا نشهدها منذ فترة . ما يجب فعله هو وقف الحرب الأهلية وهذا الأمر لن يكون بسيطاً” .

لن يكون الأمر بسيطاً إذاً، فالإبراهيمي تسلم مهمته في الوقت الذي بلغت فيه مهمة عنان نهايتها، بإعلان صاحبها فشلها، وقد تتوج ذلك بإنهاء مجلس الأمن الدولي رسمياً مهمة المراقبين الدوليين في سوريا رسمياً، حيث جاء نشر فريق هؤلاء المراقبين تنفيذاً لخطة سلام وضعها عنان، لكن الأمم المتحدة أنهت مهمتهم مع تصاعد معدلات العنف، فيما كان عنان نفسه قد قال وهو يقدم استقالته إن زيادة تسليح المتورطين في الصراع وغياب الاتفاق في الأمم المتحدة جعل مهمته مستحيلة، وهو بذا يُلخص التحدي الذي على الإبراهيمي أن يواجهه إذا أريد له أن ينجح فعلاً في إحراز تقدم ملموس، ولا تبدو المهارات الدبلوماسية والتفاوضية للأخضر الإبراهيمي التي لا ريب فيها كافية لإحراز مثل هذا التقدم، في مشهدٍ لا يبدو أن المشاركين في صنعه أو في التأثير فيه أو حتى مجرد مراقبته، في وضع من هو بصدد إعادة النظر في حساباته .