المنشور

الإسلام السياسي إلى أين؟ – سعيد ناشيد

 
الإسلام السياسي مقبل على تحولات قد تكون دراماتيكية، وبصرف النظر عن قوته الانتخابية في هذا البلد أو ذاك، عليه أن ينخرط في رهان الثورة الدائمة على مفاهيم الفقه التقليدي.

هناك عبارة مشهورة لـ“لافوازييه” تقول: “لا شيء يموت، لا شيء يولد، بل الكلّ يتحول”. إذا كانت تلك العبارة تصدق على عالم السياسة أيضاً- ولعل الأمر كذلك- فليس مرتقباً أن يختفي الإسلام السياسي عن المشهد أو يتوارى عن الأنظار، وعلى الأقل لن يحدث هذا في المدى المنظور. وبالتالي، كل ما يمكننا فعله هو أن نراهن على تحولاته المحتملة وتقلباته المرتقبة ومآلاته المأمولة. وهذا عين الصواب. لكن المشكلة تكمن دائما في التفاصيل.

قد يكون التحوّل أحياناً نحو الأسوأ، وقد يكون نحو الأفضل في بعض الأحيان. وبين هذا المآل وذاك تبقى قوة الحسم للذكاء والإرادة، لكن لا ننسى هامش الصّدفة أيضاً. ألم يعتبر ميشيل فوكو أنّ الحياة صراع صدف؟

الاسم الذي يُطلق على التحوّل الإيجابي هو التطوّر. وإمكانية التطوّر في الحقل السياسي هي بكل بساطة إمكانية الوعي بعوائق التطوّر لأجل إزاحتها عن الطريق.
قد تكون عوائق التطور خارجية بحيث تسهل إزاحتها، لكنها قد تكون داخلية، وهنا وجه الصعوبة والتعقيد. وكما يقال، ما أسهل النقد، ما أصعب النقد الذاتي. نعم، ما أسهل أن ننتقد الغرب وأميركا وإسرائيل ولست أدري، لكن ما أصعب أن ننتقد أنفسنا أولاً.

من وجهة نظر النّقد الذّاتي- هذا الغائب الأكبر عن الذهنية العربية والإسلامية- إذا كان الإسلام يحتاج إلى تجديد دائم- وتلك سنّة الحياة- فإنّ هناك عدّة عوائق داخلية تحول دون إمكانية تجديد الإسلام من داخل الإسلام السياسي، من بينها:

أولاً، منطق الدّعوة كما اعتمدته كل فصائل الإسلام السياسي، والذي حرمها من إمكانيات تفعيل النّقد الذاتي، ليس فقط كواجب أخلاقي وإنما كضرورة حياتية للنماء والتطور. فقد حدد الإسلام السياسي غايته في دعوة الناس إلى الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه. غير أنّ منطق الدّعوة هنا يُحوّل الفضاء السياسي من فضاء للتواصل والتوافق والتفاوض والتنازل والتعايش إلى مجال للتّدافع والاحتراب وصدام الحق والباطل، والخير والشر، والملائكة والشياطين، إلخ.

ثانياً، شعار “الإسلام هو الحل”، والذي بقدر ما كان يغري بوجود حل جاهز ناجز لكل مشاكل البلاد والعباد، فإنه يصادر على المطلوب. والمطلوب أن ندرك بأنّ هذا الإسلام (الذي يقدمه البعض كحل سحري) هو بمثابة خطاب يضم آلاف الكتب والمجلدات التي ألّفها ودوّنها وأملاها ونسخها وأعاد نسخها بشر لديهم عقول قد تتسرّع، وحواس قد تنخدع، ونفوس قد تطمع، وهو خطاب يحتاج إلى الكثير من الجهد النّقدي لغاية تجديد هذا الدين، والذي يحتاج فعلا إلى التجديد، بشهادة أهل الإسلام أنفسهم، وباعتراف أحاديث مأثورة حول حاجة هذا الدين إلى التّجديد باستمرار، أو بين الفينة والحين.

ثالثاً، انتقال مركز الثقل الديني من العقيدة إلى ما يسمى بالشريعة. علماً بأنّ العقيدة هي الأصل والأساس في الإسلام، أما الشريعة فإنها لا تحيل إلى غير ذلك المجهود البشري الذي بذله الفقهاء على مدى قرون طويلة في محاولة منهم لاستنباط أحكام عامة من النص القرآني، ومن النص الحديثي، وأحيانا من النص الصحابي أيضا.
رابعاً، انتقال مركز الثقل الفقهي من القرآن إلى السنّة. بحيث لم تعد السنة في الأخير مجرّد شارحة أو مفسرة أو مكملة للقرآن، بل أصبحت مصدراً إضافيا للتشريع، وأصبحت أحكامها في آخر المطاف (مع ابن حنبل على سبيل المثال) ناسخة لأحكام القرآن. وليس يخفى أنّ النص القرآني يبقى الأقرب إلى العقل وإلى حقوق الأقليات وإلى الحريات الفردية من النص الحديثي، ومن النص التابعي أيضاً.

خامساً، منح الأولوية المطلقة لمبدأ الجماعة على حساب مبدأ الفرد. وبهذا النحو أصبح الحزب مجرد جماعة، والمؤسسة مجرد جماعة، والدولة مجرد جماعة، وأصبحت المعارضة خروجا عن الجماعة، والاختلاف في الرأي تخلفا عن الإجماع والذي هو رأي الجماعة، إلخ. وبهذا النحو تلاشى الفرد في أتون الجماعة. وليس يخفى أن الفرد، ذلك الفرد الواعي بذاته، بتفرده، وبتميزه، هو الأساس “الوجودي” للديمقراطية وقيم المواطنة وحقوق الإنسان.

يحتاج الإسلام السياسي إلى إصلاح داخلي جذري يعيد تحديد معاني النص والاجتهاد والفقه والشريعة. يحتاج الإسلام السياسي إلى أن ينفض عنه غبار فقه العصر الإمبراطوري، فقه الغزو والسبي والجزية والغنيمة إلخ؛ يحتاج إلى أن ينفض عنه غبار فقه عصر المماليك، فقه الحريم والعورة والحجاب والخلوة إلخ؛ يحتاج إلى أن ينفض عنه غبار فقه الاستبداد الشرقي، فقه الطاعة والرعية والبيعة والجماعة إلخ؛ يحتاج إلى أن ينفض عنه غبار فقه القدامة، فقه الولاء والبراء والفرقة الناجية وحد الردة إلخ.

في كل الأحوال فإنّ الإسلام السياسي مقبل على تحولات قد تكون دراماتيكية في بعض الأحيان، وبصرف النظر عن قوته الانتخابية في هذا البلد أو ذاك، عليه أن ينخرط في رهان الثورة الدائمة على مفاهيم الفقه التقليدي، بدل التذرع بوسطية منزوعة المواقف، وحتى عديمة المروءة في بعض الأحيان. فهل هذا الهدف قابل للتحقق؟ هو في كل الأحوال رهان مأمول لأجل التحول الإيجابي.

أي نعم، يحتاج الإسلام السياسي إلى “بريسترويكا إسلامية”.
 
جريدة  العرب
الكاتب: سعيد ناشيد
كاتب مغربي
نُشر في 10/11/2014، العدد: 9734، ص(9)