المنشور

خلل الأولويات في الدولة العربية

هناك موضوعٌ نادراً ما يطرح في الساحة الإعلامية الجماهيرية العربية، مع
أنه بالغ الأهمية بالنسبة للفرد العادي، وخصوصاً إذا كان من ذوي الدخل
المحدود. فموضوع النقل والمواصلات مفصلي في الحياة اليومية بالنسبة للذهاب
إلى مكان العمل أو قضاء الحاجات المعيشية أو التفاعل الاجتماعي مع العائلة
والآخرين. وهو مثلاً لا يقلُّ أهميةً عن موضوع الإسكان الذي تلوكه الألسنة
ليل نهار.

لكن أهم ما في الموضوع هو جانبه العام الذي يرتبط بحاجات
الملايين العرب الفقراء وذوي الدخل المحدود. فالمجتمعات التي لا تولي
اهتماماً لسدّ الحاجات الضرورية في حياة الطبقتين المتوسطة والفقيرة، إنّما
تساهم في اضطرارهم للدخول في جحيم الإستدانة وشحّ متطلبات العيش اليومي
لهم ولمن يعيلون، وذلك من أجل توفير وسائل المواصلات الشخصية لهم
ولعائلاتهم.

موضوع النقل العام ليس فقط موضوعاً اجتماعياً، إنه أيضاً
موضوع بيئي صحي واقتصادي بامتياز. فمن الناحية البيئية، وبالتالي الصحية،
أثبتت الكثير من الدراسات الميزات الكثيرة لوسائل النقل العام.

أولاً:
إذا احتسب سفر الفرد الواحد لمسافة ميل واحد فإن استعمال السيارة الخاصة،
مقارنةً باستعمال وسائل النقل العام (القطارات أو الباصات، ينفث في الهواء
وعلى التربة بمقدار الضعف لشتّى أنواع الغازات والملوّثات الكيميائية
الأخرى (الباص الواحد ينفث من تلك الغازات بمقدار يقلُّ عما تنفثه عشرون
سيارة صغيرة، وهناك دراسة تظهر أن نقل البضائع بالقطار، مقارنةً بنقلها
بالشّاحنات الكبيرة، يقلل انبعاث غاز أكسيد الكربون الشهير بنسبة ثمانين في
المئة.

والنتيجة لكل ذلك هو زيادة هائلة في كثافة ما يعرف بالضباب
الحمضي الذي يغطي سماء عواصم ومدن العرب الكبرى، إلى حدٍّ حجب بعض المدن
العربية عن ضياء الشمس في بعض الأحيان. وليس المجال هنا لتفصيل المضار
الصحية الناتجة عن ذلك التلوث خصوصاً بالنسبة للذين يعانون من أمراض الرّئة
والحساسية.

ثانياً: وإذا كان هناك من المسئولين من لا تعنيه الجوانب
البيئية ولا الصحية، فإن هناك دراسات اقتصادية، تبيّن أن ما تحتاجه وسائل
النقل العام من قطارات وباصات من كميّة الطاقة لنقل الفرد الواحد، يقلُّ
بمقدار خمسة أضعاف إذا قورن بالطاقة التي تستعملها السيارات الخاصة.

فإذا
أضيف إلى ذلك أن النقل العام سيقتصد في مقدار الأرض المطلوبة للمواصلات،
وأثمانها في بعض المدن وصلت إلى أثمان خيالية، وأن محدودية تلويثه للهواء
يودّي إلى التقليل من تدمير التربة الزراعية ومن القضاء على شتّى الكائنات
الحيّة في الطبيعة، فإننا أمام ميزات اقتصادية مهمة للنقل العام.

إذن
لنطرح السؤال الآتي: ما الذي يجعل غالبية الحكومات العربية تتجاهل
الاهتمام بهذا الموضوع على الرغم من كل الدلائل التي أشرنا إليها، إضافة
إلى أن نصف سكان الأرض العربية من الفقراء المعوزين؟ بل هناك دلائل جديدة
على أن الطبقة المتوسطة في البلدان المتقدمة بدأت تهجر السيارة الخاصة،
بسبب ارتفاع أثمانها وأثمان الوقود والصيانة وندرة مواقف السيارات
والإزدحامات المرورية الخانقة، وتتجه نحو وسائل النقل العام. مثال على ذلك
أن نسبة مستعملي القطارات في انجلترا زادت بمقدار 40% في السنوات العشر
الأخيرة.

هل أن مثل تلك الحكومات ليست لها حساسية تجاه بيئة أوطانها
وصحّة شعوبها وقرب انتهاء حقبة البترول الرخيص، حتى في بلدان الثروات
البترولية؟

في اعتقادي أن الجواب يكمن في موضوعي التخطيط والأولويات.
أما غياب التخطيط في بلاد العرب فأمره معروفٌ ولا يحتاج إلى توضيح مآسي
وضعه وبطئ تنفيذ خططه.

لكن الإشكالية الأكبر هي في اعتقادي، إشكالية
الأولويات في جدول أعمال هذه الحكومات. فمنذ قيام دولة الاستقلال العربية
والحكومات المتعاقبة جعلت أولوية الأولويات في الصّرف من الميزانية تذهب
إلى نشاطات ومؤسسات الأمن الداخلي التي تتضخّم سنوياً بشكل كبير من أجل ضبط
المجتمعات المدنية وتأجيل التغييرات الكبرى؛ وكذلك تذهب إلى الصرف على
العساكر وشراء وتجديد وصيانة الأسلحة الحديثة الباهضة الثمن؛ وعلى التبذير
في حقول الإعلام والعلاقات العامة والمشاريع المظهرية التي ليس للاقتصاد
ولا التنمية الإنسانية دخل بها.

لا يشك أحد في أهمية استقرار الأمن
الداخلي وتوفّر القدرة على ردع العدو الخارجي، لكن عندما يتمُ الصرف على
بعض المرافق والخدمات بسخاء يصل أحياناً إلى حدود التبذير وتحرم مرافق
وخدمات أخرى مما يمكّنها من الوقوف على أرجلها لخدمة المواطن المحتاج لكل
دعم في هذا الزمن الصعب… عندما يحدث ذلك فإننا أمام ممارسةٍ تفتقر لقيم
العدالة والإنصاف، مهما تكن التبريرات التي تقدّم.

هناك حاجاتٌ معيشيةٌ يوميةٌ للمواطن لا يحقّ لأحدٍ ولا لأية جهة التلاعب بها ووضعها في آخر الأولويات.

علي محمد فخرو