المنشور

الساحة الخارجية



التضامن الأممي بين حركات الشعوب في نضالها المشروع في سبيل الحرية و الديمقراطية
والتقدم الاجتماعي كان عاملاً فاعلاً في تحطيم سلاسل العبودية الاستعمارية و فتحَ
الطريق أمام غالبية الشعوب  لإقامة دولها
الوطنية , و التخلص من الأنظمة العنصرية 
في زيمبابوي  (روديسيا سابقا ) ثم
في جنوب أفريقيا . كان ذلك التضامن ممكنا 
لوحدة الأهداف في حقبة تصفية الاستعمار بعد تأسيس الأمم المتحدة تحت رايات
السلم و معاداة الفاشية . يومها كانت الأمم المتحدة و هيئاتها قوة دولية تعبر عن
توازن القوى بين معسكرين ندّين و بينهما حركة عدم الانحياز من دول فتيّة تبنت في
غالبها مبادىء السيادة الوطنية و التحرر السياسي و الاقتصادي  ودعم 
حركات التحرر الوطني . 


نورد هذه المقدّمة بسبب الجدل و الضجيج القائم في بلادنا و محيطنا العربي
حول العلاقة بين العمل الوطني من أجل التغيير و تعميق البنى الديمقراطية في
المجتمع و العلاقة بالخارج  واعتبار البعض
أن الميدان الدولي ساحة المواجهة و مربط الفرس و رجاء الخلاص .  في واقعنا البحريني و حين كانت الحركة الوطنية
التقدمية منذ الخمسينات تتصدى و حدها للمطالب الوطنية للشعب  بكل ما تطلب ذلك من تضحيات ، كانت الساحة
الدولية مجالاً لكسب الدّعم لقضية الشعب العادلة , شأنها في ذلك شأن حركات التحرر
على امتداد آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية . أذكر خطاب المرحوم أحمد الذوادي
أمام لجنة تصفية الاستعمار في اجتماعها في القاهرة بداية العام 1967، ثم في قيرص
في مؤتمر منظمة التضامن الآسيوي الأفريقي صيف العام نفسه . كان الفحوى في الخطابين
الدعوة للتضامن مع الشعب البحريني في نضاله من أجل الاستقلال  والسيادة الوطنية ، و هي خطابات كانت موجهة
لحركات تضامن أهلية من القارتين ، و أمام هيئة دولية معنية بتصفية الاستعمار و
معبّرة حقاً عن المجتمع الدولي في توازنه و عن أمم متحدة تأسست في أعقاب الانتصار
على الفاشية و سيادة مبادىء الحرية و التقدم 
في الراي العام على امتداد العالم ، و قيام منظمات أهلية دولية تبنت تلك
المبادىء كمجلس السلم العالمي و الاتحاد العالمي للنقابات و اتحاد الشباب
الديمقراطي  و اتحاد الطلاب العالمي و
اتحاد النساء الديمقراطي و العديد من الهيئات و المنظمات الفئوية و الأهلية
الاقليمية . و قد كان لذلك التضامن أثره العميق,  الى جانب العوامل الأخرى ، في الانجاز العظيم لشعبنا
في تحقيق استقلاله الوطني   وفتحَ في المجال للتوجّه نحو المضمون السياسي و
الاجتماعي للدولة المستقلة ، فكان مطلب المشاركة في القرار السياسي و التوزيع
العادل للثروة ركيزةَ المطالب الشعبية في الديمقراطية  والعدالة الاجتماعية ، كما الحال في البلدان
الأخرى حديثة الاستقلال مما أكسب تضامنها بعدا سياسيا-اجتماعيا ، يواجهه تضامن
سياسي-اجتماعي لقوى الاستعمار و الهيمنة التي رضخت لاستحقاقات الإستقلال و لكنها
سعت الى الابقاء على الهيمنة الاقتصادية و من خلالها التحكم في السياسات الداخلية
و الخارجية للعديد من دول العالم . 


 في واقع الأزمة الراهنة يتجه البعض
من المعارضة الى الخارج لكسب التأييد و الضغط على السلطة لتحقيق المطالب التي عجزت
عن فرضها حتى الآن و بعد مرور أكثر من عام و نصف على المواجهات العقيمة و المكلفة
، بدل البحث عن سبل للخروج من الأزمة باجماع وطني . المحافل الدولية التي يقصدها
البعض و الكونغرس الامريكي هي ، في واقع الأمر,  جهة واحدة بيافطات مختلفة . هي هيئات أمريكية
بعدَ سيادة القطب الواحد و إخضاع مجلس الأمن  والمنظمات الدولية للإرادة الأمريكية التي توصف
اليوم بإرادة المجتمع الدولي. .من الغريب أن يتجه دعاة الديمقراطية و العدالة الى
الجهة المطالَبة دوليا بالتخلي عن ازدواجية المعايير  واحترام القرارات الدولية المتعلقة بالحقوق
المشروعة للشعوب و على راسها الشعب الفلسطيني, 
و وقف دعم الأنظمة الدكتاتورية  و
احترام إرادة الشعوب في اختيار حكامها و أنظمتها .  من الغريب أن نلجأ الى دول تعمل احتكاراتها و
استخباراتها على تفتيت دولنا و نشر الفوضى فيها تحقيقا لاستراتيجية الهيمنة على
مقدرات المنطقة ، و استخدام أراضينا رأس جسر لحروبها القائمة و القادمة . هذا
التصالح مع الشيطان ، كما يردده بعض الاسلاميين 
في سعيهم الى السلطة، لا يمكن أن يقيم ديمقراطية و لا عدلا بل يرسخ أوهاما
نتيجتها استمرار الأزمة و تعمّقها و ابتعادنا عن الحلول التي لا تزال ممكنة . هناك
تناقض موضوعي بين الارادتين و إن تزيّنت إرادة قوى الهيمنة بيافطات الحرية و
الديمقراطية . لنا في الواقع العربي أمثلة حية على تلوّن هذه القوى و انقلابها على
حلفائها و التحالف مع خصومهم . لعل البعض يسقط الواقع المصري والتونسي على واقعنا
البحريني فيعتقد بتكرار الحال , و لربما بانتظار صفقة دولية- إقليمية   وهو ،
إن صح ذلك ، أكثر من واهم لاختلاف الشروط و المصالح  و توازن القوى الداخلي   والاقليمي.