المنشور

الطابع السياسي لقانون العمل الجديد

في ندوة انعقدت حديثاً بمقر جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) ضمن
احتفالاتها بعيد العمال العالمي كنت من المشاركين فيها بورقةٍ حملت عنوان
«الطابع السياسي لقانون العمل البحريني الجديد» الصادر بقانون رقم (36)
لسنة 2012، ومنها أكتفي بالوقوف على أهم مضامينها بإيجاز شديد منعاً
للإطالة، فيما يأتي:

«الطابع» كلمةٌ تحمل أكثر من معنى، ومن معانيها
ما يُعرف بالمميزات أو العلامات أو الخصائص التي تتصل بالشيء، إنما كلمة
«الطابع» في هذا المقام عادة لا تُستخدم إلاّ إذا كانت الخاصية أو
«الخصيصة» التي تتصل بالشيء خفية غير ظاهرة. وهذا ما كنت أعنيه في الورقة
المشار إليها، ذلك لأن قانون العمل المقصود في هذه الورقة يحمل دلالات
سياسية خفية غير ظاهرة تحتاج إلى دراسة وتأمل وتعمق لإظهارها.

أما
كيف صار لنا أن نُحَمِّل هذا القانون بـ «الطابع السياسي» فهذا لكونه قد
تجاوز حدود السياسة التشريعية التي تقتضي أحياناً أن تكون هناك قواعد
قانونية قائمة على أرضية سياسية مخالفة لمبدأ المساواة بين العمالة الوطنية
والعمالة الأجنبية لاعتبارات وطنية خاصة تقتضي ذلك؛ كإعطاء الأفضلية
للعمال الوطنيين على غيرهم في مواقع محددة على حساب مبدأ المساواة المفترض
احترامه في بيئة العمل، بينما نجد هذا القانون قد أزاح هذه الأرضية
«السياسية» من متنه، بأن أشاح بوجهه عن العمال الوطنيين في مواضع معينة،
وأعطى العمال الوافدين امتيازات أفضل مما أعطى العمال الوطنيين في مواضع
أخرى، بل إنه أتى بنصوص حَمَّلها دلالات سياسية ما كان يجب تحميلها وذلك
لمآرب سياسية. وهذا ما سنثبته من خلال النصوص الآتية.

أولاً: قيد وترشيح العاطلين الوطنيين:

في
المادة العاشرة من المرسوم بقانون رقم (14) لسنة 1993 المُعدِّل لقانون
العمل تنص على ما يأتي: «على وزارة العمل ترشيح المقيدين لديها للوظائف
والأعمال التي تناسبهم وتتفق مع سنهم وكفاءاتهم الفنية». هذا النص كما هو
واضح منه قد سن إجراءً قانونياً ملزماً يلزم وزارة العمل بترشيح العاطلين
الوطنيين المقيدين لديها للعمل لدى أصحاب الأعمال. وكانت هذه الوزارة لا
تكتفي بالترشيح وحسب، إنما كانت تتابع إجراءات تشغيل المرشحين من قبلها
والتأكد من استمرار تشغيلهم، حماية لهم من تلاعب أصحاب الأعمال، بيد أن
قانون العمل الجديد ألغى النص السابق واستبدله بنص آخر بموجب المادة
التاسعة التي جاء فيها «تعمل الوزارة بالتعاون والتنسيق مع الجهات المعنية
على اتخاذ الإجراءات المناسبة لتوظيف مقدمي تلك الطلبات»، فنلحظ من هذا
النص الجديد أنه خفف العبء على وزارة العمل فأصبحت بمنأى عن الالتزام
السابق ليبقى دورها تنظيمياً فقط يقتصر على قيد العاطلين، أو على التوصية
بتشغيلهم.

وبمقتضاه لم يعد هناك من التزام قانوني ذي ثقل على هذه
الوزارة في هذا الصدد، كما لم يعد لها من دور حقيقي فاعل يحمل على تطبيق
خطة «بحرنة الوظائف». وكأن هذا القانون أشاح بوجهه عن العمال الوطنيين بشكل
غير ظاهر.

ثانياً: منح الأفضلية في الاستخدام للعامل الوطني:

بالعودة
إلى قانون العمل لسنة 1976 (المُلغَى) نجد فيه المادة رقم (13) كانت تُلزم
أصحاب الأعمال بمنح الأفضلية للوطني في الاستخدام في حالة زيادة عدد
العمال عن حاجة العمل بحيث يجب على صاحب العمل في هذه الحالة الاستغناء عن
الأجنبي قبل العربي وعن العربي قبل الوطني. بمعنى أنه كان يُحظَر على صاحب
العمل الاستغناء عن العامل الوطني بحجة انخفاض نشاطه طالما أن لديه عاملاً
عربياً أو أجنبياً يعمل في المهنة ذاتها وبنفس كفاءة العامل الوطني. بيد أن
قانون العمل الجديد ألغى نص المادة السابقة جملة وتفصيلاً. وهذا الإلغاء
أقل ما يقال عنه أنه مخالف لنص يحمل قاعدةً ذات طابع سياسي رتبها الدستور
بنص المادة رقم (13) التي جاء فيها «تكفل الدولة توفير فرص العمل للمواطنين
وعدالة شروطه». فكيف يمكن أن تحمل الدولة التزاماً سياسياً على عاتقها
بتوفير فرص عمل للمواطنين بحكم الدستور في حين أن قانون العمل يُقوِّض هذا
الالتزام بطريقة غير مباشرة، ما يعني أن هذا القانون جاء بسياسة مخالفة
للدستور لأسباب ربما طفت عليها دوافع سياسية.

ثالثاً: التمييز في الأجور والمكافآت:

بالعودة
مرة أخرى إلى قانون العمل المُلغىَ نقرأ منه في المادة رقم (44) أنه «لا
يجوز لصاحبِ عملٍ يستخدم عمالاً أجانب أن يمنحهم أجوراً ومكافآت تزيد على
ما يعطيه العمال البحرينيين عندما تتساوى كفاءاتهم ومقدرتهم الفنية
ومؤهلاتهم العلمية …». في حين أن قانون العمل الجديد قد خلا من هذا النص
كلية، وكأنه يقول لأصحاب الأعمال لا بأس عليكم من أن تمنحوا أجوراً ومكافآت
وامتيازات للعمال الوافدين أكثر مما تمنحوه للعمال الوطنيين وإن تساوت
قدراتهم الفنية ومؤهلاتهم العلمية.

وهذا لا نعده فقط خروجاً على وجوب
إعطاء الأفضلية للعامل الوطني الذي تفرضه الاعتبارات الوطنية ووفقاً لما
يحمله هذا الوجوب من دلالات سياسية كما سبق القول، إنما هو تجاهل لمبدأ
العدالة والإنصاف والمساواة في حق العمال الوطنيين، لا لسبب نعرفه سوى أن
هذا القانون قد أشاح بوجهه عن هؤلاء.

رابعاً: وجوب ذكر أسباب إنهاء عقد العمل في شهادة الخدمة:

طبقاً
لنص المادة رقم (13) من قانون العمل الجديد نفهم منه أن هذا القانون خلق
حكماً فرض بموجبه على صاحب العمل أن يشير في شهادة الخدمة التي يعطيها
للعامل إلى سبب انتهاء خدمته.

فلو افترضنا أن عاملاً بحرينياً اعتُقل
أو أوقف على ذمة قضية جنائية فقرر صاحب العمل إنهاء خدمته خلال اعتقاله أو
خلال توقيفه، فإنه بمقتضى هذا الحكم يوجب على صاحب العمل أن يبين في شهادة
الخدمة سبب هذا الإنهاء. فهذا الحكم هو بلاشك يحمل دلالة سياسية يفترض عدم
حملها. إذ إنه ليس هناك من سبب يوجب ذلك سوى أن يكون هناك مأرب سياسي
وراءه.

خامساً: التعويض عن إنهاء عقد العمل جاء في المادة رقم (111) من قانون العمل الجديد ما يلي:

(ب‌)
«إذا أنهى صاحب العمل عقد العمل غير محدد المدة بدون سبب أو لسبب غير
مشروع بعد انقضاء ثلاثة أشهر من تاريخ بدء العمل التزم بتعويض العامل بما
يعادل أجر يومين عن كل شهر من الخدمة، وبما لا يقل عن أجر شهر ولا يزيد عن
أجر 12 شهراً».

(ج) و «إذا أنهى صاحب العمل عقد العمل محدد المدة
بدون سبب أو لسبب غير مشروع التزم بتعويض العامل بما يعادل أجر المدة
المتبقية من العقد…».

فلو افترضنا أن هناك عاملين عملا لدى صاحب
عمل واحد في آنٍ واحد بأجر خمسمئة دينار لكل منهما، الأول كان بعقد عمل غير
محدد المدة، والثاني بعقد عمل محدد المدة بسنة واحدة مثلاً. فقام صاحب
العمل بفصلهما معاً دون سبب بعد ستة أشهر من الخدمة. فإن الأول سيحصل على
تعويض لا يتجاوز أجر شهر واحد، أي خمسمئة دينار فقط بمقتضى نص الفقرة (ب)
السابق ذكرها. في حين أن العامل الثاني سيحصل على تعويض عن باقي مدة العقد،
أي بأجر ثلاثة آلاف دينار بمقتضى نص الفقرة (ج).

إذاً وعلى ضوء ما
تقدم سنجد من حيث الظاهر أن عقد العمل المحدد المدة هو الأصلح والأفضل
للعامل لأنه يعطيه تعويضاً أكثر مما يعطيه العقد غير محدد المدة. بيد أن
هذه الأفضلية لو تأملنا إليها جيداً لوجدنا أنها ما هي إلاّ فخ نُصب للعمال
الوطنيين. وهذا الفخ يتمثل في فقد ضمان استقرارهم في العمل باعتبار أن
عقود العمل محددة المدة تنتهي بانتهاء مدتها فلا يكون صاحب العمل ملزماً
بتجديد العقد بعد انتهاء مدته، ما يترتب عليه تعطل العامل بعد انتهاء مدة
العقد، أو رضوخه إلى شروط جديدة مجحفة يمليها عليه صاحب العمل كتخفيض راتبه
في مقابل إبرام عقد عمل جديد معه لمدة محددة أيضاً.

وبناء على
النصوص السابقة، ونصوص أخرى لم يسع المجال لذكرها، يثبت لنا أن قانون العمل
الجديد في جوانب متعددة منه لم ينصف العمال الوطنيين بل تخلَّى عنهم وآثر
العمال الوافدين عليهم، وأن بعضاً من هذه الجوانب لها دلالات سياسية أقل ما
يقال عنها إنها تمسّ الحقوق التي كفلها الدستور وتتنكر للحقوق والالتزامات
الوطنية التي يستوجب مراعاتها.

علي محسن الورقاء