المنشور

هل إلى التقسيم ذاهبون؟

نقل أحد الصحفيين اللبنانيين مؤخراً أن أحد الزعماء المسيحيين اللبنانيين قال في ذروة الحرب الأهلية في لبنان منتصف سبعينات القرن الماضي: “إننا كمسيحيين لا نملك قرار تقسيم لبنان أو توحيده . قرار التقسيم رهن بحدوث أمر واحد في المنطقة . فإذا حدث نذهب جميعاً مسيحيين ومسلمين الى التقسيم رغماً عنا” .
ولما سئل عن الحدث أجاب: “تقسيم العراق، إذا تقسّم العراق، يقسّم لبنان وسوريا وبلدان أخرى، وفي حال لم يقسّم العراق، فلن يحدث أي تقسيم لدول المشرق” .
قيل هذا وسط تعالي الأصوات الانعزالية في اليمين اللبناني، يومها، عن خيار تقسيم لبنان، لكن ضجيج هذه الأصوات لم يحجب حقيقة أن التقسيم، آنذاك، كان عصياً، لأن خريطة المنطقة الراهنة لم تصمم على مقاس بلد بعينه، وإنما على قياس المنطقة كلها، وبالتالي لن يكون بوسع بلد من البلدان العربية أن يذهب إلى خيار التقسيم مالم تتوفر له “إرادة” دولية، تمنحه الغطاء اللازم، وهذا ما بدأت تلوح مظاهره اليوم .
ورغم أن الحديث عن التقسيم عاد للظهور على خلفية تفاقم الأزمة السورية المستمرة منذ ثلاثة أعوام، حيث جرى تداول سيناريو تقسيم سوريا، لينشأ على أراضيها كيانان على الأقل، واحد في الساحل للعلويين، وآخر للسنة تكون الشام مركزه، لكن الأمر ظل عند حدود التداول الاعلامي، فيما الذي يجري في العراق اليوم قد أسس ميدانياً لفكرة التقسيم .
وعلينا أن نقرأ في تصريح الزعيم الكردي مسعود البرزاني عن إجراء استفتاء في كردستان العراق حول الاستقلال خلال شهور أحد تجليات هذه الفكرة، فنتيجة استفتاء مثل هذا محسومة سلفاً، كما كانت محسومة نتيجة استفتاء القرم بالانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا، مع فارق مهم هنا، هو أن الغطاء الدولي قد يتأمن لاستقلال أكراد العراق عنه، في إطار الميل المتزايد لتفكيك الكيانات الوطنية القائمة إلى مجموعة دويلات على أسس عرقية أو مذهبية، وهو أمر جرى التحضير له خلال العقد الفائت، تارة على نار هادئة، وأخرى على نار ساخنة حسب مجريات الحال .
العقبات أمام ذلك ليست قليلة . فقيام كيان كردي مستقل ومعترف به شمالي العراق سيطرح على بساط البحث حق أكراد تركيا وإيران وسوريا في تقرير المصير، وحينه لن يعود الأمر محصوراً في نطاق الكيانات العربية وحدها، وإنما سيشمل الجوار غير العربي، وتلك حكاية أخرى .


د . حسن مدن