المنشور

أجندة عربية للنقاش


اقترح الأديب العراقي حسب الله يحيى على مجلة “الثقافة الجديدة” الصادرة في بغداد، التي احتفلت بمرور ستين عاماً على تأسيسها تقديم محور خاص في كل عدد من أعدادها يتناول إحدى القضايا الملحة في العراق اليوم .





ومن المحاور التي سمّاها: ظاهرة العنف في العراق، حيث أمن المواطن بين القانون الضائع وحماية العشائر أو الطوائف، الفساد المالي والإداري: مَن يديره ومَن يصلحه في ظل تغييب الكفاءات وإقصائها، وحيث فوضى الإدارة ونهب الثروات، ولماذا يصبح المال العام في أيدي مَن لا يعرفون إدارته؟ وأيضاً: عزلة المثقف العراقي وغياب دوره في المشهد السياسي راهناً .


استوقفتني هذه المحاور لسبب رئيسي، هو أني وجدتها محاور عربية وليست خاصة بالعراق وحده، صحيح أنها تتمظهر في العراق بشكل أكثر حدة مما هي عليه في بلدان أخرى، لكن ما من بلد عربي، باستثناءات نادرة للغاية، ينجو من مواجهة هذه المعضلات الكبرى، التي تتماس مع قضايا التنمية والديمقراطية ودور الثقافة وأمن الوطن والمواطن .


جيد أن تنصرف الدوريات العربية، وبينها “الثقافة الجديدة” التي خاطبها حسب الله، وهي تكاد تكون واحدة، إن لم تكن الوحيدة من الدوريات الثقافية والفكرية العربية المستمرة في الصدور، منذ ستين عاماً، رغم المحن التي عانى ويعانيها العراق، فكانت تهاجر لتصدر في الخارج حين تهاجر الثقافة الديمقراطية العراقية مكرهة عن بلادها، وتعود للوطن حين يتوفر لها هامش يسمح بصدورها رغم الصعوبات، لكنها لم تنقطع عن الصدور، وظلت باقية كشمعة وجدت مَن يداري عنها الريح، ما في وسعه، كي لا تنطفىء .


لكن يبقى أن هذه الأجندة العراقية، التي حسبتها أجندة عربية، هي ليست مسؤولة دورية ثقافية فحسب، فهي أكبر من ذلك بكثير، إنها مسؤولية مؤسسات ونخب وقوى اجتماعية وسياسية معنية بمستقبل هذه الأوطان المنكوبة بالحروب الدموية، وبسرقة المال العام وإهداره، وبمصادرة فضاءات المجتمع المدني، وبانعدام أية رؤية تنموية للنهوض بالاقتصادات الوطنية المتعثرة وتحسين معيشة المواطن، رغم الثروات الهائلة في جوف هذه البلدان، وما العراق نفسه إلا مثال بين أمثلة .


ولأن الحديث دار عن دورية ثقافية، علينا ملاحظة التهميش الذي يطال الثقافة العقلانية وتراثها ورموزها، وانكفاء الاجتهاد الثقافي والفكري الذي كان رافعة التقدم العربي في عقود ماضية، لتحل محله فتاوى تزيين الإرهاب تحت راية ما يطلق عليه زيفاً الجهاد، والتكفير وتحقير المرأة .