المنشور

مرفوع الهامة يرحل


“كل الذين نحبّهم ذهبوا . . وسيذهبون . بين عاصفةٍ وعاصفة، قد نجد مَقعداً للحنين أو للوداع . طوبى لهذه السكنى القصيرة المُسَوّرة بالرّيح” .




قائل هذه الكلمات هو محمود درويش، وهو قالها لسميح القاسم، رفيقه وصديق عمره، ليس الشعر وحده ما جمع بينهما وهما القامتان الشعريتان الشامختان، ليس في الشعر الفلسطيني وحده، وإنما في دنيا الشعر العربي كله .



لقد جمعهما الحزب الذي ناضلا في صفوفه، وهما لم يزالا في سني الفتوة الأولى، وجمعت بينهما زنزانة السجان، وظروف الإقامة الجبرية، وجمعتهما الجريدة التي عملا فيها معاً، ليصنعا مع ثلة من خيرة المثقفين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة في ،1948 الثقافة الفلسطينية الديمقراطية المناضلة ضد المحتل حيث كان . وكانت معهما أسماء لامعة أخرى: إميل حبيبي، توفيق زياد، إميل توما، وآخرون . 



هي مأثرة من أروع مآثر الشعب الفلسطيني، الذي لم يقاوم بالبندقية والحجر والصاروخ، إنما بالكلمة التي حفظت الذاكرة الوطنية الفلسطينية وذهبت بها إلى أعلى المدارج التي يمكن أن يبلغها شعب أرضه محتلة منذ أكثر من ستين عاماً .



في لحظة افترق الرجلان في المكان فحسب، اختار محمود المنفى طوعاً لأنه لم يعد يحتمل البقاء هناك، أما سميح فآثر البقاء . لكن سيرتهما ظلت مشتركة، كما هي سيرة كل الفلسطينيين المشطورة أفئدتهم بين الأماكن: “كيف يمكن أن نقسم الأحبة إلى شطرين؟”، يتساءل إميل حبيبي . لكن هذه هي حال شعبه، كانت ولا تزال .



هذه السيرة المشتركة تظل محفوظة، بين أشياء أخرى، في المراسلات المنشورة بين الصديقين، ففيها عبّرا عن أنّ فلسطين كانت دائماً أغنيتهما المنشودة وجنتنهما المفقودة، وفي أقسى المحن لم يفقدا تلك البوصلة التي لا يمكن أن تكون لها وجهة أخرى غير فلسطين، التي بدت لهما إبان انتفاضة الحجر الأولى، قابلة للاستعادة، أكثر مما كانت عليه من قبل .



بعدت فلسطين اليوم أو قربت، طالت المسافة إليها أم قصرت؟



سؤال يحتمل أجوبة مختلفة، لكن الابداع الفلسطيني والثقافة الوطنية الفلسطينية ممثلة في أكبر رمزين شعريين لها في الوقت الراهن، ظلت على الرهان الذي لا يخيب، في أن التوق الفلسطيني للحرية مآله الظفر . نحن إزاء منظومة متكاملة من المقاومة في معناها الإنساني الرحب الشامل: الأرض والشعب والتاريخ والذاكرة الوطنية المصانة بإبداع شعب عصيّ على الخنوع .



كصمود شعبه، منتصب القامة، مرفوع الهامة رحل سميح القاسم إلى الخلود .