المنشور

انسحاب النـُخب

هل تخلت النخبة العربية، من مثقفين وقادة سياسيين، عن دورها الفاعل لتنزوي في دور المنفعل، من ممهد للحدث أو صانع له إلى دور المنفعل به، التابع له؟ هل تقود النخبة المجتمع أم أنها تلحق به، تحت شعور بالتقصير أن التحولات جاءت أكبر من توقعاتها، لا بل إنها فاجأتها، وإن جيلاً جديداً لا يتمتع بالخبرة والوعي اللذين تملكهما النخبة اجترح من المآثر والأفعال ما عجزت هي عنه؟

وإن أمكن تفهم هذا الأمر، فإن ذلك لا يبرر تقاعس النخبة عن ممارسة دورها النقدي في تقييم وتصويب وتوجيه وترشيد ما جرى ويجري، بدلاً من التمادي في دور الممالأة لمزاج الشارع، وهو مزاج متقلب، يمكن أن يدفع، في غياب الحس النقدي، إلى أسوأ ما في قاع الوعي من أوهام .

ومهما قيل عن مثالب وأخطاء قادة ومؤسسي الحركات السياسية والفكرية في العالم العربي في منتصف القرن العشرين أو بداياته، فإنهم توفروا على درجات من الكاريزما وقوة التأثير لم تعد متوفرة لدى نظرائهم من قادة هذه الحركات في المرحلة الراهنة .

فلم تعد هناك قوة المثال أو النموذج الآسرة لأفئدة وعقول الشبيبة العربية، التي وجدت ضالتها، بحكم الفراغ الفكري والتسطيح السياسي، في تأييد أو الالتحاق بالحركات المتطرفة، والتي تأخذ هؤلاء الشبان إلى مهالك الدمار والضياع وضروب التشوه المختلفة .

من الظلم الإلقاء باللوم كله على هذه النخب بطبيعة الحال، فهي ذاتها كانت ضحية للإقصاء والتهميش، لا بل والقمع في حالات كثيرة، إن هي استعصت على التدجين، مما خلق حالات واسعة من عزوف المثقفين عن المساهمة في الشأن العام، والانطواء على الذات والعزلة والانسحاب .

ومنذ سنوات والمثقف يتعرض لتقريع، وحتى إدانة ومطالبة له بالانسحاب من دورٍ لم يعطه إياه أحد، أو حسب تعبير جون بول سارتر، من مهام لم يكلفهُ بها أحد، لكن سارتر كان يعني أمراً آخر، هو أنه على المثقف ألا ينتظر التكليف لينهض بمسؤولياته .