المنشور

مئة عام مع الوردي

«عشرة أعوام عشتها مع الأستاذ الدكتور علي الوردي كانت بمثابة مئة عام
دار». بهذه العبارة افتتح محمد عيسى الخاقاني كتابه «مئة عام مع الوردي»
الصادر عن «دار الحكمة» بلندن. ويتضمن الكتاب مقدمة وأربعة فصول وخاتمة،
إضافةً إلى ملف بالوثائق والصور تقع جميعها في 340 صفحة و41 صورة
فوتوغرافية نقلنا عبرها المؤلف إلى قلب الحياة اليومية لأبرز المفكرين
الاجتماعيين العرب في القرن العشرين وأكثرهم إثارةً للجدل.

في حديث
لي مع الشيخ عيسى الخاقاني والد المؤلف، وصاحب مجلس الخاقاني الثقافي
البغدادي الذي جاء تأسيسه بمبادرة من الوردي نفسه، قال الخاقاني: «يحق
للعراق أن يفخر بشخصيتين عظيمتين، وأن ينصب لهما التماثيل اعتزازاً
وتقديراً لعطائهم ودورهم في النهضة العلمية في العراق: علي الوردي، وحسين
علي المحفوظ».

في العام الماضي، مرّت علينا الذكرى المئوية لولادة
العلامة علي حسين الوردي (ت 1995) صاحب المؤلفات الغزيرة والمثيرة للجدل.
وفي هذا العام يصدر هذا الكتاب الشيق عن مسيرة حياة الوردي وتجربته
الفكرية.

تتلمذ على يد الوردي العديد من الطلبة البحرينيين، يوم أن
كانت السيادة الفكرية في العالم العربي معقودة لبغداد، وكان أحد طلبته عالم
الاجتماع عبدالهادي خلف، الذي أخبرني أنهم في جامعة بغداد كانوا يعدون درس
الوردي «حصة السوالف» لفرط بساطتها وعفويتها. لكن خلف أعاد النظر في
تقييمه لأستاذه حين انتهى إلى أن اللغة الواضحة لا تعني البساطة، وأن
التعقيد لا تعني الغزارة العلمية.

مبكراً انفتحتُ على كتابات الوردي
الاجتماعية ذات الجرأة النقدية العالية، وكانت لدراستي الجامعية لعلم
الاجتماع أثر في دفعي للاطلاع على تراث الوردي الذي يتخذ من التراث
والتاريخ مادةً لكتاباته التي شغلت العقل العربي لأكثر من خمسين سنة. وكنت
أهرب من قسوة اللغة الجافة لكتب علم الاجتماع التي كنا ندرسها في الجامعة،
إلى نداوة اللغة الشفافة والبسيطة التي يخاطب بها الوردي قراءه وكأنه يتحدث
إلى صديق قديم في سمر ليلي على ضفاف دجلة.

نجحت كتابات الوردي في
إنزال علم الاجتماع من عليائه ونخبويته ولغته المتخصصة، إلى لغة سهلة قريبة
من إدراك عامة الناس، وهو ما جعل يد القراء – على رغم الفوارق الفكرية
والتعليمية بينهم – يتلقفون كتاباته بتعطش وفضول.

وبمقدار النجاح في
الانتشار الذي تحقق للوردي، نالته الأقلام الناقدة والأفواه الحاقدة، وهو
حظٌ نال مثله في فرنسا فولتير، وفي إيران علي شريعتي، على ما بين الثلاثة
من اختلاف في الرؤى والمنطلقات.

ولقد وصل الأمر بأحد علماء الدين أن
قام خطيباً في أحد جوامع بغداد ليعلن في خطبة الجمعة أن «هناك ثلاثة أمور
تؤدي إلى فساد البلاد، هي القمار والبغاء وعلي الوردي»!

ينتمي
العلامة الوردي إلى عائلة دينية عريقة يعود نسبها إلى زيد الشهيد (أحد
أحفاد الإمام الحسين)، سكنوا الكاظمية المقدسة وعمل جدهم الأكبر بمهنة
تقطير الورد فسميت العائلة بالوردي، وبعضهم يلقّب بآل الورد.

ويبدي
إعجابه برجال الدين المصلحين، فيقول: «يعجبني من المصلحين في هذا العصر
رجلان هما الشيخ محمد عبده في مصر والسيد محسن الأمين في الشام، فالشيخ
محمد عبده قد نال في بدء دعوته الإصلاحية من الشتيمة قسطاً كبيراً حتى
اعتبروه الدجال الذي يظهر آخر الزمان، ولكنه الآن خالدٌ لا يدانيه في مجده
أرباب العمائم مجتمعين. وكذلك السيد الأمين الذي لم ينِ ولم ينثن عن محاربة
السخافات التي شوهت الدين وجعلت منه أضحوكة الضاحكين».

في أربعة
فصول ينقلنا الخاقاني إلى حياة أستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد، فيتحدّث
في الفصل الأول عن ولادة الوردي وطفولته وصباه، ثم دراسته في بيروت،
فحصوله على بعثة دراسية إلى جامعة أوستن الأميركية، ثم حصوله على الدكتوراه
بتقدير امتياز عن أطروحته الموسومة بـ»التحليل الاجتماعي لنظرية ابن
خلدون».

والفصل الثاني خصصه الكاتب للحديث عن الوردي كما عرفه الكاتب
بادئاً بالإشارة إلى مذكرات الوردي الضائعة التي أعطاها اسم «سينما
بغداد»، وهي مخطوطةٌ ضاعت في ظروف غامضة رغم أن الخاقاني قد رآها بأم
عينيه. أما الفصل الثالث فيكرسه الباحث للحديث عن فكر الوردي كما تعكسه
مؤلفاته والعلماء الذين تأثر بهم، فيما يتمحور الفصل الرابع في رأي الوردي
بالساسة العراقيين الذين تناوبوا حكم العراق منذ العام 1921 وحتى العام
2003 بدءاً من الملك فيصل وانتهاءً بصدام حسين، الذي عندما ذُكر أمامه
الوردي أشاح بيده وقال «لا أحبه، أنا لا أحب الوردي».

عندما ذهب
الوردي لقضاء إجازته الصيفية الجامعية في بريطانيا نزل في مسكن يعود إلى
عجوز تؤجر بيتها إلى الطلبة الوافدين، شرحت العجوز لأصدقاء الوردي مشكلته
قائلة: «إن صديقكم عندما يدخل إلى الحمام يبكي وينوح وأنا أخشى الحديث معه
خوفاً أن يشعر أني انتهك خصوصيته، عندها طرح أصدقاؤه المشكلة على الوردي،
عندما قالوا له ماذا تفعل عندما تدخل الحمام؟ قال الوردي عندما استحم
أترنّم بالغناء العراقي؛ فقالت العجوز ولماذا كل هذا الألم والحزن الممض في
أغانيكم؟ لماذا تبكون حتى في الغناء»؟

ومضت سنوات ترنّم الوردي فيها بغنائه الحزين والعراق ينوح طويلاً وينزف أكثر ولا يزال.

وسام السبع