المنشور

“داعش” وأمريكا وما بينهما

بقي
“الغموض البديع” يظلل العلاقة بين تنظيم “داعش” والغرب عموما والولايات
المتحدة خصوصاً، على مدى السنوات الثماني الماضية التي شهدت ولادة التنظيم
(2006) ونشأته في العراق وتمدده الذي صار عليه اليوم في العراق وسوريا .
فلقد كان واضحاً أن الطرفين ظلا حريصين على تحاشي بعضهما بعضاً، ما خلا
بطبيعة الحال العلاقات الكواليسية التي لا أحد يعرف حتى اليوم عن خباياها،
على الرغم من توفر عديد البصمات والشواهد المثيرة للريبة والتشكك من هذه
العلاقة الغريبة .
في معرض التكهنات والأسئلة التي أثارتها وتثيرها هذه
العلاقة الملتبسة، فإنه، على سبيل المثال، حتى وقت قريب جداً، فإن كل ما
خرج به مسيحيو العراق من مناشداتهم للعواصم الكبرى صاحبة “الولاية” على
الطوائف المسيحية عبر العالم، هو صدور إدانة ناعمة من قبل نائب مستشار
الأمن القومي الأمريكي “بن رودس” لاعتداءات تنظيم “داعش” على الأقليات
المسيحية وغيرها وتدمير عدد من المزارات الدينية في شمالي العراق!
على
مقلب آخر، فإن بابا الفاتيكان يترك مسيحيي الشرق يتعرضون للتطهير والقتل
والسلب في العراق وقبله سوريا، ليشد الرحال إلى كوريا الجنوبية، مبشراً
بالكاثوليكية في أرض بوذية الديانة والهوى، وذلك ضمن مساهمات كهنة
الفاتيكان في الجهود الاستراتيجية الغربية لاستمالة شبه الجزيرة الكورية
بصورة تامة وناجزة نحو الغرب وحضارته وثقافاته .
وكي لا تشوشنا صور
الحاضر، فقط علينا أن نقوم بعملية “فلاش باك” سريعة وسنجد أن الغرب ظل
يتفرج فعلاً على كارثة إنسانية كبرى عنوانها تشريد الآلاف من الطائفة
الإيزيدية وتركهم هائمين في العراء، فارين من بطش مليشيات “داعش” . حتى صور
المأساة التي نقلتها للعالم عدسات بعص الصحفيين الشجعان مثل أليسا جيه
روبين مراسلة صحيفة “نيويورك تايمز” التي كادت تدفع حياتها ثمنا لنقل صورة
حية عن مأساة هؤلاء الناس من فوق جبل سنجار الواقع غرب الموصل والذي يبلغ
ارتفاعه 5000 قدم، ومراسل التلفزيون البلجيكي، رودي فرانكس، (55 عاماً)،
الذي رفض مغادرة جبل سنجار ودهوك، حيث ظهر رودي فرانكس مساء الأربعاء 20
أغسطس/ آب على شاشة نشرة أخبار الساعة السابعة على القناة البلجيكية
الأولى، ليعلن من موقعه في جبل سنجار، “إن ما تفعله “داعش” بنشرها شريط ذبح
الصحفي الأمريكي، ما هو إلا رسالة واضحة مفادها إرهاب الصحفيين الغربيين،
ونشر الرعب بينهم، ليكفوا عن نقل الحقيقة والمجازر التي ترتكبها في سوريا
والعراق ضد الأقليات الأخرى، وعلى رأسهم الأيزيديون” . وخلال الأيام
اللاحقة، قدم رودي فرانكس العديد من الريبورتاجات التلفزيونية للقناة
البلجيكية الأولى، من شمال العراق ودهوك وجبل سنجار، مستعرضاً فيها المأساة
التي يعيشها الشعب الإيزيدي، بعد هروب من استطاع منهم من قبضة “داعش” في
شمال العراق، كما قدم برنامجاً وثائقياً مدته 25 دقيقة عن ثلاثة ممن نجوا
من عدة مذابح ارتكبتها “داعش” وراح ضحيتها جميع رجال عدة قرى أيزيدية، فيما
اختُطف جميع نساء تلك القرى .
ومع ذلك، فإنه في بداية الأمر لم تستدع
مناشدات مسؤولي إقليم كردستان للأسرة الدولية للتدخل لوقف طوق النار الذي
كاد يقترب من الفارين من حقول الموت، استجابةً على قدر معاناتهم، وإن كان
التحرك الأمريكي هنا كان هو الأبرز، حيث ألقت الطائرات الأمريكية من الجو
بأطنان من شحنات المساعدات الانسانية على مناطق تجمّعهم فوق جبل سنجار،
والذي جاء في إطار مبدأ التدخل الانساني الذي استخدمته واشنطن لتدخلها
العسكري في الصومال خلال الفترة من 1992-،1994 حيث أرسلت ما يصل إلى ثمانية
وعشرين ألفاً من قواتها إلى الصومال في إطار ما اعتبرته مهمة إنسانية في
الصومال، إلا أن مقتل ثمانية عشر فرداً من القوات الأمريكية في أكتوبر/
تشرين الأول 1993 أجبر واشنطن على سحب قواتها في أوائل عام .1994 . وكذلك
استخدمته حين قررت التدخل العسكري في يوغسلافيا خلال الفترة من فبراير/
شباط 1994 إلى سبتمبر/ أيلول 1995 .
إنما التدخل العسكري “الانساني” لم
يحدث لإنقاذ أهالي الموصل وبلدات وقرى الشمال العراقي إلا بعد أن أعمت شهوة
السلطة بصيرة قادة تنظيم “داعش” وركبت رؤوسهم فكرة التمادي والتمدد
جغرافياً لبسط سيطرتهم على منطقة شمال العراق بأكملها . وهنا ما كادت
جحافلهم تصل إلى أطراف مدينة أربيل وتهدد باقتحام عاصمة إقليم كردستان الذي
تتكامل أهميته العسكرية الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن مع قاعدة انجرليك
الجوية الأمريكية الواقعة في جنوب شرقي تركيا، في كسر واضح لقواعد تفادي
الاشتباك التي أقامها الطرفان بينهما منذ ما قبل استغلال الأمريكيين
(والأتراك كمقاول باطن) لمقاتلي “داعش” في الحرب التي تُشن على سوريا منذ
ثلاث سنوات . ما كادت طلائع مقاتلي التنظيم تصل إلى مشارف أربيل حتى انطلقت
أسراب الطائرات الأمريكية لتقديم الاسناد الجوي لقوات البشمركة الكردية
دفاعاً عن إقليم كردستان وعاصمته أربيل . فكان أن تغيرت طبيعة الغارات من
مجرد “عمليات جراحية” لمساعدة الجيش العراقي في التصدي لهجمات “داعش” إلى
غارات مركزة ذات طبيعة قتالية “فاعلة” .
ومع ذلك تبقى الانعطافة الحاسمة
في موقف واشنطن من “داعش” تلك التي أملتها الجريمة الوحشية التي ارتكبها
التنظيم مساء الثلاثاء 12 أغسطس/ آب 2014 بذبح الصحفي الأمريكي جيمس فولي
الذي كان خُطف في سوريا في نوفمبر ،2012 وذلك ثأراً للضربات الجوية
الأمريكية ضد مقاتليه في العراق، وتهديد التنظيم بأنه سيقطع رأس الصحفي
الأمريكي الآخر ستيفن جويل سوتلوف المحتجز لديها منذ اختطافه في يوليو/تموز
2013 قرب الحدود بين سوريا وتركيا . فهذه الحادثة هي التي فرضت على واشنطن
الانعطاف باتجاه مقاتلة التنظيم في إطار ما أسماه الرئيس أوباما
“استراتيجية بعيدة الأمد في القتال ضد داعش” . ولكأن التاريخ يعيد نفسه،
فبعد أن كان تنظيم “القاعدة” ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية حلفاء في
خندق واحد إذا بهما يتحولان إلى ذئبين يقاتلان بعضهما بعضا . والآن ها هو
“داعش” والولايات المتحدة وجها لوجه في جولة حرب يصعب التكهن بمداها بعد أن
كانا حتى وقت قريب شريكين غير رسميين في مهمة واحدة هي اسقاط النظام
السوري بأسلوب التدمير الشامل . – See more at:
http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/9c58ece6-d0dd-460d-ab0f-a27b415635f9#sthash.5Lrl5F8i.dpuf